طبعًا من الصعب بمكان أن نسبر الرأي العام الغربي، خاصة المسيحي منه، في ردة فعله على الضربة الصاروخية الأخيرة التي قادتها كل من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا ضد سوريا بحجة استخدام الجيش السوري للسلاح الكيماوي ضد سكان مدينة دوما. غير أنه يمكن للمتابع لبعض ما يقال في المجتمعات الغربية من متخصصين ومطلعين مسيحيين وحتى من بعض المعارف أن يلمس شيئًا من دينامية هذا الرأي.

 

سياق الضغط الغربي بعد معركة دوما

لنضع بداية الأحداث في إطارها قبل محاول فهم هذا الرأي. منذ حوالي الشهر تقريبًا، خاض الجيش السوري معركة طاحنة في الغوطة، هذه المنطقة التي تعد عسكريًا ذات اهمية استرايجية كانت لا تزال تحت تسيطرة المعارضة بما يشكّل ذلك من ضغط عسكري وسياسي على دمشق. شيئًا فشيئًا بدأت المعركة تميل لصالح الجيش السوري الذي سيطر على القسم الغالب منها وصولًا إلى مدينة دوما التي تعدّ العاصمة المعنوية لما يعرف بالجماعات الإسلامية المعارضة لدمشق. لم يتردّد الرئيس السوري بشار الأسد في نشر فيديو يظهر فيه متجولًا بسيارته في الغوطة، وسرعان ما بدأت الجماعات العسكرية الإسلامية فيها تنسج اتفاقات مع دمشق من اجل إجلاء السكان وانسحاب المقاتلين إلى إدلب.

فجأة وسط هذا النصر للجيش السوري، اتت الأخبار من دوما تقول بهجوم كيماوي ضد سكان الغوطة. لن أدخل في تأكيد أو نفي صحة هذه المعلومات. غير أن ما هو مؤكّد أن ليس هناك من تحقيق رصين وجدي ودولي حصل لتأكيد أو نفي هذه المعلومات. على الإثر قامت قيامة واشنطن ولندن وباريس ملوحين بضربة عسكرية ضد دمشق. وبعد كباش دولي مع روسيا كانت ضربة محدودة تشبه الضربات الافتراضية، إذ شعرنا كمراقبين ان كل الأفرقاء خرجوا منها على طريقة "لا غالب ولا مغلوب".

هنا يُطرح السؤال: ما هي ردّة فعل الرأي العام الغربي وبشكل خاص المسيحي منه من هذه الضربات؟ البعض اعتبر أن هذه الضربات غير مبررة إطلاقًا. فكيف يمكن أن تقوم العواصم الثلاث بتقرير ضربة ضد دمشق دون أي تحقيق وتحديد للمسؤوليّات، معولين فقط على مشاهد مصوّرة قامت بإعدادها مجموعات إسلاميّة متطرّفة (مثل "الخوذ البيض")؟ أما إذا كانت هذه العواصم قد اتكلت على معلومات آتية من مخابراتها، فكيف يمكن ان نصدّق هذه المخابرات بعد ما اختبرناه كرأي عام غربي في كل من العراق وليبيا من معلومات متلاعب بها ومُختلقة من اجل تبرير العدوان على هذه الدول؟

 

النقاش الأوروبي الداخلي

قام أحد المثقفين السويسريين من أصول عربية مسيحية باتهام الغرب علانية في مقالة له بعنوان "الغرب يدعم الإرهاب" بالوقوف إلى جانب الإرهابيين الإسلاميين في سوريا. وسرعان ما جاءت ردود الفعل من مثقفين مسيحيين فرنسيين وسويسريين على هذا المقال. فمنهم من أكّد ان الغرب واوروبا بالأخص سيدفعون ثمن سياسة الفوضى التي ينتهجونها في كل من العراق وسوريا وليبيا. أما مسألة دفع الثمن، فهي لن تكون إلا مسألة وقت لا اكثر، وهو سيكون على شكلين قد بدأنا نلمس ملامحهما: أول يتلخّص بموجات النزوح الكثيفة التي ستداهم أوروبا من إفريقيا ودول الشرق الاوسط، وثانٍ يتلخّص بآلاف الخلايا الإسلاميّة المتطرّفة النائمة التي تتنظر الفرصة السانحة للضرب في الوسط الاوروبي.

ثم لا يلبث أن يظهر في هذه النقاشات البعد الدولي لما جرى ولا يزال يجري في سوريا. فالجهاد الإسلامي، حتى الإسلام كدين، يبدو في هذه النقاشات وكأنه وسيلة أو ألعوبة بيد الدول الغربية بهدف محاولة محاصرة روسيا ومضايقة الصين. هنا تبدو النبرة أقسى فيما خص السياسة الخارجية الغربية: "دولنا تقف إلى جانب الإسلاميين الفاشيين" من اجل محاربة ومحاصرة كل من روسيا والصين: أما الضحية الكبرى هنا فهو الإسلام الذي يُستغل ويتمّ تشويهه عبر ربطه بالتطرف والإرهاب. لم يتردّد البعض في نعت الغربيين بـ"المجانين": "فرهاب روسيا عند الغربيين بات حالة مرضية لا يمكن معالجتها بسهولة. لقد بات هذ الرهاب مشابهًا لمعاداة السامية. إنه لسوء الحظ لا يمكن شفاءه". هنا يبدو الغرب في حالة مرضية. هو يفعل كل شيء ويستغل الإسلاميين التكفيريين والإرهابيين من أجل مواجهة الرهاب الروسي.

 

حتى من الناحية الاخلاقية، لا يبدو مسيحيو الغرب مقتنعون بصوابيته والحجة هي التالية: "إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية قد قامت بردة الفعل هذه بما يتناسب والواجب الأخلاقي الذي يقضي بالدفاع عن الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، فأين الولايات المتحدة الأميركية وشركائها (بريطانيا فرنسا) من المجازر والمجاعة التي يقوم بها حلفائهم السعوديون بحق الشعب اليمني". هنا لا يتردد احدهم في الغمز من قناة تمويل الولايات المتحدة الاميركية لإحدى الجماعات الإسلامية المتطرفة والتكفيرية في سوريا والتي هي جماعة نور الدين زنكي التي لا تقيم وزنًا لا لحقوق الإنسان ولا للديمقراطية ولا للقيم الإنسانية ولا لتلك الغربية.

 

يبقى السؤال الذي يطرحه الغربيون، ولا سيما المسيحيون من بينهم، والذي لا يلقى أي جواب من حكوماتهم:

لماذا نقف ضد الجيش السوري الذي يقاتل الإسلاميين الإرهابيين، وندعم الإسلاميين الغربيين سياسيًا ودبلوماسيًا وعسكريًا وماليًا؟ ويبقى حتى اليوم هذا السؤال بدون أي جواب مقنع.

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ وكاتب في "اليوم الثالث"