تشتعل حرب الفتاوى كل عام في أعياد الميلاد و غيرها من أعياد المسيحيين، و ُتدار معركة جواز التهنئة من عدمها برتابة لا تختلف عن الأعوام السابقة، و كأن مقدرات الأمة رهن تهنئة مواطن مصري -أولاً- قبل أن يكون مسيحيًا بأعياده الدينية.

 

مآسي الوهابية

العنصرية والتطرف ضد كل من ليس إسلامياً سنياً في مصر لم يكن وليد هذا الزمن فحسب، فالأمر له جذوره التاريخية، إلا أنه انتشر كالوباء- على الأقل في عصرنا الحديث والمعاصر - بعد سياسة الانفتاح على الوهابية القادمة من شبة الجزيرة العربية في سبعينيات القرن الماضي.

وزاد عليه في الألفية الثالثة التطور الهائل لوسائل الاعلام الحديث والتي سهلت رصد تلك الانتهاكات والممارسات. فلم تعد تخضع لرقابة إعلام الدولة والتي طالما إعتبرت أن الحديث عن الممارسات العنصرية أخطر من الممارسات العنصرية نفسها، وهي ترفع ضمنيًا شعار دفن رأس الدولة في رمال إنكار الأزمات الطائفية!

 

الأقليات الدينية وثقافة الغلبة للأغلبية

الأقليات الدينية مصطلح يُستخدم للإشارة لكل من لا ينتمي لدين أو مذهب الأغلبية، المصطلح نفسه ليست فيه إشكالية، إلا إذا تم استخدامه لترويج فكرة التهميش مع سبق الاصرار والترصد، وهو ما يحدث كثيراً في مجتمعاتنا العربية. فمن لا يتذكر الجدل الذي أثاره تقرير الحكومة عام 2012 عن تعداد المسيحيين في مصر بعد تقلد الدكتور محمد مرسي مرشح الإخوان المسلمين زمام الرئاسة بثلاثة أشهر والذي تم تقدير المسيحيين فيه بنحو خمسة ملايين نسمة.

تعالت أصوات من داخل الكنيسة بأن تعداد المسيحيين وصل إلى 15 مليون شخصًا، وتضاربت الإحصاءات حينها. وأعلنت الكنيسة أن الخطورة تكمن في إصدار هذه الإحصائيات قبل الشروع في كتابة دستور البلاد (دستور الإخوان). وبغض النظر عن التعداد الحقيقي ما بين تقرير الحكومة والكنيسة، إلا أن مربط الفرس هو الاعتقاد بأن تضاؤل الأرقام يعني تهميش الحقوق، ولربما أن هذا الاعتقاد نابع من ثقافة ٍمجتمعية شائعة تعرف بإسم " الغلبة للأغلبية " أي أن حقوق الأغلبية تزيد من سطوتهم المجتمعية و التشريعية و القانونية كلما تضاءلت أعداد الأقليات.


من المفترض أن الدساتير لا تعرف ثقافة "الغلبة" لهذا تسعى دساتير العالم المتحضر إلى المساواة بين المواطنين بغض النظر عن العقيدة و ُيقاس التقدم بمقدار الحقوق القانونية و التشريعية للأقليات الدينية تحديداً. 
خرجت مصر و كثير من البلاد العربية من هذا المأزق في الاعتراف بالأقليات، ليس عن طريق دستورٍ يقف فيه الجميع على قدم المساواة، وإنما بدستورٍ يعترف بأقليات دينية دون غيرها، وهي الأقليات من الديانات الإبراهيمية أي المسيحية و اليهودية.

يُعد هذا الأمر تناقضا ًفجاً، لأن أعداد البهائيين والشيعة في مصر أكبر من تعداد يهود مصر المنقرضين والذي وصل تعدادهم لعشرين شخصا ًحسب ما أوردته السيدة ماجدة هارون رئيسة الطائفة اليهودية. هنا دليل على أن الإعتراف بالأقليات كان على خلفية الانتماء لدين ٍإبراهيمي وليس على خلفية التعداد، وهو من الأمور المتناقضة والتي ترسخ للتسامح الانتقائي.

 

"أخونة" الدولة وأسلمتها

المسيحيون في الشرق الأوسط كانوا دائما ً– كما يراهم دعاة دولة الخلافة – كتلة صلبة في وجه أحلام الخلافة، أتذكر جيداً هذه اللحظات العجاف التي أراد فيها الإخوان المسلمون تمرير قانون لفرض الحجاب في مصر عام 2005 بعد تصريحات وزير الثقافة فاروق حسني حول التحولات المجتمعية التي أدت بالنساء إلى الحجاب في مصر. وشنت جماعة الإخوان والجماعة السلفية  بعض رموز الحزب الوطني حربا ً شعواء وصلت إلى حد انتشار ملصقات جدارية مكتوبٍ عليها "كلب الثقافة". أتذكر حينها أن الجدال حول خطورة فرض الحجاب لم يكن على خلفية حماية الحقوق الشخصية للنساء و إنما على خلفية خطورة فرض الحجاب على المسيحيات في مصر، رغما ً أن كثيراً من مسيحيات مصر يغطين روؤسهن في الصعيد. وقد فشلت مساعي الإسلاميين- بمعاونة بعض رجال الدين المسيحي - في جدلية ضرورة تشبه المسيحيات في الحياة العامة بالسيدة مريم العذراء التي ترتدي الحجاب.

أدرك دعاة فرض الحجاب بالقانون، أن هزيمتهم في هذه المعركة كانت بسبب كتلة المسيحيين التي لن تدع الأمرَ يمر مرور الكرام، و أن فرض الحجاب بموجب قانون على الأقباط لن يكون يسيراً. 

 

اختزال حقوق المسيحين في مصر

وعلى صعيد آخر اختزال حقوق المسيحين في مصر إلى المادة الثالثة في الدستور والتي تنص على احتكامهم لشرائعهم في الأحوال الشخصية، يجب التأكيد أن هذه ليست حقوق مواطنة في الحقيقة، لأن حقوق المواطنة تبدأ بإختيار الحريات الشخصية حتى وإن خالفت نصوصا ًدينية. فالأصل في المواطنة قانون مدني يساوي بين الجميع، وهو الأمر المهضوم حقه ليس بالنسبة للمسيحين فقط و إنما للمسلمين كذلك، فحرياتنا مرهونة بعدم مخالفتها لقوانين تستند إما لشريعة المسلمين أو تعاليم الإنجيل.

كما أن معركة جواز تهنئة المسيحيين لربما تستنزف كثيراً من وقتنا وجهودنا كل عام. وشيوخ التطرف لم يأتوا بجديد وإنما نهلوا من كتب الفقة والحديث. وُيعد إنكار اشكالية كتب التراث وما تحمله من ألغامٍ فقهية أكبر تحديات تجديد الخطاب الديني والذي يحرز تقدما أشبه بسرعة السلحفاة، هذا إن تحرك من مكانه في الأساس.
علينا أن ندرك أن تهنئة مصري ٍمسيحي بأعياده الدينية ليست في حاجة إلى انتظار فتوى دينية تحثنا على ذلك أو تمن عليهم بالتهنئة و كأنه تفضل و عطاء ممنوح من الصدر الأعظم. حتى الفتاوى التي تلجأ لمصطلحات مثل "يجوز تهنئة المسيحي" أو "تهنئة المسيحيين أمر محمود"... ما هي إلا فتاوى تحمل في طياتها استعلاءً طائفيا ً أو مذهبيا ً من نوع آخر حتى و إن لم تحرِّم التهنئة كما يفعل السلفيون.

وهنا يِطرَح تساؤل هام نفسه... لماذا لا يواجه الإعلام الحكومي والخاص قضايا التهجير والاعتداء على الكنائس خاصة في صعيد مصر بنفس الضراوة والحزم والاهتمام بقضية تهنئة المسيحيين؟ أين الاعلام من تلك القضايا بدلاً من توجيه المعركة بكثافة لمجرد انتزاع اعتراف اسلاميٍ كل عام بأن تهنئة المسيحيين تجوز أو مستحبة؟! وكأننا نختزل التعايش وقضية المواطنة في كلمات التهنئة؟ 

 

نظرية الطائفية السخيفة... العين بالعين!

في الفترة ما بين 14إلى 17 أغسطس 2013 فقط، شهدت مصر حرق خمسة وعشرين كنيسة ً ودير، وحرق أربعة جمعيات أهلية قبطية ونهب و تدمير سبعة كنائس أخرى وإتلافاً جزئيا ً لخمسة كنائس ورشق عشرة كنائس وثلاثة منازل لقساوسة ٍ بزجاجات المولوتوف والحجارة. وكل ما سبق حصيلة ثلاثة أيام فحسب، وإن أعددنا ملفا ً كاملاً عن الاعتداءات المماثلة على الكنائس في مصر على مدار الأربعة عقود الماضية، فسندرك حينها حجم الأزمة التي لن يتم علاجها بالتجاهل أو التعتيم، بحجة أن يكون الأمن مستتبا ً، فالأمن يستتب وتستقر الأوضاع حين تواجه الدولة الراديكاليين لا تتفاوض معهم.

 قد نُفاجأ بأن رد الفعل الجمعي - ليس فقط بالنسبة للمنتمين للتيارات الإسلامية الراديكالية – يستند في تبريره للاعتداءات على الكنائس في مصر... بأنه رد فعلٍ شرعي للانتقام من حادث اعتداءٍ على مسجدٍ ما للمسلمين خارج مصر، وبالتأكيد فإنَّ أي اعتداءٍ على دور العبادة مُدان، أما نظرية التبرير الطائفي بالإعتداء على الكنائس في مصر رداً على الاعتداء على مسجد ٍ بالخارج...

ما هي إلا أفعال ترسخ للفكر الأصولي الذي يدعو للانتقام الأعمى، وكأن حرق الكنائس شيء بديهي!! والمفارقة كذلك أن هؤلاء الراديكاليين قد يعتدون على الكنائس رداً على مداهمات الأمن لمواقع الجماعات الإسلامية الجهادية وكأنهم يلوون ذراع السلطة، وكأن كنائس مصر متنفس للراديكاليين ليعبروا فيها عن غضبهم تجاه العالم!


والأدهى من ذلك هو تبرير التهجير القسري للمسيحيين في مصر بالانتقام مما يحدث للمسلمين في الصين، رغما ً أن الصين تضيق الخناق في ممارسات الشعائر الدينية ليس فقط على المسلمين وإنما على المسيحيين كذلك كون المسيحية أكثر الأديان انتشاراً هناك! 

الدستور المصري ُيجرم التهجير القسري في مادته 63 و التي تنص على حظر التهجير التعسفي بجميع صوره وأشكاله، ومخالفة ذلك جريمة لا تسقط بالتقادم"، لكن رغماً عن ذلك لم تسلم محافظة من التهجير القسري للمسيحيين بشكل ممنهج وتتم كثير من الجلسات العرفية للتهجير برعاية أجهزة الدولة الأمنية التي تقصر الشر.

قضايا التهجير عديدة ونأخذ منها على سبيل المثال لا الحصر ما حدث في نسيان/ابريل 2015، حين تم إتهام مدرس وخمسة أطفال من قرية الناصرية ببنى مزار فى المنيا بإزدراء الدين الإسلامي، على خلفية تمثيلهم مشهداً ينتقد تنظيم داعش، وقضت الجلسة العرفية بتهجير المدرس ونقل التلاميذ الخمسة إلى مدارس خارج القرية! و كأن من هجروهم يعترفون ضمنيا ً أن داعش تمثل الإسلام!


والحادثة الأشهر التى فتحت الباب على مصراعيه للتهجير القسري، كانت حادثة تهجير ثمانية عائلات ٍ مسيحيةٍ بقرية شربات بالعامرية عام 2012، على خلفية إتهام شاب مسيحي بعلاقة عاطفية مع سيدة مسلمة، وعُقدت جلسات صلح عرفية برعاية الأمن.

إن رعاية الأمن وتعتيم الإعلام الحكومي هي من أسباب الاحتقان الحقيقية والاعتقاد بأن تكتم أحداث التهجير القسري أو تجاهلها إعلامياً يساعد في الاستقرار..اعتقاد خاطئ من الدولة المصرية، واختزال معركة المواطنة بتهنئة دار الافتاء للمصريين المسيحيين بأعيادهم ليست لب الموضوع و لا مربط الفرس الحقيقي.

كاتبة مصرية - مقتبس من كتاب (دولة الإمام؛ متى تخلع مصر عمامة الفقيه) الصادر عن دار ابن رشد 2017