تزخر المعلومات والوثائق التاريخية بالصراعات الداخلية بين المسيحيين اللبنانيين أنفسهم منذ عهد الأمراء حتى اليوم، وتعكس محطات صدامية على إحتكار صناعة القرار السياسي وأحادية الزعامة بين فئات متعددة منهم، سواءً بين القيادات السياسية أو الأحزاب والتيارات، بقدر ما يتمدد الصراع مرّات عدة ليطاول قيادات زمنية ومرجعيات روحية، فتُرفع الشعارات المشحونة بالأحقاد والضغائن المتبادلة، لتحرك المشاعر وردات الفعل أيضاً بين الأتباع من القواعد الشعبية.

 

الصراع المسيحي من السياسة إلى السلاح

إنما تلك الصراعات انحسرت قبل الحرب اللبنانية (1975) في إطارها السياسي التقليدي، وإن كانت تأخذ أحياناً بعض أشكال التباعد أو الفتور في العلاقات. لكن خلال الحرب المذكورة، إختلف شكلها، لتتحول الى تصارع في سياق محطّات مؤلمة ودامية أحياناً نتيجة تسويات خاطئة، وتحكُّم طوابير خارجية في العلاقات المسيحية - المسيحية السياسية. فاستنزفت تصاعدياً الجسم المسيحي، وولّدت أحداثها المتتالية إنقساماً وتمزقاً وشرذمة سياسية وإجتماعية ونفسية، لتجعل منهم كياناً ممزقاً ضمن الكيان اللبناني المُبعثر، دون العمل على تفهُّم الإلتباسات والملابسات التي هيأت الأرض والنفوس لإندلاع المواجهات الميدانية المختلفة، وإعادة النظر في وجهات النظر والتقييم، بل حتى من النظر نحو الواجب الوطني للّم الشمل كشركاء في الوطن، إذا ما وضعنا مفهوم الطائفة جانباً، حتى وصلوا إلى آخر محطات الحرب اللبنانية منهكين، ضعفاء، غير قادرين على مجابهة أي تسوية لا تتماشى مع تطلعاتهم، فوصلوا إلى تسوية "الطائف"، وتضع حداً للتقاتل الدامي إنما لم تنهِ أزمة التباعد والإنشقاق في المعسكر المسيحي خاصةً بعد عام 2005، فتأخذ الجماعتين المسيحيتين البارزتين في التنافس الشكل والمسار التاليين : تكتل "التغيير والإصلاح"، بقيادة العماد ميشال عون وتحالفه مع "حزب الله" الشيعي"، مقابل حزب "القوات اللبنانية" بقيادة الدكتور سمير جعجع وتحالفه مع "تيار المستقبل" الحريري السنّي.

 

التعددية المسيحية في الميزان

إنَّ التوزُّع المذكور للمسيحيين بين الإئتلافين المذكورين، هو فعل إجتماعي سياسي وطني مطلوب لتحقيق نوع من الشراكة الوطنية ولإخراج الصراع من مفهومه الكلاسيكي بين المسيحيين والمسلمين كخطوة نحو إلغاء الطائفية والحدّ من مفعول التمثيل الطائفي – المذهبي الحاد. لكنه لم يخدم المصلحة المسيحية العامة لجهة حقن النفوس بين الفريقين، كما ساعد على تأجيج الصراعات، وزاد هذا الإصطفاف من ذوبان الشخصية المسيحية الذاتية وإنحسار تأثيرها ونفوذها تدريجياً، مما أدّى إلى إبعاد المسيحيين عن مركزية القرار على مستوى الحكم والنظام، وحتى على مستوى المصلحة الوطنية. فأظهر وكأنهما في وضع من يأخذ موقفاً من طرف إسلامي ضد طرف إسلامي آخر، الأمر الذي يُسهم أيضاً في إنشاء بؤر توتر وصراعات لا تسمح بترسيخ الإستقرار الداخلي، وتترك الصيغة والنظام في مهب التحوّلات وعرضة للإستهداف. كما زادت حدة الإنقسامات والتنازع بين الزعامات المسيحية ضمن سياق الحملات الدعائية، إذ لم يوفروا أسلوباُ أو نمطاً للمواجهة إلاّ وطرقه هؤلاء.

 

الإتهامات المتبادلة

أعنف تلك الأنماط وأشدها وقعاً على الساحة المسيحية كذلك على الأجيال الطالعة، هو العنف في الأدبيات السياسية والتعبئة النفسية.

فقد بلغ الصراع ذروته داخل الصف المسيحي، وخرج أحياناً عن إنضباطيته ومفاهيمه الأخلاقية والتنافسية الكلاسيكية، ليتحوَّل الخطاب السياسي إلى لهجة تهجمية تأخذ شكل شتائم تمسّ الكرامات وتتعامل مع القشور والسطحيات، أكثر مما تتوجه إلى العقل والوعي والإرادة والنضج والمسؤولية، فعبأت النفوس وشُحنت بالكراهية والبغضاء والدسّ الإعلامي والمكائد السياسية، حتى أضحت النفوس أشبه بقنابل موقوتة.

ومن هذا المنطلق المذكور، سمعنا مثلاً كلاماً يتراشقه الفريقين من الصف الواحد، من نوع: "المسيحيين السنّة" وفي المقابل كردٍ فوري، من نوع : "المسيحيين الشيعة". كما راح يتهم الفريق الأول الفريق المسيحي الآخر بأنه أمّن "التغطية" المسيحية المطلوبة لتسهيل تنفيذ أو إمرار مخطّط إيران الفارسية وسوريا العلوّية و "حزب الله" في لبنان والمنطقة، والمرتكز إلى فكرة إقامة شرق أوسطي إسلامي يعتمد هوية سياسية محددة إنطلاقاً من "الهلال الشيعي"، حتى يرد الفريق الموجّه إليه الإتهام تهكماً وفي إطار التراشق المسيحي - المسيحي نفسه : بأن هذا الذي أمن "التغطية" المسيحية وهو من "أبناء مارون" لتسهيل إمرار هذا المشروع – المخطّط، هو نفسه من غطى "حزب الله" عسكرياً ولوجستياً ومادياً ومعنوياً وشعبياً، لمواجهة إسرائيل في حرب العام 2006 على لبنان، بعدما أمدّه بالعدّة العتاد. وإستكمل مناصرو هذا الفريق ردهم التهكمي بقولهم : إن "حزب الله" مدعوماً من أحد حلفائه الموارنة بعد دحر إسرائيل، وهو على وشك أن يرتد على الداخل اللبناني لإعلان دولة "ولاية الفقيه". وفي مجال المزايدات الإتهامية، لم يتورّع بعض الساسة المسيحيين من الفريق الآخر في حملاتهم الإنتخابية من وصف الخصوم المسيحيين بأنهم "أذناب لـ "تيار المستقبل" السنّي، الذي يضم شريحة كبيرة سنية تدين بالولاء والتعاطف السياسي للإمتداد القومي العربي، كما كانت الموجة الأولى للمدّ الناصري، ووقفت إلى جانب "الثورة الفلسطينية" في حرب الـ 75 وما تلاها، التي تورطت في تنفيذ "مشروع الوطن الفلسطيني البديل" على الأرض اللبنانية. ويُذَكِّرُ هذا البعض بموقف أحد المفتين السنة يوم قال في بلدة عرمون عام 1976  "إن الكفاح المسلّح الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية هما جيش المسلمين ".

 

المصالحة والأسباب السياسية لانهيارها

وبعد انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية بتاريخ 31 تشرين الأول 2016 الذي سبقه مصالحة مسيحية وُصفت بالتاريخية بعد سلسلة صراعات دامت عقود من الزمن، ومؤخراً التنافس على كرسي رئاسة الجمهورية بين أكبر تكتلين مسيحيتين، (حزب "القوات اللبنانية" بقيادة سمير جعجع، و"تكتل التغيير والإصلاح" الذي أضحى بقيادة جبران باسيل (صهر الرئيس ميشال عون وخلفه في رئاسة التيار الوطني الحر) في 18 كانون الثاني 2016، والتي أفضت الى إنسحاب جعجع وتبني عون لرئاسة الجمهورية، هدأت النفوس بين الساسة من الطرفين مما انعكس مباشرة على العامة من الأتباع.

بمعنى آخر، المصالحة التي جرت بين أكبر تكتلين مسيحيين، أثبتت فعاليتها وثقلها، ليس فقط داخل المجتمع المسيحي، إنما على صعيد الوطن، إذ كانت حاجة مُلِحّة وماسة لحل مشكلة الفراغ الرئاسي لا بل تهدئة الحقن والتعنيف في الخطابات السياسية بين مختلف الأفرقاء، لكنها لم تنهِ أزمة التكاتف على الكرسي الرئاسي لعون، ولم تُوحِّد الشارع المسيحي بكافته، بل بقي "حزب الكتائب" وبعض القواعد الشعبية التابعة لبعض الزعماء، منها قاعدة النائب المُمَدد له يومها والوزير بطرس حرب مثلاً، إضافة إلى "تيار المردة" التابع لسليمان فرنجية، وغيرهم من الفئات والتنظيمات المسيحية، عارض وصول عون الى الرئاسة.

وبالتالي، على رغم ترشيح جعجع لعون، إلا أن الأول بقي يناهض سياسة "حزب الله" حليف عون بسبب الإختلاف الإستراتيجي الكبير حول الصراع في سوريا، والخلاف سببه أن عون مقتنع بأن الحرب تهدف إلى زعزعة النظام السوري، فيما جعجع يرى بان الحلّ يكون بزوال النظام القائم وإستبداله بنظام آخر جديد، ضف إلى ذلك، عون يؤيد دور حزب الله للقتال في سوريا، أما جعجع يعارضه وينتقد سلاح الحزب الغير شرعي، مما يسفَّر عدم إكتمال عناصر المصالحة.

 

 وبما أن كل ما يُبنى على باطل فهو باطل، لم تلبث هذه المصالحة أن تزعزت وشبه انهارت خاصة بعد انتخابات أيار 2018، ومن ثم لدى خوض مجال إستحقاق تأليف مجلس الحكومة، لتشتعل مرة أخرى حدة التنافس الكلامي بين الأضداد من ساسة وأحلاف.

أسباب هذا الصراع الذي يختفي أحياناً، ومن ثم يظهر مرة جديد أكثر شراسة، يمكن ردُّه إلى شعور ضمني شخصاني نرجسي، ينتاب معظم قادة المسيحيين وسياسييّهم، هدفه التجييش والشعبوية، والتلاعب بالرأي العام، دون البعد في الرؤية عما ستؤول إليه تهكماتهم المشحونة بالبطولة أو البغضاء على مصير الأحلاف خاصة والأوطان عامة.

 

تنشئةُ جيلٍ معبّأ وحاقد

ومع تفاقم هذا الواقع قديماً وحديثاً، خاصة بعد أن برزت منذ العام 2006 - 2007 الوسيلتين الأكثر تداولاً في عصرنا الحالي وهما "الفيسبوك" (Facebook) شبكة التواصل الإجتماعي، و"التويتر" (Twitter)، إستخدم الساسة الأضداد وأنصارهم عبرهما، مختلف التعبيرات الجارحة والمشوّهة للسمعة، تخلو من أناقة المنطق ورقي الكلمة التي يجب أن يتحلّى بها العمل السياسي ورجال السياسة، وممكن أن تكون في متناول صغار السن الذين يتداولون هاتين الوسيليتين بشكل واسع، ليس كالسابق، حين كانت الجريدة أو نشرة أخبار الثامنة حكراً على الكبار، مما يسوق إلى تعبئة نفسية وتنشئة سياسية للأجيال الصاعدة، لا تليق بمستوى الأوطان والوطنية، كله من أجل ضرب صدقية وهيبة الخصم والخصم المضاد.

وإذا ما ظلّت على هذا المنسوب وهذا المستوى، فنخشى تسميم الأجيال المسيحية الطالعة، وتحشو ذاكرتها الجماعية بالإنفعالات التي تختزن طاقات تدميرية مكبوتة وجاهزة للإنفجار مستقبلاً دون سابق إنذار. وتُترجم مفاعيل الخُطاب السياسي من خلال ردات فعل الشباب الجامعي المُسيَّس عشوائياً والمنقاد غرائزياً وعاطفياً خلف شعارات وطروحات لا يفهمها في العمق. وهو الجيل المفترض أن تخرج من صفوفه كادرات سياسية مستقبلية. وكثيراً ما تأتي ردّات الفعل خلال التظاهرات الإحتجاجية أو الإنتخابات الجامعية مثلاً، من اللجوء إلى ممارسات خطيرة، كإستخدام العصي وشهر أسلحة كالمسدسات.

 

عليه، يقع اللوم أولاً وأساساً على الأحزاب والتيارات السياسية المسيحية على إختلافها التي يجب أن تتصدى لهذه الظاهرة عبر إستنباط أساليب ووسائل وإجراءات وتدابير حزبية تستطيع ضبط وقمع هذا الشحن النفسي، فإذا ما إستشرت أكثر، فإن "أبواب الجحيم" قد تُفتح على الساحة المسيحية وجرّ الواقع المسيحي إلى نهايات لا يتوقعها إلاّ "المصممون على الإنتحار".

 

  • باحثة لبنانية، والمقال مقتطف من أطروحتها للدكتوراه في علم الإجتماع السياسي بعنوان: "مسيحيو لبنان بين التصوُّر والواقع- مقاربة إجتماعية - سياسية لمسيحيي لبنان"، غير منشورة بعد.