عانى المجتمع المصري وما زال يعاني من موجات عنيفة من الإرهاب زادت وتيرتها في السنوات الأربعة الأخيرة بعد اسقاط الشعب المصري لنظام الرئيس السابق "مُرسي"، وإزاحة حُكم جماعة "الإخوان المسلمين" الإرهابية وإقصائها من المشهد السياسي برمته.

وقد استهدفت أغلب العمليات الإرهابية فئتين من المصريين؛ رجال الجيش والشرطة، والأقباط.ولم يكن السبب الرئيسي من استهداف الأقباط لمشاركتهم الكبيرة في انتفاضة "30 يونيو" فقط -والتي شارك فيها السواد الأعظم من المصريين- ولكن لأسباب تتعلق بـ "بنية التطرف" والأصولية الدينية التي استشرت في الجسد المصري.

 

وما يدعم رؤيتنا هذه هو استهداف تلك الجماعات المتطرفة الأقباط بعينهم في موجة إرهاب العقد التسعيني من القرن المنصرم، حيث لم يكن ثمة انتفاضات واسقاط أنظمة و"ربيع عربي" في تلك الفترة. إجمالاً، سبب ابتلاء المجتمع المصري من الإرهاب هو ما يمكن تسميته "بنية التطرف" التي تستند على مفاهيم وتأويلات للتراث الديني والفقهي المستغرق في الماضي والذي لم يبرح القرن العاشر الميلادي -عملياً- على أكثر تقدير، والمنفصم عن الواقع التطوري والحضاري.

ولهذا حاولت الدولة المصرية مجابهة هذا "المد الظلامي" تارةً بقصر المواجهة على "الحل الأمني" فقط، وتارةً بمطالبة رئيس الدولة في غير مرة الأزهر والمؤوسسات الدينية الإسلامية الآخرى بـ "تجديد الخطاب الديني" وآخيرًا من خلال قانون "المجلس الأعلى لمواجهة الإرهاب والتطرف" الذي صدرت مسودته في آذار الماضي.

 وسنحاول أن نُلقي الضوء على هذا القانون والذي حصل "اليوم الثالث" على نسخة منه والمُحال من مجلس الوزراء إلى مجلس "النواب" لمناقشته واعتماده.

 

لماذا هذا القانون الآن؟

يهدف القانون الجديد المُشار إليه إلى حشد الطاقات المؤسسية والمجتمعية للحد من مسببات الإرهاب ومعالجة آثاره. ومن أهم المواد التى شملها مشروع القانون، وضع استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة الإرهاب والتطرف داخليا وخارجياً "تُجدد" كل خمس سنوات، وكذلك التنسيق مع المؤسسات الدينية والأجهزة الأمنية والاعلامية لتمكين الخطاب الديني الوسطي المعتدل، ونشر مفاهيم الدين الصحيحة وقيم التسامح بالمجتمع في مواجهة الخطاب المتشدد بكل صوره.

كما يهدف القانون أيضا إلى إنشاء مراكز للنصح والارشاد والمساعدة والاستعانة برجال الدين والمتخصصين فى علم النفس والاجتماع، والسعي لإنشاء كيان إقليمي خاص يجمع الدول العربية للتنسيق الأمني فى مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتوحيد الموقف العربي تجاه قضايا الإرهاب، خاصة في الجانب الإعلامي.

أيضا ينص القانون على العمل على وضع محاور لتطوير المناهج الدراسية بمختلف المراحل التعليمية بما يدعم مبدأ المواطنة وقبول الآخر ونبذ العنف والتطرف ووضع آليات تنفيذية لتجفيف مصادر تمويل الإرهاب والتطرف مع تكثيف الجهود فى هذا المجال. هذا فضلاً عن وضع برامج لزيادة الوعي لدى المواطنين بمخاطر الارهاب والتطرف خاصة في المجالات الثقافية والتوعوية والرياضية، والعمل في المناطق التى يتركز فيها الفكر المتطرف، وتنميتها صناعيا، وكذلك تطوير المناطق العشوائية على أن تكون تلك المناطق ذات أولوية بالتنسيق مع مؤسسات الدولة المختلفة.

كما يشير القانون إلى التعاون بين كل الأجهزة الأمنية والسياسية مع نظيرتها بالمجتمع الدولي، وخاصة دول الجوار ودول العمق الأمني والاستراتيجي في مجال الإرهاب والتطرف، ووضع آلية لاتخاذ الإجراءات القانونية الواجب اتخاذها ضد المنظمات والحركات والدول الداعمة للتطرف والإرهاب، والقنوات الإعلامية المعادية التى تبث من خارج البلاد. ويطالب القانون بنشر تقرير سنوي لتعريف المجتمع الدولي بحقيقة التنظيمات الإرهابية ودور الدول والمنظمات والحركات الداعمة للإرهاب ضد الدولة المصرية ودول الجوار.

 

الشخصيات والمؤسسات التي يتشكَّل منها المجلس الأعلى

يُشكل المجلس الأعلى لمواجهة الارهاب والتطرف برئاسة رئيس الجمهورية وعضوية كل من: رئيس مجلس الوزراء، رئيس مجلس النواب، فضيلة الامام الاكبر شيخ الأزهر الشريف، بابا الاسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والانتاج الحربي، وزير الاوقاف، الوزير المعني بشئون الشباب والرياضة، الوزير المعنى بشئون التضامن الاجتماعي، وزير الخارجية، وزير الداخلية، الوزير المعني بشئون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وزير العدل، الوزير المعنى بشئون الثقافة، الوزير المعني بشئون التربية والتعليم والتعليم الفني، الوزير المعني بشؤون التعليم العالى والبحث العلمي، رئيس جهاز المخابرات العامة، رئيس هيئة الرقابة الادارية.

وللمجلس أن يدعو إلى حضور اجتماعاته من يرى دعوته من السادة الوزراء والمحافظين ورؤساء الهيئات العامة والاجهزة الحكومية المختصة والشخصيات العامة وفقا للاعتبارات التى يقدرها رئيس الجمهورية، وكذلك من يرى الاستعانة بخبراته فى المسائل المعروضة ولا يكون لأيٍ منهم حق التصويت.

 

التعليم والفكر المتطرف

يرى عدد من الباحثين أن من أهم الخطوات الجادة لمجابهة التطرف مراجعة مناهج التعليم فى كافة المراحل العمرية. وفي مقابلة لقناة "فرانس 24" مع "طارق شوقي" وزير التربية والتعليم المصري في 29 آذار 2018 لبرنامج "حدث اليوم" وردًا على سؤال حول وجود بعض المناهج التي تحض على التطرف والإرهاب، إعترف ضمنيا بوجود بعض المناهج التي تؤسس للفكر المتطرف في أذهان الطلاب، ووال إنه تم مراجعة كافة المناهج التعليمية ووجدنا بعض النصوص والموضوعات المتضمنة تحتاج أن تتغير أو تُحذف بالكامل.

 

مركز القاهرة ودور المجتمع المدني في مواجهة التطرف

لا يمن تحييد دور المجتمع المدني المصري في مكافحة الفكر المتطرف، فهو أداة مهمة للرصد والتحليل وإبداء آراء محايدة وموضوعية لمتخصصين حقوقيين وأكاديميين، كلٌّ في مجاله. وانطلاقا من هذا الدور أصدر "مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان" دراسةً قيمةً في كتابٍ معنونٍ بـ "النظم التسلطية العربية حاضنة الإرهاب"، يرصد فيه جذور وتحولات الفكر المتطرف، في ظل الأنظمة السياسية العربية المختلفة.

ويجمع هذا الكتاب وجهات نظر نخبة من خبراء وأكاديميين ومدافعين عن حقوق الإنسان من دول عربية عدة، متناولًا بالتحليل مختلف السّياقات والأسباب الجذرية للإرهاب في سوريا والعراق ومصر وتونس، مقدمًا تصورًا مختلفًا لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، يتحدى المقاربة الأمنية التقليدية التي تؤجّج التطرّف في ظلّ المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تجتاح المنطقة العربية.

ويوضح "بهي الدين حسين"، مدير المركز فكرة البحث قائلاً: "العالم لا يملك رفاهية تحمل عبء مواجهة الإرهاب من خلال استمرار العمل وفق الاستراتيجية الفاشلة ذاتها التي تخطأ في تشخيص المشكلات الهيكلية المزمنة للعالم العربي".

 

تقييم استراتيجيات مكافحة التطرف

يطرح الكتاب استنتاجا يمكن استخلاصه من إخفاق استراتيجيات مكافحة الإرهاب في مصر منذ2011. وبحسب معدي الكتاب قفلوقاية من "الراديكالية الدينية" المؤدية للتطرف العنيف مرتكزة على عوامل طويلة الأمد منها الحوكمة، والمشاركة السياسية والمجتمعية، واستجابة العدالة وقابليتها للمساءلة والمحاسبة.

وتم التركيز فيه على أن المواجهة الأمنية وحدها لن تأتي ثمارها، ما لم تصاحبها "مشاركة مجتمعية" -في ظل أنظمة حُكم رشيدة- خاصةً من الفئة العمرية الشبابية، فهي المفتاح لأي أمل في الوقاية من الراديكالية المؤدية للتطرف العنيف، وذلك يتضمن انخراط الشباب في الأحزاب السياسية، في ظل مجال عام مفتوح ومنفتح معا، يتقبل الرأي المختلف ولا يُقيّده بقوانين مُصادرة للحريات، أو قبضة أمنية غاشمة.

كذلك المشاركة في "النقابات المهنية" وفي "انتخابات المحليات" لاستيعاب طاقات الشباب وفكرهم المتجدد. وتخلُص الدراسة إلى أن مسؤولية المنظمات الأهلية في مجابهة التطرف، يمكن إيجازها في النقاط التالية:

  • تقديم خطاب مضاد لخطابات الجماعات المتطرفة.
  • المساعدة في تخليص المقاتلين السابقين من التطرف ودمجهم في المجتمع.
  • مراقبة أداء المسؤولين عن مكافحة الإرهاب للتأكد من أنهم ليسوا المسؤولين عن تغذية التطرف.

 

قصور "قانون مكافحة الإرهاب"

تلك الملامح الثلاثة هي بالضبط ما يقوضه "قانون مكافحة الإرهاب" الذي تبنته مصر في (رقم 94 لعام 2015) وصدّق عليه الرئيس عبدالفتاح السيسي. ووفقا للتحليلات التي أعدتها جماعات حقوق الإنسان المحلية، فالقانون يتضمن تعريفات ضعيفة للإرهاب، على نحو يعطي الجهات الأمنية مسوغا قانونيًا لقبول أو رفض أي مظاهرة سلمية.

والخوف ليس فقط من الخطر الذي يشكله هذا القانون في قمع بعض الأعمال السلمية التي ليست إرهابية في طبيعتها كما هو منصوص عليه في القانون الدولي، ولكن الخوف أيضًا من أن يحد القانون من قدرة منظمات المجتمع المدني على التفاعل بحرية مع أصحاب المصلحة والأطراف المعنية، و يعوق قدرتها على انتقاد ممارسات الدولة من خلال التقارير أو الاحتجاجات السلمية.  ناهيك عما فرضه هذا القانون المَعيب من قيود على حرية الرأي والتعبير، وحرية الصحافة على نحوً يقلل من قدرة المجتمع المدني على استخدام منافذ الإعلام لنشر المعلومات ونبذ التطرف.

 

مسؤولية جامعة الدول العربية في مكافحة الإرهاب

من الضروري أن تضطلع "جامعة الدول العربية" بدورها في مواجهة الفكر المتطرف، ولا تترك الدول العربية تجابه الإرهاب بمفردها، إذ إن الإرهاب قد استشرى وتفاقم وأصبح عابرًا للحدود بين الدول ليس فقط في منطقتنا العربية، بل أصبح عابرًا للقارات.

وفي تقديري، يلزم أن تقوم اللجان المَعنية المنبثقة عن الجامعة بـ "التنسيق" بين الدول العربية، وقد ظهر هذا الدور في انعقاد لـ "لجنة تحديث القانون العربي النموذجي لمكافحة الإرهاب" الاثنين 2 نيسان / أبريل 2018، وصدر عن الاجتماع توصيات مهمة بـ "تحديث قوانين مكافحة الإرهاب واعتماد قوانين عربية استرشادية تسهم بدعم القدرات الوطنية للدول الأعضاء، عند تطوير أو تحديث تشريعاتها الوطنية لاسيما ذات الصلة بمكافحة الإرهاب". وأشار الأمين العام المساعد للجامعة العربية رئيس قطاع الشؤون القانونية السفير جواد فاضل إلى أن الآثار المدمرة للتهديدات الإرهابية أصبحت تتجاوز الحدود الوطنية لإلقاء الرعب وزعزعة الاستقرار والأمن الداخلي الوطني، والإقليمي والدولي، والمساس بمؤوسسات الدول.

 

إنَّ التجربة أثبتت فشل الحل الأمني وحده، فهناك آليات قانونية وتشريعية ينبغي مراعاتها، جنبا إلى جنب المؤسسات الثقافية والتعليمية والدينية، لتكون الحلول ناجعة وفعالة. وإذا لم تقم تلك المؤسسات بدورها التنويري والتوعوي من خلال قنوات للتواصل المباشر مع الناس، ومن خلال فعاليات ثقافية للنخب المؤثرة، فلا أمل لهزيمة الفكر المتطرف المؤدي حتماً للإرهاب.

  • ناشط حقوقي مصري يراسل "اليوم الثالث"