أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في 6 آذار 2018 تقريرًا بعنوان: "من التهجير إلى العزلة! عام على التهجير القسري لأقباط العريش" يرصد الظروف المعيشية للأقباط المهجَّرين بعد مرور عام، ويحاول أن يستكشف ماذا قدمت إليهم مؤسسات الدولة.

 

وينقسم التقرير إلى جزئين:

  1. مناقشة أوضاع الأعداد القليلة من المسيحيين الذين لا يزالون يعيشون في مدينة العريش والاعتداءات التي حدثت خلال عامٍ منذ وقائع التهجير وحتى نهاية شباط الجاري، وكذلك الأوضاع المعيشية للمهجَّرين في المناطق التي انتقلوا إليها.
  2. تحليل تدخلات الأجهزة الحكومية من حيث الإجراءات المرتبطة بالحق في العدالة والوصول إلى المتورطين في هذه الاعتداءات، أو الحق في جبر الضرر عن طريق منح تعويضات متناسبة مع حجم الأضرار التي تعرض لها الضحايا، وقبل ذلك اتباع قواعد المكاشفة والمصارحة بالاعتراف بحجم المشكلة والإجراءات الواجب اتخاذها لإزالة هذا الضرر.

 

وضع الأقباط الحالي في شمال سيناء

وقد وثق التقرير أن الوجود المسيحي في شمال سيناء يعود إلى عقود طويلة مضت، حيث توجد أسر ولد أفرادها وعاشوا وماتوا على أرضها، ولم يغادروها نهائيًّا، كما شهدت مدينة العريش هجرة أعداد من الأسر إليها خلال السبعينيات والثمانينيات سواء للالتحاق بوظائف حكومية في الجهاز الإداري للدولة أو للعمل بالمهن الحرة والتجارية والحرفية.

وقدرت مصادر كنسية أعداد هذه اﻷسر قبيل تهجيرهم في شباط 2017 بنحو 450 أسرة في مدينة العريش، بخلاف نحو 20 أسرة في مدينة رفح، بينما بلغ عدد الأسر التي تعيش في الشيخ زويد 4 أسر، ونحو 40 أسرة في مركز بئر العبد، وأعداداً محدودة من الموظفين في مركزي الحسنة ونِخِل، علمًا بأن الأسر المسيحية في مدينتي رفح والشيخ زويد هجرت خلال 2012 و2013 بعد استهداف أفراد منها بالقتل.

ويشير التقرير إلى توجه بعض هذه الأسر إلى العيش بجوار عائلاتهم الأم في محافظات الوادي والدلتا والبعض الآخر انتقل إلى مدينة العريش، قبل موجة التهجير التي شهدتها المدينة خلال شباط 2017. أما في الوقت الحالي، فلا يوجد أقباط يعيشون في مدينتي رفح والشيخ زويد، بينما أعدادهم في مدينة العريش تراجعت إلى نحو ثلاثين شخصًا، يقيمون في مناطق مؤمَّنة، ولا يتحركون خارجها، وتنظم الشعائر الدينية في كنيسة واحدة بينما باقي الكنائس في المدينة مغلقة.

ويرصد التقرير تعرض المسيحيين المقيمين في العريش أو الذين عادوا إليها، وكذلك ممتلكات المهجرين المتروكة خلفهم، لعدد من الاعتداءات أدت إلى زيادة الغموض حول مصيرهم وفرص عودة الأسر المهجرة مرة ثانية إلى منازلهم. خلال العام الماضي، قُتِل قبطيان اثنان كانا من المهجرين، وعادا إلى العريش للاطمئنان على ممتلكاتهم، وإعادة تشغيل محالهم بعدما ضاقت بهما سبل الحياة في المناطق التي انتقلوا إليها.

فقد أطلق ملثمون الأعيرة النارية على نبيل صابر فوزي (40 عامًا) في 6 أيار 2017. وكان القتيل قد هُجِّر عقب الاعتداءات التي وقعت في شباط 2017، واستقر في محافظة بورسعيد، لكنه عاد مجددًا إلى مدينة العريش قبل عشرة أيام من مقتله، وفتح "صالون حلاقة" يملكه. وفي يوم الحادث أطلقت مجموعة مسلحة النيران عليه في محله في منطقة عاطف السادات بجوار الضاحية فأردته قتيلًا.

وهناك حالة باسم شحاتة حرز، الذي قام ثلاثةٌ مسلحون بإطلاق الأعيرة النارية عليه في التاسعة مساء 13 كانون الثاني 2018، في منطقة "سوق الخميس"، وذلك بعد سؤاله عن ديانته.

كان المسلحون قد استوقفوا باسم وشقيقه أسامة حرز وشخصًا ثالثًا برفقتهم وهم في طريق عودتهم إلى المنزل، وسأل أحدُ المسلحين الضحية بعد رؤية وشم الصليب على معصمه: "أنت نصراني؟" فرد بالإيجاب، فأطلقوا الأعيرة النارية على رأسه، ولم يجدوا أي علامات على يد شقيقه تشير إلى ديانته، فقاموا بتهديده، ثم تركوه، بينما طالبوا الشخص الثالث الذي كان برفقة الضحية بمغادرة المكان عندما أكد لهم أنه مسلم الديانة.

وكانت أسرة الضحية باسم شحاتة ضمن الأسر التي هُجِّرت من مدينة العريش خلال شباط 2017، وأقامت الأسرة لفترة في مساكن مدينة المستقبل في محافظة الإسماعيلية، ثم انتقلت إلى منطقة عزبة النخل في محافظة القاهرة بحثًا عن الرزق. ومنذ عدة شهور قرر الشقيقان العودة إلى مدينة العريش للعمل في محلهما لإصلاح أجهزة التليفون المحمول.

وبذلك يصبح إجمالي عدد الأقباط الذين قُتلوا منذ ثورة 25 كانون الثاني في شمال سيناء بسبب هويتهم الدينية نحو 16 قتيلًا: 3 ضحايا خلال العام 2013، ضحيتين خلال 2015، ومثلهما خلال 2016، وثمانية خلال 2017، وضحية واحدة خلال العام الحالي، تم استهدافهم جميعًا بشكل مباشر على الهوية الدينية، سواء داخل منازلهم أو في الأماكن العامة ووسائل المواصلات، حيث كان يتم إطلاق النار عليهم من قِبَل ملثمين، وهو ما أدى إلى وفاتهم، فيما يعد جرائم قتل عمدي وفقًا للقانون.

كما تعرضت بعض ممتلكات المهجرين للاعتداء، سواء بالسرقة أو إتلاف محتوياتها، وهو ما يمثل انتهاكًا للحق في حماية الممتلكات الخاصة وإخلالًا بالتزامات الدولة الدستورية والقانونية في هذا المجال.

 

أرشيف للإعتداءات

  • 4 آذار 2017، أشعل مجهولون النيران في منزل منير ملك إبراهيم صليب، في حي الشوربجي في المساعيد، وكان المنزل خاليًا من السكان، فقد هاجرت الأسرة التي تقيم فيه قبل الحادث.
  • 12 آذار 2017، تعرض عدد من منازل الأقباط في العريش التي تركها أصحابها خوفًا على حياتهم لعمليات سرقة ونهب، حيث تم نهب ثلاثة منازل في حي الصفا في العريش، ملك عدلي سليمان وجمال عدلي ومنزل ابنه. وقال عدلي سليمان: "جيراني اتصلوا بي، واخبروني إن باب منزلي مفتوح، وتم سرقة ما في داخل المنزل من أجهزة ومتعلقات، وذهبت إلى قسم شرطة الإسماعيلية وحررت محضر لإثبات الواقعة".
  • وتكرر نفس الأمر، مع جمال عدلي عامل في كنيسة مار جرجس في العريش، حيث تلقى اتصالًا من جيرانه يفيد باقتحام منزله وسرقة ما فيه.
  • كانون الثاني 2018، تعرض منزل ومخزن ملك مكرم شنودة للسرقة، وحرر بذلك محضرًا في قسم شرطة أبو صوير في محافظة الإسماعيلية.

 

أوضاع الأقباط المهجَّرين في المحافظات المختلفة

وفقًا للأرقام الرسمية الصادرة عن مديرية التضامن الاجتماعي في شمال سيناء1 فإن 258 أسرة قبطية غادرت مدينة العريش إلى محافظات أخرى، مقسمة إلى: 121 أسرة في محافظة الإسماعيلية، 44 أسرة في القاهرة، 12 أسرة في الدقهلية، 32 أسرة في بورسعيد،3 أسر في أسيوط، 9 أسر في القليوبية، 5 أسر في المنيا،5 أسر في الجيزة، أسرة واحدة في الفيوم، 8 أسر في سوهاج، 10 أسر في الشرقية، 6 أسر في الغربية، أسرتان في بني سويف.

 

المشاكل التي تعرض لها المهجرون

كما خلص التقرير إلى المشاكل التي تعرض لها المهجرون خاصة بالإقامة وإيجاد السكن البديل، الحصول على فرص عمل، الإعانات والمساعدات المالية وبصورة عامة، أجمع قِطاع من الأسر على أن أبرز المشكلات التي يعانون منها:

  1. الخروج من العريش بدون أي ممتلكات سوى الملابس والقليل من المقتنيات خفيفة الحمل.
  2. صعوبة التأقلم في أماكن جديدة وبخاصة مع تسهيلات الحياة المؤقتة التي يعيشون وفقًا لها.
  3. غالبية الرجال لا يجدون فرصًا للعمل وهو ما يجعل الأسر تعاني عدم وجود دخل يوفر حياة كريمة.
  4. التمييز المناطقي الذي يواجهونه كأبناء لمحافظة العريش في التقدم إلى أي عمل أو من قبل الجيران.
  5. الشعور بالتهميش نتيجة لتجاهل الدولة أزمتهم وعدم اهتمام المسئولين بمتابعة حياتهم وتوفير ما قد وعدت به وزارة التضامن من مساعدات أو تعويضات مادية.
  6. الخوف من فقدان ممتلكاتهم في العريش في ظل عدم وجود أي مؤشرات أو بوادر لعودتهم إلى العريش مع تكرار حوادث استهداف الأقباط الذين عادوا إلى العريش مرة أخرى.

وأكد التقرير وفقًا للإفادات التي حصل عليها، أنه لم يتواصل أي مسؤول رسمي من محافظة شمال سيناء مع المهجرين، لبحث مصيرهم وكيفية التعامل مع ممتلكاتهم، كما أن اهتمام المسؤولين في الأماكن التي يتواجدون فيها حاليًّا قد تراجع بشكل ملحوظ، كما أرسل عدد منهم استغاثات إلى رئاسة الوزراء ومسؤولي الدولة، ولم يتواصل معهم أحد لبحث مصيرهم ومعرفة المشكلات التي يعانون منها.

 

التوصيات: تشكيل لجنة مشتركة للتعويضات

وقدمت المبادرة في تقريرها عدة توصيات، منها تشكيل لجنة مشتركة للتعويضات تضم ممثلين عن الحكومة والأهالي، تكون مهمتها التواصل مع المهجَّرين وتحديد تعويضات متناسبة مع حجم الممتلكات إلى من يريد التصرف في ممتلكاته، وعدم العودة إلى العريش مرة أخرى. وكذلك منح إعانات تكفل سبل الحياة الكريمة لمن يريد الاحتفاظ بممتلكاته، مع تذليل العقبات التي تحول دون الاستفادة من الخدمات الحكومية، وتوفير فرص عمل قريبة من أماكن الإقامة للمهجَّرين. وكذلك لفتت إلى التعامل بشفافية، وإعلان جهات البحث والتحقيق ما توصلت إليه، وتحديد مسؤولية المتورطين في هذه الاعتداءات وتقديمهم إلى العدالة.

  • ناشط حقوقي مصري يراسل موقع "اليوم الثالث"