"الرئيس عبد الفتاح السيسىي ذكرَ إن مصر تعرضت لـ21 ألف شائعة فى 3 أشهر وهي كلها ضد البلد والاقتصاد والسياسة والكنيسة"..

ردد البابا تواضروس الثاني هذه الكلمات في أول حديث له في العظة الأسبوعية حول حادث اغتيال الأنبا أبيفانيوس أسقف ورئيس دير أبو مقار في منطقة وادي النطرون. وذلك في إشارة منه إلى ما أصاب الشارع المصري عامةً والرأي العام القبطي خاصة، عقب اغتيال الأنبا أبيفانيوس، ما أدى لحالة من إثارة البلبلة والإضرابات وانقسام بين الأقباط.

 

شائعات لا تنتهي

منذ مقتل الأنبا أبيفانيوس، بدأت الشائعات والبيانات في التداول حول غموض مقتل رئيس الدير، وظهرت عشرات القصص والحكايات من هنا وهناك.. ومع بداية الاسبوع الفائت أصدرت الكنيسة الكنيسة بيانًا رسمياً بتجريد الراهب أشعياء المقاري، وعودته إلى إسمه العلماني "وائل سعد" وأن قرار التجريد الخاص بالراهب أشعياء والذى صدر الأحد قبل الماضي، تم بسبب عدم التزامه بمبادئ ونذور الرهبنة من "الفقر الإختياري والطاعة والعفة".. ثم تأتي شائعة جديدة على التواصل الاجتماعي تُفيد بمحاولة انتحار الراهب أشعياء المقاري –المُجرد- بمادة سامة، إلا أن التقرير الطبي جاء فيه: "لا يمكن الجزم بتناول مادة سامة"، متهمة إياه بـ"ادّعاء تناول السم".

 

عظة المصارحة وتكرار خيانة يهوذا

خلال العظة الأسبوعية، أرسل البابا تواضروس رسائل طمأنة للشعب القبطي فى عظته الأسبوعية الأربعاء وقال:

"كل أديرتنا بخير، فلا تهتز، وحين وقع الحادث المؤلم الذى وقع للأنبا ابيفانيوس، انظروا له كجريمة، وأي جريمة بها مجني عليه وجاني، سواء أكان 10 أو واحد لا نعرف، والتحقيقات فى الجريمة أمر عادي جدا، والغرابة إنها وقعت في دير وفي حق رئيس دير، وفيها مجنى عليه وهو الأنبا ابيفانيوس وجانٍ لا نعرفه حتى اليوم.

وأضاف تواضروس: "إن الجرائم لا تعرف الخواطر، وليس لصالح أحد أن يتستر على أي خطأ، وأصدرنا قرارات لضبط الأداء الرهباني وسنصدر قرارات أخرى، وعلى شعب الكنيسة أن يساعدنا فى ذلك. وعبر التاريخ، هناك رهبان سقطوا فى الخطيئة. وفى كل مجتمع يظهر يهوذا، وفي كل 12 شخص يظهر يهوذا، يهوذا يمثل الخيانة بكاملها، ولكن هناك من يخون بنسبة 40% أو 10%، وهناك خائن مثل يهوذا، فلا تهتزوا يا أخوتي، لا تهتزوا أبدا، هناك الله ضابط الكل. ونشكر الله ليس لدينا ما نخفيه ومن يحمى الإيمان هو المسيح "مفيش حاجة اسمها كدا خالص".

وأكد البابا أيضاً أن القرارات الـ١٢ التي صدرت لضبط الحياة الرهبانية، أصدرتها اللجنة المجمعية للرهبنة وشؤون الأديرة وليس البابا بمفرده كما ردد البعض. أما أبرز الرسائل فهي:

  • الرهبنة ليست سهلة ومش كل شخص يقدر عليها.
  • جريمة مقتل الأنبا أبيفانيوس رئيس دير أبو مقار وقعت داخله، وليس من صالح أحد التستر على أي خطأ.
  • على الراهب ألا يكسر قانون الرهبنة أو الفقر الاختياري.
  • على الأقباط ألا يهتزوا. إيمان الكنيسة باقي ببقاء صاحبها وهو السيد المسيح، وليس أي شخص يقول "بأحمي الإيمان تصدقوه". لدينا ضعف بشري وهناك رهبان سقطوا في أخطاء.
  • لدينا مثال تلاميذ المسيح الذي باع أحدهم وهو يهوذا سيده ومعلمه، وفي كل مجتمع يظهر يهوذا.

 

إرتياح قبطي

أشاد مراقبون ومواطنون وأباء الكنيسة بعظة البابا، وأصدرت اللجنة المجمعية لشئون الرهبنة والأديرة، بيان شكر للبابا تواضروس الثاني مشيرةً إلى أنه "بمحبته وأمانته في خدمة الكنيسة ومؤسساتها وكل أديرتها وكنائسها وأنشطتها، استجاب لتوصيات الآباء الموقرين المطارنة والأساقفة أعضاء لجنة الرهبنة والأديرة القبطية الأرثوذكسية في اجتماعها المنعقد بدير القديس الأنبا بيشوي العامر ببرية شيهيت وأصدر قراره بتفعيل توصيات اللجنة التي تم اتخاذها الأربعاء الأول من آب/أغسطس الجاري.

 

موقف النخبة القبطية

من جهتها رأت الناشطة مارغريت عازر أن "عظة البابا أكدت أن تجربة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في الرهبنة من أقوى الكنائس في العالم". وأشارت إلى أن الكنيسة الأرثوذكسية المصرية حافظت على الإيمان المسيحي دون انحراف أو هرطقة، موضحة أن هناك حالات فردية تخرج عن المألوف، لكنها نادرة. فيما وصفت النائبة البرلمانية نادية هنري العظة "بالحكيمة، حيث استطاع البابا أن يسكت الكثيرين من أهل الشر، مؤكدة أنها "كلمة للتاريخ وتنشر سلام داخلي في نفوس المصريين مما يثار على الكنيسة". وشددت على أن "البابا قيمة وطنية وعلمية تحمل هموم الوطن.. ورمزًا للوطنية والمحبة الخالصة، وعلى ألا خوف على كنيسة الشهداء التي يقودها البابا تواضروس"..

وقال النائب البرلماني تادرس قلدس إن إتاحة المعلومات وتداولها بشفافية الحل الوحيد للتصدي لظاهرة انتشار الشائعات التى تتفاقم كل يوم بشكل يؤثر على أمن الوطن، كاشفاً أن البرلمان سوف يناقش فى دور الإنعقاد المقبل قانون حرية تداول المعلومات، والذي من شأنه أن يساعد فى مواجهة ظاهرة الشائعات، حيث يهدف لإتاحة المعلومات من مصادرها الرسمية.

 

وطالب عدد من آباء الكنيسة على صفحات التواصل الاجتماعي بالصمت والتوقف عن التحليلات والتعليقات والتراشق، وأن عليهم بالتعقل في إدارة الأمور. وأكد القمص عبد المسيح بسيط أن البابا حريص على الحفاظ على انضباط الرهبنة بالأديرة المصرية باعتبارها إحدى قوى الكنيسة المهمة. "وإذا ضعفت الرهبنة ضعفت الكنيسة، وإذا قويت الرهبنة قويت الكنيسة". قائلاً: "إن نوعية الرهبان الذين ترهبنوا منذ فترة قريبة للأسف لم يستفيدوا من آبائهم الموجودين، وظهرت في الرهبنة شخصيتهم الطبيعية".

وعلق القس لوقا راضي، على الكم الهائل من الفبركات قائلاً: "إن الإنسان يحتاج فى فترات فى حياته إلى مساندة ممن حوله وخاصه فى فترات الوهن والضعف والأزمات، والمجتمع القبطي يمر بأزمة منذ رحيل الأنبا أبيفانيوس، وامتلأت الأجواء أقاويل وكتابات منها القليل الصادق والكثير الملفق، فأزعجت الجميع وكان الكل يشتاق إلى الأمان والإطمئنان فجاءت كلمات البابا تواضروس لتبث الأمان فى قلوب جموع الشعب القبطي ولترسل رساله طمأنينة بأن الكنيسة فى سلام، لأن القائم في وسطها إله جبار ملك الملوك ورب الأرباب. وقال راضي إن البابا ركز على الرهبنة بأنها نبض الكنيسة وأنها بخير، ونحن لدينا 1500 راهب وراهبة، وإن كل مكان يوجد به أخطاء ليس أحداً بلا خطيئة، ومن متابعتي لأغلب ما كتب تعليقاً على عظة البابا فهناك ارتياح وإطمئنان عقب خطبته.

 

4 رسائل قوية وواضحة 

من جانبه قال إسحاق إبراهيم، الباحث ومسؤول ملف حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن عظة تواضروس جاءت قوية وواضحة وكاشفة وتضمنت 4 رسائل:

الرسالة الأولى للتيار المتشدد بالكنيسة الذي يضم عدد من الأساقفة والمجموعة التي تسمي نفسها حماة الإيمان ومفادها أن الإيمان ليس سلعة تحتاج لمن يحميها الكنيسة باقية ببقاء صاحبها وهو المسيح. والرسالة الثانية للرهبان مفادها أن هناك تسيب لا يمكن إنكاره وأن الأيام القادمة ستشهد قرارات جديدة لإعادة الانضباط للأديرة. 

والرسالة الثالثة للأقباط أن عليهم مسؤولية ومطلوب منهم المساعدة بالتوقف عن تقديم الهدايا واجراء الزيارات والمكالمات. أما الرسالة الرابعة فهي للمصريين جميعاً، مضمونها أن الكنيسة مثل المجتمع بها يهوذا ومن بين تلاميذ المسيح هناك يهوذ الذي خان وانتحر ولكن الكنيسة لا تهتز وهي قوية. 

 

"المسكين" خسر كرسي مار مرقس مرتين

لم يكن الصراع والهجوم الذي تعرض له القمص متى المسكين فقط في عهد البابا الراحل شنودة الثالث فحسب، لكن الصراع والعداء كان قبل ذلك أيضاً، ومنذ عهد البابا كيرلس السادس. ويذكر المفكر كمال زاخر، مؤسس التيار العلماني القبطي في هذا الشأن أنه في منتصف القرن الماضي شهدت الأديرة قدوم ثلاثة شبان طلباً للرهبنة، إثنان عام 1948، (سعد عزيز ـ ليسانس حقوق ـ الأب مكارى الصموئيلي السرياني)، (يوسف اسكندر يوسف ـ بكالوريوس صيدلة ـ الأب متى المسكين الصموئيلي السرياني)، والثالث عام 1954. (نظير جيد ـ ليسانس آداب ـ الأب انطونيوس السرياني كانو باكورة من يقصدون الرهبنة من خريجي الجامعات.

ويمكن فهم الكثير من تطورات المشهد الكنسي من خلال فهم العلاقة بين هؤلاء الثلاثة فيما بينهم من جانب، وبين الأب القمص مينا المتوحد (البابا كيرلس السادس فيما بعد). واللافت أن الراهب انطونيوس السرياني (عامان من الرهبنة)، والراهب متى المسكين (ثمانية أعوام من الرهبنة) تقدمان للترشح للكرسى البابوي عقب خلوه برحيل البابا يوساب الثاني، (نوفمبر 1956).

وتابع زاخر: هذا الأمر أزعج الحكام الجدد وهم من نفس جيل هؤلاء الرهبان، وأزعج شيوخ المطارنة والاساقفة، إذ توجس كلاهما من أن يكون البابا القادم منهما، فيتم تعديل لائحة إنتخاب البطريرك لتصدر بعد شهور قليلة لتحمل شرطين جديدين للمرشح؛ ألا تقل مدة رهبنته عن 15 عاماً، وألا يقل عمره وقت الترشح عن 40 عاماً، فيستبعدان أنطونيوس السرياني ومتى المسكين. فيبادر شباب الرهبان بالدفع بإسم الراهب القمص مينا المتوحد، الذى يلقى ارتياحاً من جهتي الحكم بالدولة والكنيسة، ليصبح البابا كيرلس السادس، وكان لكل منهما ينتمي لمدرسة مختلفة، فى قراءة مستقبل الكنيسة، المنهج والآليات، إلى أن يرحل البابا كيرلس السادس 1971، ليترشح الأب متى المسكين والأنبا شنودة للكرسي المرقسي ويرسل أسقفان خطاباً للرئيس السادات يحذرانه من "الراهب الأحمر" ويشيران فيه إلى أن للأب متى المسكين ميول شيوعية، ليأتى البابا شنودة الثالث إلى سدة البابوية.

 

أتباع "المسكين": كان صادقاً

رداً على الاتهامات التي نالت من الأب متّى المسكين على مدار عقود طويلة، من هجوم واتهامات بالهرطقة وخروج عن التعاليم المسيحية الأرثوذكسية، كشف مؤخراً الأب باسيليوس المقاري أحد تلاميذ "المسكين" عن حقيقة الصراع بين البابا الراحل شنودة الثالث و"المسكين". وقال إن البابا شنودة كانَ يعلم جيدًا أن الأب متى المسكين صادق فى كل ما يكتبه، ولم يكن يجد أى شىء خاطئ فى كتاباته، وهذا كان منذ أن كان ينشر أحاديث الأب متى المسكين في مجلة مدارس الأحد وهو علماني نحو عام 1952 ولكنه بعدما رُسم أسقفًا، بدأ ينعت هذه الكتابات بأنها خاطئة، ولا أحد يعرف السبب..

تاريخياً، كان بدأ الخلاف بين متى المسكين والبابا شنودة منذ اللحظة التى ترك فيها الأنبا شنودة مغارة التوحد في وادي الريان وعودته إلى دير السريان وبعدها رسمته أسقفًا للتعليم فى ٣٠ أيلول/سبتمبر 1962. وقد امتدَّ الخلاف بين الطرفان من الجوانب العقائدية والفكرية ليشمل الجوانب الشخصية. وأصدر البابا الراحل كتاب "بدع حديثة" ينتقد فيه بعض أفكار "المسكين".

 

الحرس القديم في الكنيسة ومواجهة تواضروس

حتى وفاة الأب متى المسكين لم توجه له أي اتهامات بالخروج عن الكنيسة أو الهرطقة، كما يتهمه بعض المتربصين والمهاجمين له ولأفكاره على صفحات التواصل الاجتماعي الآن بأنه "مُشرك ومهرطق". وقد قيل إن حسابات بعينها على فيسبوك يُديرها أشخاص تابعين ويخدمون أساقفة بعينهم وهم من يقومون بدعمهم، وهؤلاء الأساقفة هم بطبيعة الحال من يُطلَق عليهم "الحرس القديم" بالكاتدرائية، أو التيار القديم والذي يقف ضد أي تجديد بالكنيسة وبالتالي يرفض الوحدة الحقيقية مع الكنائس الأخرى، حتى وإن أظهروا عكس ذلك أمام الإعلام.

فقد تعرض ولا زال "المسكين" لهجوم ممن يدعون أنهم محافظون على الإيمان الأرثوذكسي، حيث تبنوا هؤلاء الهجوم على "المسكين" وتلاميذه من خلال صفحاتهم، ووصل الأمر إلى هجوم نفس الصفحات –المدعومة- على البابا تواضروس نفسه والذي لم يفلت من انتقاداتهم وشكوكهم المزعومة، والتي بدأت منذ عمل البابا لزيت الميرون المقدس، واستخدامه في ذلك مركبات جاهزة، بدلاً من محاولة استخلاصها بطرق بدائية، علاوة على تحركات البابا تواضروس -منذ اختياره بطريركاً- بين الكنائس الأخرى بداية من محاولة توحيد المعمودية مع الكنيسة الكاثوليكية أثناء زيارة البابا فرنسيس لمصر، مروراً بالصلاة المشتركة مع الكنائس الغربية من أجل السلام بمنطقة الشرق الأوسط، والإشارة إلى الأب متى المسكين باعتباره من جيل الرواد الذي أحدث نقلة في الكنيسة القبطية، وذلك خلال حفل مئوية مدارس الأحد، نهاية بالحديث حول توحيد الاحتفال بعيد القيامة مع الكنيسة الغربية، كلها تحركات إصلاحية تنويرية في اتجاه الوحدة مع الكنائس الكاثوليكية والإنجيلية، أي أن البابا تواضروس نفسه يسلك طريق الإصلاح والتنوير والوحدة مع الكنائس.

صحفية مصرية أرسلت هذا المقال ل"اليوم الثالث"