إن التفريق بين الإرهاب والتطرف هو مسألة جد شائكة، وذلك لشيوع التطرف والإرهاب كوجهين لعملة واحدة، ويمكن رسم أوجه الاختلاف بينهما من خلال النقاط التالية:

 

التطرف فكر، الإرهاب فعل

- إن التطرف يرتبط بمعتقدات وأفكار بعيدة عما هو معتاد ومتعارف عليه سياسيا واجتماعيا ودينيا دون أن ترتبط تلك المعتقدات والأفكار بسلوكيات مادية عنيفة في مواجهة المجتمع أو الدولة، أما إذا ارتبط التطرف بالعنف المادي أو التهديد بالعنف فإنه يتحول إلى إرهاب، فالتطرف دائما في دائرة الفكر أما عندما يتحول الفكر المتطرف إلى أنماط عنيفة من السلوك من اعتداءات على الحريات أو الممتلكات أو الأرواح أو تشكيل التنظيمات المسلحة التي تستخدم في مواجهة المجتمع والدولة فهو عندئذ يتحول إلى إرهاب.

- التطرف لا يعاقب عليه القانون ولا يعتبر جريمة بينما الإرهاب هو جريمة يعاقب عليها القانون. فتطرف الفكر لا يعاقب عليه القانون باعتبار هذا الأخير لا يعاقب على النوايا والأفكار، في حين أن السلوك الإرهابي المجرم هو حركة عكس القاعدة القانونية ومن ثم يتم تجريمه.

- يختلف التطرف عن الإرهاب أيضا من خلال طرق معالجته. فالتطرف في الفكر تكون وسيلة علاجه هي الفكر والحوار، أما إذا تحول التطرف إلى تصادم فهو يخرج عن حدود الفكر إلى نطاق الجريمة مما يستلزم تغيير مدخل المعاملة وأسلوبها.لاحظنا في السنوات الأخيرة في العالم العربي خطورة الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في نشر الفكر المتطرف، بل إن بعض المنابر والأصوات الليبرالية واليسارية تدافع عن حق الجماعات المتطرفة في الوجود السياسي.

 

المعالجة الأمنية لا تكفي وحدها

ان هذا الطاعون الأسود يتغلغل في دول المشرق بل تعداه الى أوروبا وكل دول العالم اليوم، ولعل السؤال الرئيسي الذي ينبغي إثارته الآن هو كيف نواجه التطرف؟

هناك إجابة تقليدية تتمثل في استخدام الوسائل الأمنية والأدوات السياسية. وهو منهج في تقديري غير كافي. لأنه ليس بالأمن وحده يجابه الإرهاب. وهناك إجابة أخرى نتبناها وتتمثل في منهج السياسة الثقافية الذي تقوم على أساس تحليل ثقافي عميق لظواهر التطرف والإرهاب.

ولو أردنا أن نعدد مفردات المنهج الأمني والسياسي. وهو منهج ضروري ولكنه ليس كافيًا، لوجدناها تتمثل في عديد من الأساليب. من بينها سياسة تدمير شبكات التطرف والإرهاب من خلال أجهزة الأمن والقانون، وإثارة الانقسامات بين مختلف الجماعات الإرهابية تحت شعار "فرق تسد"، وعزل العناصر المتطرفة، وإعطاء المجال للعناصر المعتدلة حتى يسود خطابها في المجتمع، مع تركيز على الوسطية. ولعل أبرز هذه المفردات هو المواجهة العنيفة الحاسمة مع العناصر المتطرفة والإرهابية لاستئصالها من المجتمع.

 

وإذا كانت هذه الوسائل يمكن أن تكون فعالة في المدى القصير، إلا أنها لا تصلح لمواجهة التطرف والإرهاب في المدى الطويل. لأن هذه الظواهر عادة ما تعبر عن "رؤى للعالم" لها جذور في الثقافة، من خلال تأويلات مشوهة للنصوص الدينية، بالإضافة إلى أنها تعبير بليغ عن التأخر السائد في المجتمعات العربية والإسلامية، نتيجة لارتفاع معدلات الجهل والأمية بين الجماهير العريضة، وبسبب انحياز شرائح من النخب المثقفة للتفسيرات الدينية المتطرفة لأسباب شتى ولغايات معينة تخدم مصالحها.

وفي تقديري، لابد من إجراء تحليل ثقافي متعمق لظاهرة التطرف والإرهاب، تمهيدًا لاقتراح سياسات ثقافية فعالة، قادرة في مواجهة هذه الظواهر في المدى الطويل.

 

مسؤولية الأنظمة والتربية

ولو أجرينا هذا التحليل الثقافي لاكتشفنا أن في مقدمة الأسباب اختراق الجماعات المتطرفة لنظام التعليم بكل مؤسساته. وقياداتها على وعي دقيق بأن التنشئة المبكرة على التطرف الإيديولوجي يجعل من التلاميذ والطلبة حين يشبون عن الطوق، أدوات طيعة يمكن تجنيدها في شبكات الإرهاب المحلية والقومية والعالمية.

ويساعد على هذا الاختراق أن التعليم في البلاد العربية والإسلامية يقوم على التلقين وتقوية الذاكرة، ولا يقوم على الفهم ولا على النقد ولا على الحوار بين الأفكار. بعبارة موجزة النظام التعليمي يبذل كل جهده لصياغة "العقل الاتباعي" ويتجنب صياغة "العقل النقدي".

ولعل هذا الاتجاه السلبي العقيم تشجعه بصورة مباشرة وغير مباشرة النظم السياسية العربية والإسلامية، لأن العقل الاتباعي تسهل السيطرة عليه، في حين أن العقل النقدي متمرد بطبيعته. ومع ذلك فإن المفارقة التاريخية تؤكد أنه حتى في البلاد التي ساعدت السلطة فيها على تخليق "العقل الاتباعي"، نشطت فيها الجماعات الإرهابية التي استهدفت السلطة نفسها باعتبارها طاغية وكافرة!.

فإذا أضفنا إلى ذلك ازدواجية نظم التعليم، بحيث نجد تعليمًا مدنيًا في جانب وتعليمًا دينيًا خالصًا في جانب آخر (مثاله البارز التعليم الأزهري في مصر، والمدارس الإسلامية في باكستان)، لأدركنا أن هذه الازدواجية أحد أسباب التطرف الإيديولوجي. فالتعليم الديني. يساعد على بلورة رؤى للحياة تتسم بالانغلاق، ويغلب على دراساته النقل وليس العقل، والتعليم الديني التقليدي أكثر استعدادًا لقبول وتصديق الخرافات التي تنسب لمصادر دينية، وهي ليست كذلك. بالإضافة إلى آلية التأويل المنحرف للنصوص الدينية التي تطبقها الجماعات المتطرفة، والتي تضفي الشرعية الدينية على أهدافها وأساليبها الإجرامية، ومن بينها استحلال أموال غير المسلمين، وشرعية قتلهم سعيًا وراء تحقيق هدفهم الأسمى وهو الانقلاب على الدول العلمانية، وتأسيس الدول الدينية التي تقوم على الفتوى وليس على التشريع، تحت رقابة الرأي العام، بواسطة مجالس نيابية منتخبة في سياق نظام ديموقراطي، يقوم أساسًا على الانتخابات الدورية وتداول السلطة، وحرية التفكير والتعبير والتنظيم وسيادة القانون.

 

خطورة الإعلام المتطرف

وقد لاحظنا في السنوات الأخيرة في العالم العربي خطورة الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في نشر الفكر المتطرف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بل إن بعض المنابر والأصوات الليبرالية واليسارية تدافع عن حق الجماعات المتطرفة في الوجود السياسي وهذا فعلا امر مستغرب، مع أن فكرها الانقلابي لا يمكن أن يحترم مبادئ الديموقراطية. وإذا أضفنا إلى ذلك القنوات الفضائية الدينية التي تنشر الفكر المتطرف من خلال التأويلات المنحرفة للنصوص الدينية، بالإضافة إلي نشر الفكر الديني الخرافي، لأدركنا عمق التأثير الذي تحدثه في الجماهير العريضة.

ويمكن القول إن الخطاب الرسمي للسلطة العربية أحيانًا ما يغازل المشاعر الدينية للجماهير، من خلال المزايدة المؤسفة مع فكر الجماعات المتطرفة، سعيًا لتأكيد شرعيتها السياسية المفتقدة، وفي سياق التحليل الثقافي لا يجوز أن نتجاهل ظاهرة الإحباط الجماعي للجماهير العريضة نتيجة الفشل الحكومي الذريع في إشباع الحاجات الأساسية للجماهير، وانتشار الفساد، وغياب المحاسبة.

 

عدم التمييز والقراءات المبسطة

وأيًّا ما كان الأمر، فإن مما يزيد من خطورة التطرف الإيديولوجي أنه يقوم على دعامتين: النقد المطلق للغرب باعتباره كتلة واحدة لا تمايز بين جوانبها المتعددة، باعتباره أصل الشرور في العالم، وتضخم الذات المرضى الذي ينزع إلى أن المسلمين فقط بمفردهم، هم الذي سيصلحون حال البشرية!

من كل ما سبق اقول ان المعركة معقدة وشائكة فتفكيك منابع الارهاب وتجفيفها ليست بالمسألة السهلة، واعود واشدد ان الحسم العسكري وحده ليس كافيا...!

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة