لم يعد الكلام عن أنَّ المكون المسيحي هو من المكونات الأصيلة لهذا المشرق يستقيم في خضم كل ما حدث في السنوات العشرة الأخيرة في ظل الهجرة والاقتلاع القسري. فعلى الرغم من هزيمة داعش العسكرية وتحرير مدن المسيحيين وقراهم، لا يزال الكثير من مسيحيي سوريا غير متأكدين من إمكانية العودة إلى مناطقهم وخصوصاً تلك الأعداد الكبيرة التي قصدت القارة العجوز وكندا وبدأت بالتأقلم مع مجتمعاتها الجديدة في ظل الإندماج وايجاد فرص للعمل غير متاحة حالياً في الوطن الاْم.

 

الأسئلة القاسية للمسيحيين السوريين

اليوم تساورهم شكوكٌ حول مستقبلهم فى منطقة المشرق عموما وسوريا المستقبل خصوصاً، فنحن لا نستطيع ان نُغفل حجم التغيرات الديموغرافية التي طرأت على المشهد السوري والإحصائيات تُشير صراحة إلى إنخفاض عدد المسيحيين إلى ما يقارب النصف فى السنوات الاخيرة. وهناك اعتقاد لدى من مسيحيي سوريا أن مشاكلهم لم تقتصر فقط على ظهور التنظيمات الإرهابية، إذ لم تكن ظاهرة داعش سوى تجسيد لمشاكل أعمق جذوراً وتمتد لسنوات طويلة. فقد عكس الصعود السريع للتنظيمات الاصولية وسيطرتها على مساحات من أراضى سوريا تحدٍّ رئيس يواجه مسيحيي البلد الا وهو ضُعف الروابط الإجتماعية بين المسيحيين ومحيطهم العام وهذا في حد ذاته مؤشر خطير.

 
يُشكك العديد من المسيحيين السوريين الذين رمتهم رياح الحرب الى خارج البلاد في إمكانية عودة الامن والاستقرار الى مناطقهم المنكوبة بسرعة، فالأمر يحتاج الى سنوات لإعادة الأمور الى سابق عهدها ولهذا تبدو فُرص العودة ضعيفة بالنسبة لهم في الوقت الراهن.

 وعلى الرغم من خطاب التعايش السلمي بين جميع الاطراف نظراً لانهيار هذا الخطاب سُرعة صعود الحركات الاصولية التكفيرية نفسها وفي سياق متصل، فإن بعض المهاجرين السوريين المسيحيين يرون استحالة التعايش مجدداً في بعض المناطق نظراً إلى الشرخ الذى عمقّته سنوات حكم الجماعات الأصولية مؤكدين أن شرائح كبيرة من المسيحيين لا تشعر بالأمان حيال العيش مجدداً فى مناطق يغلب عليها اللون الواحد، بعد التجربة التي مروا بها في ظل التنظيمات الإرهابية التكفيرية لأنهم فقدوا ثقتهم فى جيرانهم من الطوائف والمذاهب المختلفة.

 

مسار سياسي من أجل المصالحة الإجتماعية

فقد أكدت التجارب على الارض بأن منظومة التعايش بين المسيحيين وشركاءهم في المواطنة قد تلقت ضربات موجِعة.

ومما لا شك فيه ان هزيمة الإرهاب على الارض السورية هى خطوة مهمة على طريق تحقيق السلام فى سوريا، إلا أن ترسيخ هذا السلام يتطلب أكثر من مجرد العمل العسكري لتهدئة مخاوف المذاهب المختلفة وخصوصاً المسيحيين بشأن مستقبلهم.

لذلك لا بد من إطلاق عملية جادة لإصلاح مؤسسات الدولة مما يسمح ببناء مؤسسات ديمقراطية حاضنة للتنوع الديني والإثني وقادرة في الوقت نفسه على لجم شبح الطائفية. وبالاضافة إلى الإصلاح الاداري هناك حاجة ماسة للعمل على المستوى المُجتمعي لرأب صدع العلاقة المتأزمة بين المسيحيين ومحيطهم بهدف إعادة بناء جسور الثقة بين اطراف المجتمع كافة، وهذا لا يتحقق الا من خلال إجراء حوار جاد بين جميع الاطراف يعبرون من خلاله عن مخاوفهم بصدق بعيداً عن الشعارات.

 

لا يمكننا إذن فصل مستقبل المسيحيين في سوريا عن مسيحيي المشرق ومكوناتهم الدينية والعرقية المتعددة، وبالتالي فإن العمل من أجل حماية مسيحيي المنطقة يصب مباشرة في صالح بناء دول متقدمة يتمتع فيها جميع المواطنين بحقوقهم بصرف النظر عن هوياتهم المذهبية والعرقية.

  • أستاذة جامعية سورية تدرّس في الولايات المتحدة