قوبل الاعلان الأمريكي حول الانسحاب من سورية بارتياح من قبل مسيحيي "الجزيرة" أو ما بات يُعرَف دولياً بـ "شرق الفرات"، في ظل مشهد سياسي يزداد تعقيداً على وقع التهديدات التركية المتتالية بحتمية عدوانها على المنطقة التي كانت قبل سنوات الأزمة أحد أهم معاقل مسيحيي الشرق ضمن نسيجها العرقي والطائفي المتنوع.

 

مسيحيو المنطقة: لهذا نحن مرتاحون لقرار الانسحاب

وفي شهادات عن المواقف رأى الناشط في مدينة القامشلي نضال رهاوي أن الرأي الغالب بالنسبة لمسيحيي الجزيرة هو "اعتبار التواجد غير الشرعي للأمريكي احتلالاً مباشراً، وهذا ينطبق على كل من تعامل أو تعاون معه أو سهّل له، ولهذا من الطبيعي أن يتشارك مسيحيو الجزيرة مع باقي الشعب السوري الارتياحإزاء  هذا الإنسحاب وخاصة أنه كان يوفّر التغطية السياسية والإعلامية والعسكرية لمجمل ممارسات ما يسمى بالإدارة الذاتية بحق الشعب في منطقة الجزيرة".

بدوره أيد المطران مار موريس عمسيح مطران الجزيرة والفرات للسريان الارثوذكس في حديثه لموقع "اليوم الثالث" فكرة الارتياح مؤكداً على أن "الوجود الأمريكي غير المرغوب به في الجزيرة السورية أسهم بشكل مباشر في تفكك النسيج الاجتماعي في المنطقة". في حين بيَن ناشط آخر من سكان القامشلي فضل عدم الكشف عن اسمه لليوم الثالث أن "الدعم الأمريكي للميليشيات الكردية أدى إلى تعاظم عنجهيتها في التعامل مع السكان وخاصة المسيحيين منهم، حيث أنهم الحلقة الأضعف من حيث التعداد والتسلح، لذا فقرار الإنسحاب حتماً سيكون مبشراً للمسيحيين وغيرهم بما في ذلك فئة كبيرة من الأكراد حتى".

 

المسيحيون والإدارة الذاتية الكردية: لا انسجام

تدل أغلب ردات الفعل التي تم رصدها خلال سنوات سيطرة الميليشيات الكردية على المنطقة إلى حالة من "اللا انسجام" بين "الحكام الجدد" والغالبية المسيحية في المنطقة. وهو ما يؤكده رهاوي بالقول إن "المسيحيين رفضوا الإدارة الذاتية من حيث المبدأ لأنها بالتأكيد لم ولن تكون البديل عن شرعية الدولة السورية، ناهيك عن الممارسات التعسفيّة التي مارستها هذه الإدارة بحقهم بشكل خاص من خلال الإعتداءات المتكررة على حي الوسطى (القامشلي) بسبب تمسك الأهالي فيه بالعلم السوري والدولة".

وأضاف رهاوي "كما قاموا بالإعتداء على أملاك الكنائس الخاصة مثل المدارس وكذلك الإعتداء حتى على أملاك خاصة بالمسيحيين المهاجرين والغائبين، وطبعاً لا ننسى أيضاً عمليات خطف الشباب من الشوارع لغاية إلحاقهم بفصائلهم المسلحة والتي كانت كل معاركهم بعكس توجهات الدولة السورية ووحدة الأراضي"، معتبراً أن "كل هذه الممارسات كان لها التأثير السلبي على الوضع الإقتصادي، ما أدى الى حالة من الفوضى و التفكير بالهجرة خاصة مع غياب الدولة في هذه المناطق".

ورداً على وجود نسبة مسيحية متمثلة فيما يعرف بالإدارة الذاتية، رأى رهاوي أن "عدد من عمل أو تعاون من المسيحيين مع ما يسمى بالإدارة الذاتية وبسبب قلته وضآلة حجمه لا يرقى لوصفه بالنسبة، ولهذا لا يشكل نسبة مئوية مقابلة لباقي المسيحيين الرافضين لهذه الإدارة، هذا عدا عن كونهم حالة تحزبيّة (حزب الإتحاد السرياني - الدورونوية) وليسوا حالة اجتماعية أو كنسية مسيحية".

وأشار إلى "أنهم وعلى الرغم من قلتهم حاولوا التحدث باسم المسيحيين وعلى أنهم يمثلون المسيحيين في هذه الإدارة وقد خدمهم في هذا احتماؤهم بعصابات مسلحة عناصرها بأغلبها ليست مسيحية من جهة، ومن جهة أخرى الإعلام الغربي المعادي للدولة السورية حيث أظهرهم كقوة مسيحية فاعلة على الأرض على الرغم من أن شعب الجزيرة بأكمله يعرف تمام المعرفة حقيقة أنهم لا يشكلون أي حيثية على أرض الواقع".

الأكاديمي والأستاذ الجامعي في القامشلي د. فريد سعدون اعتبر من جهته في حديثه لموقع "اليوم الثالث" أن "المعارضين للإدارة الذاتية من المسيحيين توجسوا منها خيفة، حينما لمحوا فيها نزوعاً كردياً قد يؤدي إلى قيام كيان كردي وهذا ما لا يحبذونه ولا يطيقونه، وخاصة أن حزب "الإتحاد الديمقراطي الكردي" قد استأثر بمعظم مفاصل هذه الإدارة واستلب قرارها، فلم يبقَ أمام المسيحيين من مفر غير التمسك بالدولة والنظام القائم وتفضيله على ما عداه". وأضاف: "ولذلك مبرراته، فقد منحتهم الدولة هامشاً من حرية ممارسة طقوسهم الدينية وفتح مدارسهم الخاصة والتعليم باللغة السريانية، فضلاً عن أن بقاءهم بمفردهم يعني أن يكونوا لقمة سائغة للجماعات المسلحة كونهم أقلية لا حول لها ولا قوة".

 

الهجرة تهدد الوجود المسيحي في الجزيرة السورية

مثلت الجزيرة السورية مع امتدادها الجغرافي في العراق معقل الآشوريين والسريان منذ القدم، وتعزز ذلك مع انضمام ناجين من المجازر العثمانية بداية القرن الماضي من الأرمن. أيضاً لكن الثلث الأخير من القرن الماضي شهد موجة من الهجرة المسيحية إلى أوروبا وخاصة السويد بالإضافة إلى القارة الأمريكية، استمرت مع بداية الألفية الثالثة وتحولت إلى ظاهرة متفشية مع بدء الأزمة السورية، وتشير الأرقام غير الرسمية إلى هجرة نحو ثلثي سكان المنطقة من المسيحيين.

وحسب الأرقام "التقريبية" التي حصلنا عليها فإن 5600 عائلة من السريان الارثوذكس فقط بقيت في المنطقة من أصل 16000 قبل بداية الأزمة (2011) و500 عائلة من الأرمن الأرثوذكس من أصل 1200 اضافة إلى 900 عائلة آشوري فقط من أصل أكثر من 5000، مع وجود 1000 عائلة من الطوائف الكاثوليكية والبروتستانت.

وحسب رهاوي فإن "العديد من المسيحيين المهاجرين بسبب هذه الحرب مباشرة ربما كانت لهم أسبابهم المشروعة، لكن في نفس الوقت هاجر البعض لمجرد الإنتقاص من حالة الترف التي كان يعيشها قبل الحرب وهذا بطبيعة الحال أثّر سلباً على من ثبت وبقيّ هنا حتى الآن"، مؤكداً أن "نزيف الهجرة لا زال مستمراً حتى الساعة".

ورداً على اتهامات بعض النشطاء للادارة الذاتية بانتهاج سياسات لتهجير المسيحيين من المنطقة، رأى سعدون أن "هذه الاتهامات تحتاج إلى التحري الدقيق والاعتماد على الوقائع المادية، وحسب ما نعلم فإن قسماً من المسيحيين يشاركون في الإدارة الذاتية وهذا بطبيعة الحال سيجعلهم شركاء في تهجير أهلهم، فهل يُعقل أن يفعلوا ذلك؟".

ويضيف "أعتقد أن الإدارة الذاتية حافظت على الوجود المسيحي وقامت بحمايتهم من الجماعات التكفيرية، ولو دخلت داعش المنطقة لرأينا مجازر فظيعة بحق الجميع، وبكل الأحوال فإن هجرة الشعب الكردي كانت بمئات الآلاف، بينما الشعب الأرمني والسرياني كانت هجرتهم ضئيلة مقارنة بغيرهم".

ويعتبر 23 شباط 2015 يوماً أسوداً جديدأ في تاريخ مسيحيي "الجزيرة" حينما شن تنظيم داعش هجوماً على 34 قرية آشورية مستهدفاً "عاصمتهم" إن صح التعبير تل تمر وأسر مئات النساء والأطفال، في حين سجلت المنظمات والجمعيات الأهلية نزوح ما يقارب الـ 2500 عائلة باتجاه مناطق آمنة في أرياف القامشلي والحسكة، ما شكل صفعة أخرى في وجه الوجود المسيحي في المنطقة، وسرع من وتيرة الهجرة.

 

وحسب المطران عمسيح فإنه "خلال لقاءاتي بالجالية السورية في البلدان الأوربية يمكن القول أن نسبة 50% من المهاجرين يعربون عن رغبتهم في العودة إلى الوطن مع زوال الخطر الأمني وعودة المؤسسات الحكومية إلى المنطقة، لكن المشكلة في نزيف فئة الشباب، والذين يفضل معظمهم الاستقرار في دول الاغتراب، ولموضوع الخدمة الالزامية والاحتياطية الحصة الأكبر من دواعي هذه الرغبة". وأضاف أنَّ "الكثير ممن هاجر لا زال يحتفظ بملكية عقاراته والأراضي الزراعية، وهو ما يمكن أن يشكل عاملاً مغرياً للعودة بالنسبة لهم مع تحلحل الظروف الأمنية والمعيشية السيئة".

 

مخاوف من الاجتياح التركي: هواجس التاريخ والمجازر

الناشط نضال رهاوي يرى أن "التصريحات الأخيرة لقادة أتراك والتي كشفت عن نوايا أخرى غير محاربة الإرهاب أدت إلى اعلان سكان هذه المنطقة بشكل واضح وصريح رفض أي احتلال كان، فلا بديل عن عودة الدولة واستعادة نفوذها بالكامل وقطع الطريق أمام التركي فوراً عبر القضاء على هذا التمرد المشؤوم والذي يحلو للبعض تسميته بسلطة الأمر الواقع".

من جهته اعتبر حمدون أن "الحكومات التركية المتعاقبة لم تدّخر جهداً في محاولاتها إبادة العنصر المسيحي من الأرمن والآشوريين والسريان والكلدان، وما زالت دماء مذابح سيفو وغيرها ندية، ولذلك فإن الذاكرة المسيحية مدججة بصور القتل والفتك والتهجير والإبادة التي مارستها بحقهم الدولة التركية الطورانية، وهذا يخلق فزعا مبرراً أمام التهديدات التركية باجتياح المنطقة".

وقال حمدون: "نعلم أن هذا الاجتياح سيكون بمشاركة الفصائل المسلحة ومعظمها ذات خلفية تكفيرية، ولذلك فإن التدخل التركي يشكل تهديداً جديداً للمنطقة قد يؤدي إلى نزوح ما تبقى من المسيحيين من المنطقة خوفاً على أنفسهم من الإنتقام الذي قد يمارسه الجيش التركي والميليشيات المرافقة له، خاصة وأن المسيحيين انقسموا بين مؤيد للدولة أو للإدارة الذاتية وفي كلتي الحالتين تعتبرهم تركيا ضمن قائمة أعدائها".

أما المطران عمسيح فقد اعتبر أن "عودة الدولة السورية بمؤسساتها ومنها العسكرية ستنتزع المبررات التي تصوغها تركيا لاقتحام هذه المنطقة، وبالتالي الحل الوحيد لكبح الجماح التركي هو عودة الشرعية المتمثلة بالحكومة السورية وعدم ارتكاب خطأ عفرين مرة أخرى".

  • صحفي سوري متخصص في الشأن التركي يراسل "اليوم الثالث"