مما لا شك فيه أن ضراوة الحرب السورية التي اتخذت، بالإضافة إلى بعدها السياسي الاقليمي،بعداً دينياً وطائفياً، أظهرت وكشفت الخلل القائم في بنية المجتمع السوري وألقت بثقلها على أطيافه كافة التي اتخذت شكلها كأقليات وأكثرية. وهذه لغة لم نكن نسمعها من قبل بل كنا نتحاشى التحدث بها تتعايش ضمن جو من القلق والريبة، ليكون للمسيحيين السوريين نصيبهم من تداعياتها التي أعادت الذكرى الأليمة للمذابح الإنسانية والمجازر التي تعرض لها مسيحيو المشرق، واستدعت لديهم الشعور بأنهم أصبحوا هدفاً للإبادة وأن الهجرة هي السبيل الوحيد للخلاص.

 

تاريخية الهجرة السورية

وبلمحة سريعة نلحظ بأن حجم الوجود المسيحي قد تأثر بالأوضاع السياسية المختلفة التي اجتاحت سوريا منذ الاستقلال. فبعد أن كانوا يشكلون حتى العام 1970 ما يعادل 35 بالمئة من السكان أخذت هذه النسبة بالانحسار حتى بلغت في العام 2018 ما بين 13 و14 بالمئة، مع التذكير بأن سوريا هي مهد المسيحية ومنها انطلقت الرسالة في أنحاء المعمورة، حيث تحتضن أهم المقدسات من كنائس وأديرة، كما تحتضن دمشق الكرسي البطريركي لأنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس والسريان الأرثوذكس، بالإضافة إلى كرسيي أنطاكية والقدس والإسكندرية للروم الملكيين الكاثوليك.

لقد ازدادت وتيرة الهجرات الجماعية مع اشتداد وطأة الحرب. فلم يبق من مسيحيي سوريا إلا ما يقدر بـأقل من 14 بالمئة من عدد السكان. وبلغت نسبة اللاجئين المسيحيين 900 ألفاً من أصل 6 مليون سوري بحسب إحصائيات الأمم المتحدة عام 2017، والتي تعّد نسبة كبيرة مقارنة بتعدادهم مما يشكل خطر ديموغرافي غير مسبوق وخصوصاً مع انعدام مؤشرات العودة الطوعية الى حضن الوطن.

 

 

اهتمام الفاتيكان

على الرغم من أن هجرة مسيحيي سوريا عن أرضهم لا تنفصل بجوهرها عن الأسباب السياسية والأمنية والاجتماعية والدينية التي تتلخص في موجات الأصولية والتكفير وهجرة مسيحيي المشرق عامة، لكنها اتخذت مركز الصدارة في الاجتماع الذي شهدته مدينة باري جنوبي إيطاليا في شهر حزيران 2018، بدعوة من البابا فرنسيس والذي يعد الحدث المسكوني الأول منذ مجمع أفسس في العام 431 الذي يدعو فيه بابا روما إلى الصلاة مع جميع بطاركة ورؤساء كنائس الشرق الكاثوليكية والأرثوذكسية مجتمعين على نية السلام في سوريا.

 كان من أهم ما تمخض عنه هذا الاجتماع هو تسليط الضوء على كارثة انحسار الوجود المسيحي السوري وهذا شكل المفصل الأساس لمخاوف رعاة الكنيسة الذين استبشروا بأن نهاية العمليات العسكرية في معظم الأراضي السورية، وانتصار الوطن على الارهاب فرصة للنداء من أجل عودة المسيحيين. وقد طالب بطاركة سوريا ولبنان البابا فرنسيس بمساعدتهم للضغط على الدول الأوروبية من أجل عودة اللاجئين المسيحيين إلى سوريا لتحقيق التوازن الديني والديموغرافي.

 

بين الأمن والإقتصاد

والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه اليوم، هل أن هجرة المسيحيين تختزل فقط في انعدام الأمن والأمان والاستهداف من قبل الجماعات التكفيرية؟ أم أن الامور لا تزال معلقة بالنسبة لمعظمهم؟ لا شك بأن الأستقرار الأمني عاد الى معظم المناطق السورية بعد أن وضعت الحرب أوزارها، فلماذا لا تزال فرص العودة ضعيفة بل فلنقل معدومة للمسيحيين؟ لا شك بأن الظروف الاقتصادية التي يعيشها السوريون عامة ومنهم المسيحيون وغيرهم تشكل السبب الرئيس في قرار عدم العودة وهذا سبب حيوي ولا يقل أهمية عن العامل الامني.

 ضافة الى خشية المسيحيين من زج أبنائهم في موضوع التجنيد الإجباري، أضف الى ذلك التحولات الاجتماعية التي هزت بنيان المجتمع السوري الذي يتلخص في انفراط أواصر العيش المشترك وغياب التحركات الجادة لإعادة الثقة بين أبناء البلد الواحد، والتي لا يكفيها مشاركة رجال السلطة في الفعاليات الاجتماعية والدينية للمسيحيين والاستمرار برفع شعارات العلمانية التي ركز عليها البطاركة لطمأنة المسيحيين على الرغم من تجاهلها في الدستور السوري الذي يحدد الإسلام ديناً لرئيس الجمهورية، ويعتبر الفقه الإسلامي مصدرا أساسيا للتشريع. أضف الى ذلك تشجيع السلطة للتيارات الدينية المتشددة والتي كانت محظورة فيما مضى متمثلة بالقبيسيات والفرق الشبابية الدينية، اضافة الى الدعم غير المسبوق للمعاهد والكليات الشرعية والحسينيات التي لا تؤهل لبناء مجتمع متعايش علماني، وهذا كله لن يطمئن المسيحيين الى مستقبلهم ومكانتهم في صنع القرار في سوريا الغد.

 

وبالعودة الى المخاوف المشروعة التي أعرب عنها رؤساء الكنائس الشرقية والتي تمحورت حول تلاشي الوجود المسيحي في الشرق الأوسط وخصوصا العراق وسوريا، معتبرين أن هذا التلاشي سيؤدي إلى تشويه وجه المنطقة وضرب منظومة التعايش المشترك، فإن هذا الوضع يتطلب النظر إليها بجدية كأحد أهم المخاطر التي نواجهها اليوم. وشدد البطاركة على الدور الريادي الثقافي الذي يلعبه المسيحيون، كحلقة وصل بين الحضارة العربية والحضارة الغربية بسبب تأثير وجودهم على رؤية الغرب لهذا الشرق التي تتسم غالباً بالسلبية وبأنه مصدر للإرهاب، ودورهم في عقلنة التطرف لدى الحضارتين والذي لم ينتبه إليه طيف واسع من الإسلاميين الراديكاليين الذين لم يجدوا في جرائم التنظيمات الارهابية من داعش وغيرها جرائم ضد أنفسهم في المقام الأول.

 

للمشاركة الوطنية والسياسية

سوريا التي شهدت مهد القداسة المسيحية، لا يمكن تحويلها إلى أوابد أثرية وشواهد على وجود غائب وأطلال وأن يصبح حال وجودها المسيحي كحال اللغة الآرامية لغة السيد المسيح التي انقرضت من جميع أنحاء البلاد باستثناء ثلاث قرى شمالي دمشق تنطق بها حتى اليوم، وهي معلولا المسيحية وجبعدين وبخعة.

 وعود على ذي بدء، أخلص بأن هجرة المسيحيين لها أسباب كثيرة وشديدة العمق لا يمكن إنهاؤها ووضع حد لها بمجرد تعالي الصيحات والدعوات إلى مساعدتهم وحثهم على العودة من دول اللجوء بمجرد القضاء على بؤر الارهاب فقط، من دون وضع الحلول الصحيحة والصحية للتمهيد لهذه العودة باعتبارها حقاً للجميع ولا علاقة لها فقط بالسياسة والام.  بل علينا أن ننظر الى أبعد من ذلك. فالمطلوب اليوم المشاركة الفعلية على الأرض في الحياة السياسية وصياغة دستور علماني للبلاد والتأسيس لعقد اجتماعي جديد، لصناعة التوازن المطلوب داخل المجتمع السوري بغية الحفاط على وجهه الثقافي والابقاء على منظومة التعايش التي تميزنا كمشرقيين.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث"