قرارات قوية اتخذتها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية مؤخراً.

فقد عقدت لجنة الرهبنة وشؤون الأديرة بالمجمع المقدس برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية وبحضور الأنبا دانيال السكرتير العام للمجمع المقدس و 19 من الآباء المطارنة والأساقفة رؤساء الأديرة وأعضاء اللجنة جلسة خاصة، لمناقشة انضباط الحياة الرهبنية والديرية فى ضوء الحادث الأليم باستشهاد نيافة الحبر الجليل الأنبا إبيفانيوس أسقف ورئيس دير القديس أبو مقار بوادي النطرون، خارج قلايته "سكن الرهبان" بالدير.

واتخذت اللجنة اثني عشرة قرارًا لضبط الأديرة والرهبان، أبرزها "وقف قبول رهبان جدد لمدة عام، ومنع الترقية لدرجات الكهنوت لمدة 3 سنوات للرهبان، وعدم السماح بإنشاء أديرة جديدة، ومحاكمة كنسية لمن يظهر إعلاميا لأي سببٍ كان، ومنح فرصة شهر للرهبان لإغلاق صفحاتهم على وسائل التواصل الإجتماعي".

 

من هو الأنبا إبيفانيوس؟

في فجر الأحد 29 تمّوز 2018 وُجد الأنبا إبيفانيوس رئيس دير القديس مكاريوس بوادي النطرون مضرجا في دمائه، على بُعد مائة متر من قلايته، وذلك أثناء ذهابه لحضور القداس وتسبحة باكر. وتبين من معاينة الجثمان، وجود إصابة وتهشم بمؤخرة الرأس، ووجود شبهة جنائية وراء الحادث. وكشفت التحريات الأولية، استخدام مرتكب الجريمة أداة حادة لقتل المجني عليه من الخلف، وتباشر النيابة العامة، وإدارة البحث الجنائي، كشف غموض الحادث، وضبط مرتكبيه، وبيان أسباب الوفاة، والأداة المستخدمة فى الواقعة.

الأنبا إبيفانيوس من مواليد 27 حزيران 1954 في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، حاصل على بكالوريوس الطب، وقد التحق بالدير في 17 شباط 1984، قبل أن يرسم راهبًا في 21 نيسان 1984، باسم الراهب إبيفانيوس المقاري، ورُسم قساً في 17 تشرين الأول 2002، وكان يُشرف على مكتبة المخطوطات والمراجع بكل اللغات في الدير، وقد تم اختياره رئيسًا للدير في 10 آذار 2013.

 

ضبط منظومة الرهبنة وحمايتها من الفوضى

"كمال زاخر" الباحث والمفكر القبطي ومؤسس "التيار العلماني القبطي"، رأى أنه "بهذه القرارات يتقدم البابا والجناح التنويري خطوة مهمة للأمام في اتجاه ضبط منظومة الرهبنة وحمايتها من الفوضى ومن التضخم غير المبرر وغير المنضبط، وتأتى لتعيد الإعتبار للمحاور الأساسية التي تقوم عليها الرهبنة والحياة الديرية".

وأضاف أن هدف هذه القرارات "أن يبدأ الدير فى استرداد سلامه ويجد الراهب فرصته في تحقيق ما ترك العالم من أجله، في الوحدة والنسك والعبادة والتجرد، وتحميه من ضغوط التواجد اليومي للزوار وعدم التزام جموع الأقباط بالقواعد التى تفرضها الأديرة على الزيارات". وشدد زاخر على "أهمية هذه الخطوة باعتبار أن الرهبنة والأديرة هي المصدر الوحيد الذي استقرت عليه الكنيسة في القرون الأخيرة ويمدها بقياداتها من الأساقفة والبابا البطريرك، فإذا صح المَصدر صح المُنتَج. وأكمل "أنه يتطلع إلى تفعيل هذه القرارات وأن ما يُضفي على هذه القرارات صفة الجدية ويدفعها فى اتجاه التطبيق، هو صدورها بموافقة وتوقيع الآباء رؤساء الأديرة".

 

البابا يُغلق صفحته الرسمية على "فيسبوك"

باعتباره قدوة ونموذج لأبنائه الرهبان الذين تُطَبَّق عليهم قرارات لجنة الأديرة والرهبنة، أعلن قداسة البابا تواضروس الثاني غلق صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" وكتب قبل غلقها رسمياً: "الوقت أثمن عطية يُعطيها الله لنا يوميا، ويجب أنْ نحسن استخدامها، والمسيحي يجب أن يقدس وقته، فكم بالأحرى الراهب الذي يترك كل شيئ لتصير الحياة كلها مقدسة للرب".

وأضاف: "أصبح اهتمام الراهب بمواقع التواصل الاجتماعي هو مضيعة للعمر والحياة والنقاوة، التي يجب أن يهتم بها الذي يُكرِّس حياته للرب"، كما نصح الرهبان: "اهتم بأن تكون كل لحظة في حياتك مقدسة، لأنك سوف تعطي عن وقتك حسابًا أمام الله، ولأن الطاعة من نذورك الرهبنية التي يجب ان تحفظها ما حييت". وأنهى البابا كلمته قائلاً: لذلك سوف أُغلق صفحة "فيسبوك" الخاصة بي، وأُحيّي إخوتي وأبنائي الذين نهجوا نفس النهج طاعةً لقرارات كنيستي المقدسة".

 

"التواصل مع الشعب من خلال التلفون"

على الرغم من أن قرارات اللجنة لم تُدرج الأساقفة ولم تطالبهم بغلق صفحاتهم، لكن بمجرد أن نشرت القرارات، بادر عدد من أساقفة الكنيسة وبعض الرهبان بالإعلان عن غلق صفحاتهم طوعًا، ومن بين هؤلاء الأساقفة نيافة الحبر الجليل الأنبا رافائيل أسقف عام كنائس وسط القاهرة، وسكرتير المجمع المقدس السابق. وجاء في كلمته، "بصفتي راهب قبطي أرثوذكسي سأقوم بإغلاق هذا الحساب (فيسبوك) وكل الوسائل الأخرى، ويكفي التواصل مع الشعب من خلال التليفون والسكرتارية. وأضاف رفائيل: أما عن "القراءة الكتابية اليومية" -التي كان ينشرها الأسقف- فيمكن متابعتها عن طريق تطبيق "أرثوذكسي" على أجهزة android   و ios والرب معكم ويحفظ سلام الكنيسة وسلامتها".

"غلق صفحات الأساقفة مبادرات شخصية منهم"

من جهته قال القس "بولس حليم"، المتحدث الرسمي باسم الكنيسة لـموقع "اليوم الثالث" تعقيبًا على ما بدر من بعض أساقفة الكنيسة بغلق صفحاتهم وحساباتهم الشخصية، إنها "مبادرات شخصية نابعة منهم، فقرارات لجنة الرهبنة وشئون الأديرة ملزمة للرهبان فقط".

 

ولا يسعنا إلا أن نصلي أن يحفظ الله الكنيسة وسلامتها أكليروسَ وشعبًا، وأن يُرشد مجمعنا المقدس وعلى رأسه قداسة البابا، في اتخاذ التدابير التي تصونها في وجه أعاصير من كل اتجاه، لتستمر واحدة مقدسة جامعة رسولية، تلك الطلبة التي نرددها في كل تلاوة لـ "قانون الإيمان"، وكما نقول في صلواتنا الليتورجية في كل قداس "ثبّتْ أساس الكنيسة".

  • ناشط حقوقي مصري يكتب في "اليوم الثالث"