رفض الراحل الكبير غسان تويني أمام أصدقائه ومريديه من آرائه "نظريّة المؤامرة" Conspiracy theory  واعتبرها من عمل الخيال ونسيج الجهل وقلّة القراءة وضآلة الثقافة وعدم المعرفة وتصحّر العقل. كثيرون ممن عاصروه وجايلوه تساءلوا عن معزى رفضه لتلك النظرية بمعانيها وأهدافها، وغالبًا ما كان النقاش يحتدم ويتصاعد بين مؤيّد وناقد ورافض، لتكشف الأزمنة والأيام رسوخ هذه النظرية بالكليّات والجزئيات، لا سيّما حينما انفجر الربيع العربيّ، وانعكس ذلك احترابًا في سوريا وعليها، وتوسّعت الحرب كأداة للمؤامرة الدنيئة والصفيقة، بالعمل على ربط الميادين والساحات ببعضها ربطًا محكمًا كأوراق ضغط وقوّة، وكخيوط عنكبوتيّة قاتلة. ولتثبيت نظرية المؤامرة التي لم يكن غسان وحده رافضًا لانسيابها بل حدا حدوه كثيرون من أتباع النظرية البراغماتية في السياسة وتطبيقاتها، نورد ما قيل لوزير الخارجية الأميركيّة الأسبق هنري كسينجر في بداية الحرب اللبنانيّة، أنتم متهمون بالتآمر على لبنان وبلدان الشرق الأوسط، فجاء جوابه فورًا وأنتم بدوركم متهمون بعدم إفشال مؤامرتنا، فنحن دولة لديها مصالحها في العالم كلّه ونعمل بالتآمر وبعدمه، بالتحالفات والتفاهمات بيننا وبين دول وقوى أخرى من أجل تعزيزها وترسيخها، فإذا أيقنتم أننا متآمرون فلماذا لا تحبطون مؤامراتنا، أنتم بدوركم متهمون بعدم العمل على إحباطها وإبطالها"

 

ضرب الكنيسة الروسية

لا ينفصل الانشقاق الرهيب الدائر والمتفجّر في العالم الأرثوذكسيّ عن آفاق تلك النظرية بطبيعتها وجوهرها، بتعدديّة معاييرها وتنوّع آفاقها واتّساع حقولها. بل على العكس تمامًا فالانشقاق الكنائسيّ بحقيقته ومقدماته ومراميه، وبكلّ الأسباب الموجبة، منتم إليها وملقى في أحضانها ومنطلق من رحمها. بداية تماهي الانشقاق بتلك النظرية المديدة السوداء، تتجلى من اللحظة المكوّنة له، وهي لحظة الصراع الأوكرانيّ - الروسيّ، والصراع الروسي-الأميركيّ، من الساحة الأوكرانيّة إلى الساحات المشرقيّة وبخاصّة الساحة السوريّة، ومن ثماره المؤلمة فرض عقوبات أميركيّة وأوروبيّة على روسيا بسبب ما أسمته الإدارة الأميركيّة بالتدخّل الميدانيّ والسياسيّ في أوكرانيا، وصولاً إلى انسياب حركية اللحظة السياسيّة الأميركيّة في الحيّز الكنائسيّ، مستهلكين نوعيّة العلاقة المتوتّرة بين كنيستي موسكو والقسطنيطينيّة، ضمن ما سمي في الصراع على النفوذ في العالم الأرثوذكسيّ بصورة عامة، ليجعلوا من موضوع استقلال كنيسة أوكرانيا عن بطريركيّة موسكو وكلّ الروسيا عنوانًا جوهريًّا تحتشد فيه عناصر الانسياب الحركيّ المتوتّر بغية تحقيق التمزّق في العالم الأرثوذكسيّ كلّه، بسبب شكلانيّة القرار وآحاديته من قبل البطريركية المسكونيّة، وعلى رأسها البطريرك برثلماوس.

يعرف الأميركيون من خلال ما يقومون به من أبحاث وقراءات، بأن روسيا ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بمؤسساته وإيديولوجياته، باتت تتألّف من ثالوث متساو في الجوهر وغير منفصل، بل من ثلاثة أعمدة راسخة وثابتة ومترابطة، وهي الرئاسة والجيش والكنيسة. وتكرّس ذلك بقوّة ومناعة في عهد الرئيس فلاديمير بوتين والبطريرك كيريل، والجيش الروسيّ. وللتدليل على عمق العلاقة بين هذا الثالوث، انطلقت الحرب على الإرهاب بالمقاييس الروسيّة في سوريا من مباركة الكنيسة الروسيّة ودعمها ومساندتها. ويتذكّر كثيرون بأنّ ضباط الجيش الروسيّ وأفراده ما تحركوا باتجاه سوريا إلاّ بتحفيز كنسي كبير. لا يخفى على أحد بأنّ الأرثوذكسية جزء لا يتجزّأ من السياق القوميّ الروسيّ. إنه مزيج من عناصر تذوب وتختفي حتى تصير قالبًا واحدًا في الشكل وجوهرًا واحدًا في المضمون. ولا يخفى أيضًا على أحد، بأنّ الأرثوذكسيّة جزء من السطوع الثقافيّ والفكريّ والفنيّ والأدبيّ والموسيقيّ، فمن قرأ فيودور دوستيوفسكي في روايته الشهير الإخوة كارامازوف أدرك قوّة هذا البهاء. على هذا ليس من انفصال بين روسيا والأرثوكسيّة، التي وفدت إليها من بلاد المشرق عبر الآباء المشارقة، إنها وليدة المشرق، وحين استبدت الشيوعية بها ونكّل ببطاركتها وأساقفتها وهدمت أديرتها وكنائسها، ظلّ الإيمان عاصفًا. وقد انكشف ذلك خلال الحرب العالمية الثانية عندما تم اكتشاف الصليب معلّقًا على صدور ضباط الجيش الروسيّ وعسكره لحظة استشهادهم.

لا يجيء الاستطراد في هذا المقام من باب سرد الوقائع التاريخيّة الخاصّة بإيمان الشعب الروسيّ، بل من باب فهم القارئ والتماسه لمدى عمق العلاقة بين الأرثوذكسيّة كإيمان والدولة ككيان والقوميّة كهويّة. في هذا المقام نحن أمام حالة متراصّة ومتجانسة ومتوحدة حتى العظم، والسياسة الروسيّة كما الآداب وما إليها تعبّر عن وحدانيتها بغير انفصال أو تبديل.

 

يسعى الأميركيون ومن باب فهمهم لتلك الوقائع الراسخة إلى ضرب الأقنوم الثالث في المدى الروسيّ أي الكنيسة، ومعاقبة روسيا وبخاصّة الرئيس فلاديمير بوتين من خلال إلهاء الكنيسة وإضعافها وإنهاكها في القضيّة الأوكرانية، ومن بعدما فشلوا في إرباكه أي بوتين وجيشه في المشرق العربيّ. أيطال هذا السعي بامتداداته هم مجموعة ما يسمى بالمسيحيين الجدد New Christians  والمسيحيّة المتصهينة وعلى رأسها جون بولتون ووزير الخارجية الأميركيّ الحاليّ مايك بومبيو ويسعون إلى إضعاف روسيا بكلّ المقاييس والرؤى. وبناء على ذلك، استخرجوا ملفًا شائكًا يعود إلى سنة 1992 وهو وجود كنيسة مستقلّة في أوكرانيا مع المطران فيلاريت، تطالب منذ ذلك الوقت باعتراف العالم الأرثوذكسيّ بخاصّة والعالم المسيحيّ بعامّة بها ككنيسة مستقلّة ومنتمية في آن إلى العائلة الأرثوذكسيّة. لقد تمّ تأسيس تلك الكنيسة في كييف بالاستقلال التام والانفصال المطلق عن بطريركية موسكو وكل الروسيا، وقد رفضت الأخيرة الاعتراف بها. وفي الوقائع التاريخيّة إنّ البطريركية المسكونيّة ومنذ أن تولّى برثلماوس سدّتها اعتبرت بأنّ ولادة المسيحيّة في روسيا تمّت من كييف أي من أوكرانيا، فيفترض، بالتالي، أن تكون لأوكرانيا كنيسة مستقلّة بالإضافة إلى كون أوكرانيا بلدًا مستقلاًّ. توتّرت العلاقات بين البطريركيتين للتوّ أي بطريركية موسكو وبطريركية القسطنطينيّة، لكون نظرة البطريركية المسكونيّة ظهرت آحاديّة الوجه ومن دون تنسيق مع الكنائس الأرثوذكسيّة الأخرى. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ التوتّر بحدّه الأدنى والمعقول، ولم يبلغ حدّ الانفجار والقطيعة، حيث ترك حلّ هذه المسألة على وجه التحديد للنقاش الهادئ. غير أن القسطنطينيّة ظلّت مهجوسة ومتوجّسة من تعاظم نفوذ بطريركيّة موسكو في العالم، سيّما أنّ لها جامعتين كبيرتين ووحيدتين في فرنسا وأميركا هما سان سيرج في باريس وسانت فلاديمير في نيويورك تخرج منها كبار اللاهوتيين والأساقفة، ولها رعايا وأبرشيات في المهاجر عددها يفوق عدد الرعايا التابعة للبطريرك برثلماوس أو بطريرك القسطنطينيّة. ثمّ جاء دخول روسيا إلى سوريا كعلامة واضحة لتعزيز هواجس القسطنطينيّة، وقد رأت بأن كنيسة موسكو بدأت تتحوّل إلى كنيسة مالكة القدرة بالتأثير على العالم الأرثوذكسيّ من جهة وعلى العالم المسيحيّ من جهة أخرى.

 

العين الأميركية على أوكرانيا

ينظر بعضهم إلى نمطية الخلاف بين الكنيستين على أنه صراع أحجام ونفوذ. قد تصحّ تلك النظرية بشكلها الآنيّ المسطّح بحال تمّ نزعه عن واقعية الصراع بين موسكو وواشنطن في مسألتي أوكرانيا وسوريا، وممّا يجدر ذكره بأن مسألة أوكرانيا تحرّكت بكثافة وقوّة مع تحرك روسيا باتجاه بادية الشام. وتحركّت معها مسالة الخلاف بين الكنيستين بتلازم المسارين في الجوهر وتوازيهما في اللحظة. لقد دخلت روسيا سوريا في سنة 2013 وفي سنة 2014 نشأت الأزمة الأوكرانيّة. مع تسلّم بيترو يورشينكو السلطة في أوكرانيا بعد الإطاحة بفيكتور يانكوفيتش أي بعد سنة من الدخول إلى سوريا والتحالف مع إيران بشأنها.

وفي كتاب مذكراته، وهو بعنوان "عدني يا أبي"، أظهر نائب الرئيس الأميركيّ السابق جوزيف بايدن دور أميركا في إذكاء المسألة الأوكرانية والانقلاب الذي حصل. فأضاء على جوانب من الانقلاب الذي حصل على فيكتور يانكوفيتش، فقال: "لقد وجهت آخر نداء بين نداءات عاجلة عديدة إلى يانوكوفيتش في نهاية فبراير 2014. ولأشهر عديدة، لفتّ انتباهه إلى أنه يجب أن يمارس ضبط النفس في العلاقة مع مواطنيه، ولكن في تلك الليلة، بعد ثلاثة أشهر من بدء الاحتجاجات، قلت له إن كل شيء انتهى. وفرّ يانوكوفيتش المهان من أوكرانيا في اليوم التالي بفضل شجاعة وعزم المتظاهرين. والدولة باتت مؤقتا تحت سيطرة وطني شاب يدعى أرسيني ياتسينيوك". وفي إشارة واضحة إلى استياء أميركا من الدور الأوروبيّ في ترسيخ اتفاقية مينسك، بتواصلية تامة مع الجانب الروسيّ فيما خصّ أوكرانيا، وتبعد كأس العقوبات الاقتصادي عن روسيا قال بايدن: "كنت صارما مع بوروشينكو منذ لحظة انتخابه. لقد أوضحت له أنه لا يستطيع أن يسمح لنفسه إعطاء الأوروبيين أي مبرر لصالح الابتعاد عن نظام العقوبات ضد روسيا. ولكن الرئيس الأوكراني كان يعرف أيضا أنني كنت أقاتل من أجل حصوله على مساعدات من صندوق النقد الدولي، والحصول على أسلحة غير فتاكة".

 

يتبيّن من ذلك، بأنّ الحرب بين أميركا وروسيا استراتيجيّة وجيو-استراتيجيّة، خاضها ويخوضها الطرفان من سوريا إلى أوكرانيا بطرائق قاسيّة وصعبة، واستدرجت الكنيسة وبخاصّة المسكونيّة لتكون طرفًا فيها في الداخل الأوكرانيّ. لقد فتح الجرح الأوكرانيّ على خلفية الدخول الروسيّ في الحرب على ارهاب قالت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون أن دولتها كانت خلف انبثاثه، بهدف تطويق روسيا وقطع الطريق بينها وبين أوروبا. استهلكت في هذه الحرب عناصر عديدة من مالية واقتصادية ونفطية، ومما يبدو بأن شهوة الاستثمار في النفط تولّد تلك النوعيّة الاستنزافيّة من الحروب، حين اعترف بايدن في مذكراته بأنّ ابنه الأصغر هانتر رئيس لشركة نفطية. ما هو صادم في واقع الأمور استهلاك العنصر الكنائسيّ من جديد وتحفيزه على الحراك في جوف الأزمة وجذبها نحو مزيد من التصعيد والانشقاق والتمزّق، وفي هذه النوعية من الحروب الاستثماريّة.

 

الحراك الكنسي المواجه لروسيا

تحرّكت البطريركية القسطنطينيّة بتعاطف تام ووطيد مع كنيسة أوكرانيا المستقلّة، وتحرّك بالإزاء بيترو يورشينكو بتنسيق واضح مع الإدارة الأميركيّة، وأرسل كتابًا إلى البطريرك يرثلماوس يطلب منه الاعتراف بكنيسة أوكرانيا الأرثوذكسيّة وإعلانها على أنها عضو في المجمع الأرثوذكسيّ الكبير ونزع ولاية بطريركية موسكو على أوكرانيا. وفي الوقت عينه تدخّل الأميركيون لدى البطريركية القسطنطينيّة وبالتحديد مع البطريرك برثلماوس والمتروبوليت ألبيدوفوروس المعروف بنظرته وقراءته المتشدّدة ضد ما سمّاه "احتلال روسيا سوريا" متماهيًا مع الموقف الأميركيّ، فيما الروس دخلوا بطلب مباشر من السلطة السوريّة، وطلبوا من البطريرك العمل بسرعة على إعلان كنيسة أوكرانيا كنيسة مستقلّة، مخالفًا بذلك القرارات المجمعيّة، إذ تقضي القوانين الكنسيّة المرعيّة الإجراء بأن يدعو البطريرك المسكونيّ وهو يعد الأوّل بين متساوين إخوته البطاركة الأرثوذكسية إلى مجمع يدرسون فيه مسألة استقلال الكنيسة الأوكرانيّة ويأخذون القرار المناسب بالإجماع. المفارقة هنا إلى أنّ كنيسة موسكو وفي المسألة السوريّة باركت الحرب على الإرهاب بتصريح المساعد لمسؤول العلاقات في كنيسة موسكو الأب فيسقولد تشابلن، فيما المتروبوليت ألبيدوفوروس رفضها رفضًا مطلقًا.

 

وبنتيجة الوضع والضغوطات المتراكمة، قام بطريرك برثلماوس بإعلان الكنيسة الأرثوذكسيّة برئاسة المطران فيلاريت مستقلّة لها نظامها الخاصّ ثمّ قام بالاعتراف بها، وقد جاء الإعلان مخالفًا للقوانين المجمعيّة كإطار ناظم للعلاقة بين الكنائس الأرثوذكسيّة المستقلّة. فمن الناحية الكنسيّة، ولا سيّما ضمن نطاق الكنائس المحليّة، لا يحقّ للبطريرك بأن يأخذ أي تدبير يعلق بأبرشية واقعة ضمن بطريركيته من دون مراجعة مطرانها وموافقته، ويحقّ لأسقف الأبرشيّة أن يرفض ما يمكن أن يملى عليه. ما هو قائم في البطريركيات المحليّة ضمن قوانينها الداخليّة يسري بدوره على علاقة البطريرك المسكونيّ بإخوته البطاركة لكونه الأول بين متساوين. فلا يحق له بأن يتدخّل في شؤون كنيسة أرثوذكسيّة محلية كأن ياخذ قرارًا بإعلان كنيسة ما مستقلّة وشرعيّة من دون مراجعة إخوته البطاركة. تختلف الكتيسة الأرثوذكسيّة عن الكنيسة الكاثوليكيّة بأنّ البطريرك المسكونيّ أول بين متساووين وليس كبابا روما يملك ويحكم. تصرّف بطريرك القسطنطينيّة بدا وكأنّه يؤسّس لبابويّة تستأثر بالقرار، وفي مسألة أوكرانيا يبدو أنّه تحوّل من حكم وراع للجميع إلى طرف متداخل بل متورّط، فما كان من البطريرك كيريل بطريرك موسكو وكلّ روسيا سوى أن قام بقطع العلاقات مع البطريركية المسكونيّة، ومن ثمّ بقطع الشركة على غرار قطع الشركة بين كنيستي أنطاكية وقطر، ناهيك بمقاطعة كنيسة موسكو وأنطاكية لمجمع كريت بسبب عدم البت في الخلافات بين كنيستي أنطاكية وأورشليم فضلاً عن عن طريقة إدارة المجمع من قبل البطريرك المسكونيّ واتخاذ القرارات المجمعيّة.

 

تداعيات الصراع على المسيحيين المشرقيين

إلى أين ستتجه الأمور وما هي التداعيات والتأثيرات عل الواقع الأرثوذكسيّ المشرقيّ بخاصّة والمسيحيّ المشرقيّ بعامة؟

 

قبل الإجابة عن ذلك، لا بدّ من ثلاث ملاحظات:

  • الملاحظة الأولى: سكوت البطريرك المسكونيّ برثلماوس حيال تردّي العلاقة بين كرسيّ أنطاكية وكرسيّ أورشليم وبلوغها حدّ قطع الشركة بسبب تعدّي كرسيّ أورشليم على رعية أنطاكية في قطر بلا مببرات تذكر، وسيامة أسقف عليها تابع لأورشليم. وقد تبيّن أن الأسباب سياسيّة بامتياز، لها علاقة بالعلاقة المتوترة بين قطر وسوريا كما هو حاصل تمامًا في مسألة أوكرانيا. فتدخّلت قطر لدى إسرائيل وأميركا، وطلبت إسرائيل من البطريرك ثيوفيلوس استلاب رعية قطر من الندى الأنطاكيّ العربيّ-المشرقيّ إلى المدى المقدسيّ، ولم يتحرّك البطريرك المسكونيّ بل على العكس كان بصمت مشجّعًا للبطريرك ثيوفيلوس، ممّا سمح بهذا التمزّق المرير في كنيسة المسيح ضمن نطاق المشرق، ولم نر دعمًا للكنيسة الأنطاكية وتحديدًا لبطريرك أنطاكية وسائر المشرق يوحنّا العاشر، على الرغم من زيارته له ومناشدته له بالتدخّل لحل هذه المعضلة قبل البلوغ نحو قطع الشركة بين الكنيستين. على عكس بطريرك موسكو كيريل الذي كان أول المبادرين للاستنكار ودعا إلى مبادرة خلاقة تعيد الأمور إلى ما كانت عليه ولكن دون جواب.
  • الملاحظة الثانية: تغاضي البطريرك المسكونيّ برثلماوس عن مسألة بيع الأوقاف الأرثوذكسيّة من قبل بطريرك أورشليم ثيوفيلوس لمنظمات يهودية من أجل إقامة مستوطنات يهودية عليها على الرغم من مناشدة المقدسيين له كما مناشدة بطريرك أنطاكية يوحنا العاشر وسلفه المثلّث الرحمات البطريرك إغناطيوس، وبطريرك موسكو كيريل، والصدى كان هو المدى.
  • صمت الفاتيكان عن أزمة قطع العلاقة بين كنيستي موسكو والقسطنطينيّة، وكنيستي أنطكية وأورشليم، على الرغم من ترداد كلام عابر بأنّ هذه المسألة تخصّ الأرثوذكس والعالم الأرثوذكسيّ. وما يجعل الناس تسال عن أسباب الصمت، ذلك اللقاء-القمّة بين كنيستيّ روما وموسكو في كوبا، غسل القلوب من أحقاد الماضي، وركّز في ضرورة ترسيخ المسيحيين في المشرق ليبقوا شاهدين لإلههم ومتشاركين مع المسلمين في إعلاء شأن أوطانهم، واشتركت الكنيستان في ضرورة القضاء على الإرهاب. لكن ما يحصل بين القسطنطينية وموسكو حصل منذ أكثر من ألف سنة بين الأرثوذكس والكاثوليك وتمزّق جسد المسيح، وما يحصل بين البطريركيتين يمزّق جسد المسيح وبإمكانه أن يضعف العالم المسيحيّ برمّته في أوروبا سيّما أنّ هذه القارة بدأت تخلو من المسيحيين وباتت شبه علمانوية، الكنائس فيها إما تحولت إلى متاحف أو ملاه ومطاعم... أيّة أزمة في أية كنيسة مسيحيّة شرقيّة أو غربيّة من شأنها أن تلقي بثقلها على الواقع المسيحي وتضعفه ومن ثمّ تمزّقه. المسيح يعلّق من جديد على صليب انقساماتنا وتمزقنا.  

 

موقف الكنائس الأرثوذكسية

ستتكثّف المواجهات والضغوطات بحسب ما هو منظور ومرتقب لكون الأزمة سياسيّة أكثر مما هي كنائسيّة. من عاد إلى تاريخ الانشقاق بين الكنيستين الأرثوذكسيّة والكاثوليكيّة  اكتشف بأنّ الأسباب سياسية وسلطوية بامتياز ولم تكن لاهوتيّة البتّة. المألفات اللاهوتية تمتة لكل خلاف واستقلال، وتصير توطيدًا لهما. في الأزمة التي نحن في صددها، يتبيّن بأنّ اللحظة متعنونة بالصراع الروسيّ-الأوكرانيّ، والروسيّ-الأميركيّ، إنه متشعّب من الساحات وصولاً إلى الكنيسة وتحديدًا الكنيسة الروسيّة العامود الثالث أو الأقنوم الثالث المكوّن لعظمة روسيا. يتوقّع المحللون ونتيجة لما تبيّن بأن تتعثّر البطريركيّة المسكونيّة في خطاها أكثر، من بعد رفض كنائس أنطاكية وبلغاريا ورومانيا وصربيا واليونان لسلوكيات البطريرك المسكونيّ برثلماوس منذ مجمع كريت وما رافقه من نقاشات وتداعيات إلى الأزمة الحالية.

القضيّة التي ستواجه الكنائس الأرثوذكسيّة المستقلّة التي لا تزال تربطها شركة مع الكنيستين هي كيف سيلتقون في القداس الإلهي مع الكنيستين بحال التواجد معًا والشركة مقطوعة بين كرسيّ موسكو وكرسيّ القسطنطينيّة، وكيف سيؤول التصرّف نحو الشعب في الكنيستين؟

أمام عقم الأزمة وعمق الهوّة واتساعها بين الكنيستين عبر قرار كنيسة موسكو بقطع الشركة مع البطريركيّة المسكونيّة ردًّا على منح الأخيرة كنيسة أوكرانيا برئاسة المترويوليت فيلاريت استقلالها والاعتراف بها كنيسة أرثوذكسيّة مستقلّة، يحاول بطريرك الاسكندرية ثيودوروس الثاني القيام بمبادرة لرأب الصدع حتى لا تتوسّع دائرة الخلافات. وتنطلق مبادرته من إعادة الاعتبار للروح المجمعيّة السائدة في العالم الأرثوذكسيّ، على أن أيّ قرار مصيريّ ونوعيّ بخطورته يفترض أن تتمّ دراسته بين الإخوة البطاركة برئاسة بطريرك القسطنطينيّة، على ان تشمل الدراسة المنطلقات التاريخيّة واللاهوتيّة من دون المسّ بوحدة الإيمان الأرثوذكسيّ، المتجلّي من العقيدة. وتجيء مبادرته من بعدما رأى قداسته انشطار العالم الأرثوذكسيّ بكليّته أمام قرار البطريرك المسكونيّ الآحاديّ الوجه والخطير بمدلولاته ومعاييره وانعكساته.

 

وبنتيجة ذلك تدحرجت مواقف رؤساء الكنائس الأرثوذكسيّة وتراكمت بكميتها ونوعيتها. فرئيس اساقفة اليونان إيرونيموس أخذ موقفًا بوجه البطريرك برثلماوس، والعلاقة في الأصل بينهما متوترة، بسبب صراع النفوذ في اليونان، لتزداد توتّرًا بسبب المسألة الأوكرانيّة. والمجمع الأنطاكيّ المقدّس برئاسة البطريرك يوحنّا العاشر يازجي، صدر عنه موقف واضح أبدى فيه مخاوفه الكبرى من المحاولات الرامية لتغيير جغرافية الكنائس، فالقراءة الآحادية للتاريخ لا تخدم الوحدة الأرثوذكسيّة بل يساهم في تاجيج التنابذ والشقاق بين الكنيسة الواحدة.  وشدّد آباء المجمع "على أن الكنيسة الأنطاكية ترفض تكريس مبدأ قيام كنائس موازية ضمن الحدود القانونية للبطريركيات والكنائس المستقلة كوسيلة لحل الخلافات أو كأمر واقع في العالم الارثوذكسيّ". وأردف بيان المجمع قائلاً: "تؤكد الكنيسة الأنطاكية بلسان الآباء أن أية مقاربة لمسألة منح الاستقلال الذاتي لكنيسة معينة يجب أن تتوافق مع الإكليزيولوجيا الأرثوذكسية والمبادئ التي تم الاتفاق عليها بإجماع الكنائس في السنوات الماضية إن لجهة موافقة الكنيسة الأم، أو لجهة اعتراف جميع الكنائس الارثوذكسية المستقلة بهذا القرار. وتؤكد على ضرورة الاحتكام لمبدأ الاجماع هذا فيما يختص بالعمل الارثوذكسي المشترك والمسائل الخلافية في العالم الأرثوذكسي وذلك كضمانة فعلية لوحدة الكنيسة الارثوذكسية. تحذر الكنيسة الأنطاكية من مخاطر زج العالم الأرثوذكسي في الصراعات السياسية العالمية ومن مساوئ مقاربة الكنيسة الارثوذكسية على أسس سياسية وعرقية وقومية."

 

الإنشقاقات في الجسد الأرثوذكسي الواحد

وفي الختام، يؤكّد تمسرح الأحداث باستدخالها بتلك الكثافة ضمن الدائرة الأرثوذكسيّة الكنائسيّة وبفجاجة مطلقة خلوًّا من وسامة أو طراوة، بأنّ نظرية المؤامرة التي رفض الراحل الكبير غسان تويني الكلام فيها، لا تزال سارية المفعول وتهدف بترابطها وارتباط الأحداث بها وتسلسل الحلقات في نطاقها إلى:

1-عدم قدرة العالم الأرثوذكسيّ على استيعاب الأوضاع وامتصاصها بغية المحافظة على الذاتية الأرثوذكسيّة في النطاق المسيحيّ العام. والذاتية الأرثوذكسيّة تشاهد في وحدة الإيمان والموقف. لقد كتب المطران جورج خضر خلال الأحداث في كوسوفو بأنّ الأرثوذكسيّ الصربيّ أو الروسيّ لصيق به، كما هو لصيق بالأرثوذكسيّ الأنطاكيّ سوريًا كان أو لبنانيًّا. عند الأرثوذكسيين وحدة الإيمان والعقيدة أقوى وأمتن من وحدة الكيانات الجغرافيّة. فهي خارقة لكلّ حدود، وليس فيها انفصام.

2-تشرذم الكيانات الأرثوذكسيّة. وهو هدف أسمى عند من يتولّون الإدارة الأميركية من البيت الأبيض إلى وزارة الخارجية بالتواصل مع إسرائيل. ذلك أنّ المسيحيين الجدد New Christians أو المسيحيين المتصهينين ينظرون إلى الكيانات الأرثوذكسيّة المتيامنة ما بين المشرق العربيّ وروسيا مرورًا بأوروبا الشرقيّة واليونان، على أنّها "كيانات عدوة" Enemy entities وهي كيانات متلاقية في وحدانية العقيدة واستقامتها، وجوهر إيمانها الواحد، ومن رحمها ولدت روسيا واليونان ودول أخرى. خلاف الأرثوذكس مع تلك الدوائر قديم جدًّا بشقّيه اللاهوتيّ والتاريخيّ. وهو خلاف بلغ حدود العداوة المطلقة، بسبب التماس الأرثوذكس الجديّ، بأنّ تلك الدوائر تعمل على إلغائهم إنطلاقًا من إدخال العالم الأرثوذكسي في انشقاقات خطيرة بدأت بين أنطاكية وأورشليم لتصل في ذروتها إلى ما يحدث ما بين القسطنطينيّة وموسكو على خلفيّة منح بالطريرك المسكونيّ برثلماوس كنيسة أوكرانيا استقلالها فيما كنيسة موسكو لا تعترف بها واتجهت إلى قطع الشركة مع القسطنطينية، وهذا الخلفية كما سبق وأوضحنا مأخوذة إلى لحظة الصراع الأميركيّ-الروسيّ حول أوكرانيا ويبدو أنه امتداد للصراع في سوريا حيث حسم بنسبة 90% لصالح الدولة السورية وروسيا.

3-استغلال الكنيسة الأرثوذكسيّة بصورة مباشرة في الصراع الأميركيّ-الروسيّ، وهذا ما أضعف حضورها بسبب القرارات التي أخذها برثلماوس. واستغلال الكنيسة ولا سيّما المسكونية منها تمّ ضمن الساحات الملتهبة سوريا، العراق، لبنان، فلسطين، قطر وصولاً إلى أوكرانيا مؤخّرًا. ففي سوريا كانت الكنيسة الروسية مؤازرة لتدخل الجيش الروسيّ، ومؤازرة لشقيقتها كنيسة أنطاكية في موقف بطريركها الرافض للحرب على سوريا، فيما بطريرك القسطنطينية وقف متفرّجًا إلى أن أتت قضيّة الاعتداء على كنيسة أنطاكية في قطر من قبل بطريركية القدس كعقاب على موقف البطريرك يوحنّا في الأزمة السورية. فكانت الذروة في تفسيخ العلاقة بين كرسيين تكوينين للمسيحية، وكان البطريرك برثلماوس في هذا الأمر متفرجًا فيما بدا داعمًا للبطريرك اليوناني ثيوفيلوس في القدس والمتهم ببيع الأوقاف الأرثوذكسيّة العربيّة في القدس لليهود.

 

العالم الأرثوذكسيّ والمسيحيّ إلى أين بعيد تلك الأزمات؟ هذا سؤال سيبقى طرحه مدويًّا للغاية. لعلّ بيان المجمع الأنطاكيّ المقدّس فيه إجابة واضحة، حين رفض "تكريس مبدأ قيام كنائس موازية ضمن الحدود القانونية للبطريركيات والكنائس المستقلة كوسيلة لحل الخلافات أو كأمر واقع في العالم الارثوذكسيّ". الأزمة الناشئة تبقى هنا، وحلّها يقوم على أن يعيد البطريرك بارثلماوس الاعتبار إلى المنطلقات المجمعيّة الجامعة بين الأرثوذكس في العالم، فتصدر القرارت عن المجمع الأرثوذكسيّ العام بالإجماع. لعلّ أمام البطريرك المسكونيّ حلاَّ واحدًا وهو أن يدعو إخوته بطاركة الكنائس الأرثوذكسيّة المستقلّة ويشرح لهم الأزمة، فتنبثق منهم لجنة للتواصل مع كنيسة روسيا، والخلوص بعد ذلك إلى حل مجمعيّ بالإجماع يحافظ على وحدة الإبمان والحضور. أهم ما في المر أن يتمّ إبعاد الكنيسة الأرثوذكسية عن مرمى الأهداف السياسية بتدخلاتها ومداخلاتها. الصراع بات جيو-سياسيّ، وجيو-استراتيجيّ، وتغيير جغرافية الكراسي الأرثوذكسيّة بتاريخانيتها بإننشاء كراس مستقلّة  مستدخل في هذا الصراع وسيؤكّد حتميّة التشرذم.

 

الكاثوليكية مهددة أيضاً!

تبقى إشارة أخيرة إلى ان الخطورة لن تهدد العالم الأرثوذكسي فقط، فالكثلثة ليست بمنأى عنها. الصراعات البنيويّة المعلن منها والمحجوب منها قد يؤدّي إلى تآكل واهتراء داخليين، والأزمات التي يعاني منها الفاتيكان تبقى الأخطر، فالمسيحيّة في أوروبا ضحية العلمانويّة المتحجرة، وضحيّة الاقتحام الإسلامويّ وليس الإسلاميّ حاضرتها، والكنائس فيها إمّا بيعت لتير مساجد كما في ألمانيا، أو تحولت إلى ملاه ومتاحف ومطاعم. ماذا بقي من الكثلكة في الحاضرة الأوروبيّة بهذا الشكل الفظّ والنافر، وماذا يبقى من المسيحيّة ككلّ إذا ظلّت الأزمات تعصف بالكنائس الأرثوكسيّة بنيويًّا والكنيسة الكاثوليكيّة بنيويًّا، وإذا بقي الانقسام مديدًا بين الأرثوذكسيّة والكثلثكة؟ والسؤال الأكثر خطورة وإيلامًا أين هو يسوع المسيح وأين المسيحيّة بقيمها السامية والراجية، وهل سيبقى المسيحيون راسخين في الإيمان إذا ما بقي التمزّق في أوجه وذورته؟

سؤال مطروح على ضمير كلّ المسيحيين، عسى ينسكب الرجاء، وندرك بأن الله في وسط كنيسته فلن تتزعزع، والكنيسة الظافرة في السماء بالمسيح الغالب هي الأبقى من كنيسة الأرض المنقسمة والزافرة والغريبة عن يسوع المسيح. فقم يالله واحكم في الأرض لأنك ترث جميع الأمم واقض على هذا الانقسام المرير الحال بنا... تعال أيها الرب يسوع من أجل كنيستك وشعبك وارفعها إلى وجهك القدوس لتصير كنيسة الحب، كنيسة السماء.

  • كاتب وناشط سياسي