منذ بداية الحرب السورية كانت معظم الأحياء الدمشقية وخصوصا المسيحية منها مستهدفة، سواء بالقذائف العشوائية او بالرصاص الذي كان يسقط عشوئيا على المباني السكنية والمدارس والكنائس وهذه الأحياء الدمشقية مثل القصاع وباب توما وجرمانا هي في عين العاصفة بسبب مجاورتها وقربها لمراكز تجمع الإرهابيين والمجموعات التكفيرية في جوبر والغوطة الشرقية.

وفي هذا المشهد الدامي، دفع الأطفال السوريون اثمان باهظة منذ اندلاع الحرب ولغاية الان. فهناك الالاف من الأطفال استشهدوا، ومنهم من فقدوا اطرافهم ليصبحوا ذوي عاهات مستديمة، يضاف إليهم الأطفال الذين تركوا مدارسهم ونزلوا الى ميادين العمل حتي يتمكنوا من إعالة عائلاتهم، ناهيك عن الأعداد الكبيرة في مخيمات اللجوء والنزوح.

 

وتتعاظم صيحات سكان مدينة دمشق بسبب استمرار آلة القتل العشوائي وقذائف الحقد التي تنهال شمالا ويمينا عليهم من دون ان تفرق بين كهل او شاب او طفل كما. ان هذه الصيحات تناشد رؤساء الكنائس الروحيين والمعنيين لإيجاد حل جذري وسط صمت القبور لمجتمع دولي يقف عاجزا ويكتفي بدور المتفرج على جلجلة ودرب آلام السوريين منذ ثماني سنوات. ذلك أن دولاً بعينها ساعدت ومدت هذه العناصر الإرهابية بالسلاح والعتاد والاموال حتى تغلغلت واصبحت كالأخطبوط الذي يتمدد شيئاً فشيئاً حتى بات من الصعب القضاء على الرأس المحرك له.

 

التعايش مع الموت

يُقال ان أصعب شيء يمكن أن يحدث لشخص ما هو فقدان السيطرة على ظروف حياته. وهذا ما يحدث اليوم، حيث نراه بأم العين عندما نزور هذه الأحياء السكنية الدمشقية. فمن يخرج من منزله صباحا لا يعرف اذا كان سيعود الى بيته ام لا فالحرب ليست فقط على الجبهة ولكنها حرب العصابات المجرمة التي تنتهجها هذه المجموعات الإرهابية وتهدد امن المدنيين العزل إذانها اخطر بكثير من حروب الجبهات المفتوحة، لان العدو في هذه الحالة جبان لا يقوى الا على قتل الأطفال والمدنيين الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة. انهم يواجهون حاليا عاصفة رهيبة من القتل العشوائي البشع ولذلك تجد انه من من الصعب على هؤلاء الدمشقيون السيطرة على ظروف حياتهم.

 

الأطفال وقود الحرب

يبدو ان اطفال سوريا اليوم هم وقود لهذه الحرب القذرة التي تخطت الثماني سنوات، فكانت الحصيلة دمار وتشريد وقتل بينما الرؤوس المدبرة في الدول الأخرى يجلسون على طاولات المفاوضات وامام عدسات الكاميرات. لقد شارك المجتمع الدولي بشكل مباشر او ربما غير مباشر في تعزيز صورة الجماعات الإرهابية المنتشرة في كل اراضي الدولة السورية على انها فصائل معارضة او مقاومة، فكان بذلك شريكا اساسيا في آلة القتل التي تنال من المدنيين العزل كل يوم.

كما نشهد اطفالاً تفارق الحياة بصمت رهيب بسبب فقدان العناية الصحية والعلاج في الكثير من المناطق الساخنة، حيث تم منع الكثير من شركات الأدوية من التعامل مع السوريين بالإضافة الى عرقلة البنوك الأجنبية  في تعاملاتهم مع المدفوعات الخاصة بإستيراد الأدوية.

 

تداعيات ما بعد توقف الحرب

ومن هنا اتساءل كيف سينشاء جيل سوري بعد عدة سنوات وما هو مصير هذا الجيل في ظل غياب رعاية صحية ناجعة وتعليم نظامي، بالإضافة الى تجنيد هؤلاء الاطفال من قبل المجموعات الإرهابية للقتال بالنيابة عنهم واستخدامهم كدروع بشرية. الموضوع ليس مسألة تشاؤم ولكن كل المؤشرات والتوقعات على الأرض، تشير بأن الحرب في سوريا قد تكون مستعصية على الحل وربما الأكثر دموية من كل حروب الشرق الأوسط ولذلك كل ما نخشاه الان هو تداعيات المستقبل.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة