أحداث متتالية يشهدها دير القديس أبو مقار بوادي النطرون. على مدار الأيام الماضية، بدأت بإعلان الكنيسة الأرثوذكسية وفاة رئيس الدير الأنبا إبيفانيوس في ظروف وصفتها بـ"المفاجئة" على الرغم من أن التحقيقات حتى الآن غير مكتملة. ومنذ ذلك الحين، نقرأ أخباراً فى الصحف المصرية أو العربية أو منشوراً في إحدى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي يحوي بداخله رسائل غير دقيقة مثل "الكشف عن القاتل، صراعات كنسية هي وراء القتل، تنظيمات إرهابية تستهدف الدير، القاتل راهب من داخل الدير". وعليه فمن الأفضل اعتماد البيانات الرسمية التى تصدر عن مكتب النائب العام، وعن المتحدث الرسمي بإسم الكنيسة القبطية الارثوذكسية لمتابعة مستجدات الوضع من الناحية الكنسية.

 

تسلسل زمني للأحداث: الأحد 29 تمُّوز 2018

الكنيسة الأرثوذكسية تعلن وفاة الأنبا إبيفانيوس أسقف ورئيس دير أبو مقار، ووجود شبهة جنائية في الوفاة، فريق من النيابة العامة ينتقل لدير أبومقار لمعاينة الجثمان، نُقل الجثمان لمستشفى دمنهور العام للتشريح.

 

الاثنين 30 تمُّوز

الإنتهاء من تشريح الجثمان، والكنيسة تعلن ضوابط حضور صلاة الجنازة واقتصارها على أعضاء المجمع المقدس، والرهبان والكهنة وأعضاء المجلس الملي وهيئة الأوقاف القبطية، وأسرة الراحل، وصول الجثمان في وقت متأخر قادمًا من مشرحة مستشفى دمنهور العام، مع وصول تشديدات أمنية مكثفة استعدادًا للجنازة.

 

 الثلاثاء 31 تمُّوز

مشاركة قداسة البابا تواضروس الثاني وأساقفة الكنيسة فى الصلاة على الجثمان، البابا يحذر رهبان الدير من الظهور الإعلامي، قائلًا "انقطعتم عن العالم فلا تعودوا إليه بأي صورة".

 

الأربعاء 1 آب

النائب العام يأمر نيابة جنوب دمنهور الكلية بإستعجال طلب تقرير الصفة التشريحية الخاصة بالمجني عليه، ويأمر جهات البحث الجنائي بسرعة الإنتهاء من التحري عن الواقعة ومرتكبيها.

 

الخميس 2 آب

البابا تواضروس يصدر 12 قرارًا لضبط وضع الرهبنة في مصر، أبرزها وقف قبول رهبان جدد في الأديرة داخل مصر، وغلق حسابات الرهبان على مواقع التواصل الاجتماعي وتجريد من يقوم بإنشاء أديرة من دون موافقة الكنيسة من صفته الرهبانية. الكنيسة الأرثوذكسية تعلن عن الأديرة المعترف بها داخل وخارج مصر، وسكرتير المجمع المقدس السابق الأنبا رافائيل يعلن غلق حسابه على "فيسبوك".

 

الجمعة 3 آب

في الساعات الأولى، البابا يُعلن غلق صفحته على "فيسبوك"، كونها مضيعة للعمر والحياة والنقاوة.

 

السبت 4 آب

إنتشار تسجيل صوتي منسوب للأسقف الراحل يطالب البابا تواضروس بـ"إصلاح وضع الرهبنة"، وظهور وثيقة منسوبة للجنة شؤون الرهبنة والأديرة بالمجمع المقدس على مواقع التواصل الاجتماعي تفيد بإصدارها قرارًا بتجريد الراهب يعقوب المقاري والراهب أشعياء المقاري من الرهبنة والكنيسة تنفي ما جاء في الوثيقة المنتشرة.

 

الأحد 5 آب

البابا تواضروس يصدر قرارًا بتجريد الراهب أشعياء المقاري من الرهبنة وطرده من دير أبو مقار، بسبب تصرفاته التي لا تليق بالسلوك الرهباني والحياة الديرية. ويؤكد أن تجريد الراهب لا علاقة له بمقتل الأسقف، وأنه تم لأسباب رهبانية بحتة. المتحدث بأسم الكنيسة القبطية الارثوذكسية يكشف صدور قرار من البابا تواضروس الثاني فى شباط الماضي يقضي بنقل الراهب، ومراقبة سلوكه لمدة 3 سنوات.

 

الإثنين 6 آب

محاولة الراهب "فلتاؤس المقاري"، الانتحار عن طريق قطع شرايين يده، وقفزه من أعلى أحد المباني بالدير ونقله إلى مستشفى الأنجلو أمريكان في القاهرة لتلقي العلاج والنيابة تباشر التحقيق.

 

جذور الخلافات

عُرف القمص "متى المسكين" بأنه الأب الروحيٌ والمعلم لرهبان الدير. ففي سنة 1969 دعاه البابا كيرلس السادس مع جماعته الرهبانية وكان عددهم 12 راهباً إلى أن وصل عددهم الآن 150 راهباً، للانتقال إلى دير أنبا مقار، الذي يقع فى منتصف الطريق من القاهرة إلى الإسكندرية، حيث كانت الحياة الرهبانية فيه توشك أن تنطفئ. وعهد إليه بمهمة تعمير الدير وإحياء الحياة الرهبانية وعودتها إلى أصولها الأولى، والانصياع لما يقوله الكتاب المقدس فقط.

سببت أفكار القمص "متى المسكين" التي عبر عنها في كتبه خلافًا حادًا مع البابا شنودة حتى قبل أن يتولى البابوية حول عدد من الأمور العقائدية. ولم يقتصر الأمر على النواحي الدينية فحسب، إنما تخللتها أمور سياسية أيضًا، إذ إن المسكين أصدر كتاب "الكنيسة والدولة" الذي وصفه البابا شنودة في إحدى محاضراته عام 1991 بأنه "حارب الكنيسة مثلما لم يحاربها أحد".

قبل إصدار الرئيس الراحل أنور السادات قراره ضد البابا شنودة، الخاص بتحديد إقامته داخل الدير في أيلول/سبتمبر 1981، وتعيين لجنة خماسية لإدارة الكنيسة، قال القمص "متى المسكين" إنه تقابل مع السادات، واقترح أسماء أعضاء اللجنة، بعدما وجد تصميمًا منه على اتخاذ القرار، لكن نصحه بألا يمس وضع البابا الديني، مؤكدًا أنه رفض عرضه بتولي البطريركية، لأن قوانين الكنيسة لا تجيز ذلك بحسب كتاب "أبونا القمص متى المسكين.. السيرة الذاتية" التي دونها بنفسه. لكن ذلك لم يكن ذلك محل تصديق من البابا شنودة، وزاد من قناعته ما قاله المسكين لمجلة "تايم" الأمريكية بعد قرار السادات بأيام "لا أستطيع أن أقول إنني سعيد، لكنني في سلام الآن. قرارات السادات حمت الكنيسة والأقباط، فهي من الله".

لذلك منذ أحداث أيلول/سبتمبر 1981، لم يلتقِ البابا شنودة بالقمص متى، حتى زيارته لدير الأنبا مقار في تشرين الثاني 1996، تبادل الاثنان كلمات التحية، لكن خلافهما ظل مستمرًا، ولم يزُرْ البابا الدير ثانية إلا بعد وفاة المسكين عام 2006، وكان ذلك في عام 2009، وبحسب الرواية التي يسردها الموقع الرسمي للدير: "فور معرفة الرهبان بنبأ استقالة الأنبا ميخائيل، مطران أسيوط، من رئاسة الدير بعد مضي 65 عاماً، توجَّه وفد منهم إلى البابا، أبلغوه رغبتهم أن يكون هو شخصياً المسؤول المباشر عنهم، ورجَوْه أن يزور الدير، فاستجاب، وذهب إليهم في صباح يوم 5 أيَّار 2009، وألقى عليهم كلمة عن الرهبنة، ثم ألبسهم القَلَنْسُوة بعد أن خيَّرهم في ذلك (المقصود هنا غطاء الرأس المشقوق من المنتصف، والمرسوم عليه صلبان، وهى القلنسوة التي يرتديها كل الرهبان، وكان يخالفهم فيها رهبان هذا الدير فقط، لارتدائهم القلنسوة القبطية، التي عرف بها الأب متى المسكين)".

 

الأنبا إبيفانيوس "غزير المعرفة"

ظهرت على قداسة البابا تواضروس الثاني علامات التأثر والحزن فى صلاة تجنيز الأنبا إبيفانيوس، وقد أحنى ظهره يقبل الجثمان باكيًا، وكأنه يمسك به يطالبه بألا يرحل، وسط حراسته الخاصة التى رافقته طوال الصلاة، وقال فى كلمته: "كنت أسترشد به كثيراً في قراراتي فقد كان غزير المعرفة ولم تكن معرفته سطحية، في كل دراساته وحياته والمخطوطات التي يحققها كان عميق المعرفة وكنت أكلفه بحضور المؤتمرات ليمثل الكنيسة فقد كلفته بـ20 مؤتمرأ في 5 سنوات ليمثل فيها وجه الكنيسة القبطية ويمثل مصر".

وصف البابا تواضروس الأنبا إبيفانيوس بـ"غزير المعرفة"، مضيفًا: كنا نقيم حلقات دراسية للرهبان والراهبات ويتعلم الآباء الكثير منه ويرشدهم ويجيب على الأسئلة وجعل المعرفة في متناول كل الناس". وخاطب البابا الرهبان قائلًا: "أتمنى لكم السلام في الدير أنتم تنتمون للكنيسة القبطية وليس أحدًا آخر، أنتم تنتمون للقديس الأنبا مقار الكبير، واخرجوا من بينكم أي انحراف بعيدًا عن الرهبنة، وننتظر نتائج التحقيقات فلم نصل لشىء". وشدد البابا تواضروس على أنه رغم مرارة الألم، لكننا نرفع أيدينا للسماء التي فيها راحتنا، محذرًا الآباء الرهبان من الظهور الإعلامي بأى صورة من الصورة قائلًا: "لقد انقطعتم عن العالم فلا تعودوا بأي صورة من الصور".

  • ناشط حقوقي مصري يكتب في "اليوم الثالث"