لماذا نُتّهم على الدوام كمسيحيين في بلادنا بأننا نستقوي بالغرب، وهل هذه المقولة صحيحة؟ لقد انضم عدد من المسيحيين في الشرق الأوسط إلى المجموعات المناهضة لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب نحو ألفي جندي أمريكي من سوريا، ويقولون إن قراراً كهذا من شأنه أن يعرض المسيحيين للخطر ويجبرهم على الفرار مرة أخرى، وطالبوا بإلغاء القرار وضمّ هؤلاء أصواتهم لأصوات مسيحية أخرى في واشنطن وأوروبا منادية بإلغاء ترامب لقراره ومشيرة إلى المخاوف التي قد يواجهها المسيحيون من التنظيمات الارهابية.

وفي إشارة إلى التهديدات العسكرية المثيرة للجدل التي أعلنت عنها تركيا للهجوم على المنطقة، انطلقت أصوات من هنا وهناك مندّدة بعدم صوابية هذا القرار الأمريكي بالانسحاب من دون ضمانات لأن ذلك من شأنه فتح أبواب الجحيم على المسيحيين الذين يقطنون شمالي سوريا وسيدفع بالمجتمع المسيحي الى الهجرة مرة أخرى، إذ لا يزال هذا المجتمع يحفظ في ذاكرته الإبادة الجماعية التي وقعت ضدهم من قبل الأتراك العثمانيين في عام 1915، كما قد يؤدي إلى مزيد من المخاوف التي من شأنها ان ترغم السكان المسيحيين على مغادرة سوريا.

 

هذا كان رأي الجماعات والهيئات المعارضة لقرار الانسحاب الذي عبرت عنه بعض الصحف الأمريكية جهارةً. ولكن الواقع الذي لا يمكن الجدل فيه هو أن التحالف الجديد بين الولايات المتحدة وتركيا لن يؤثر كثيراً على وضع المسيحيين في المنطقة، ولكنه حتماً سوف يزيد الوضع سوءاً بالنسبة للأكراد. فليس المسيحيون هم المستهدفين من الدولة التركية في الوقت الحالي، بل المقاتلين الأكراد المتحالفين مع القوات الأمريكية، فلماذا يعمد بعض رجال الدين والهيئات والمنظمات الرسمية الى اقحام المسيحيين في هذا الموضوع عن طريق بعث الخوف والتهديد لديهم ومحاولة تعزيز هذه الصورة لدى الغرب؟

مما لا شك فيه هو أن إنسحاب القوات الأمريكية سوف يعرّض مستقبل هؤلاء المقاتلين الأكراد للخطر ويعرض للانهيار أهداف الأكراد ومصالحهم الانفصالية بالحصول على إدارة ذاتية في المناطق التي يسيطرون عليها وبالتالي الإنفصال عن الدولة السورية الأم.

 

هذه الإدعاءات لها ما يبررها من جهة الأكراد الذين يخشون رد فعل انتقامي من عناصر داعش ولكن بكل الأحوال خروج القوات الأمريكية لن يخلق فراغًا في المنطقة ولن يشكل أي خطر أو تهديد للوجود المسيحي، لأن القوات الرسمية السورية هي القوى التي ستملأ ذلك الفراغ ولن يكون للتنظيمات الارهابية الفرصة لإحكام سيطرتها على تلك المناطق من جديد.

لماذا اليوم كل هذه الجلبة والقنابل الاعلامية في الغرب التي تزعم تعاطفها مع المسيحيين في سوريا؟ ان التحالف الدولي بقيادة الأميركيين والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لم تتحرك في سنوات الحرب الماضي لحماية المسيحيين في سوريا، أو لنكون صادقين وموضوعيين مع أنفسنا ومع التاريخ، علينا أن نسأل منذ متى كان الغرب يهتم لمسيحيي المشرق وماذا فعل أو قدم لهم في العراق وسوريا؟ ألم يكن ضالعاً بشكل أو بآخر بمعاناتهم؟

 

من يتشدق اليوم ويجاهر بمخاوفه له أجندات معينة لم تعد تخفى على أحد. فبالعودة الى ملفات اللجوء والنزوح التي حصلت أبان الحرب السورية كانت النسب الأقل هي للمسيحيين مقارنة بالمكونات الاخرى، حتى فيما يخص المساعدات الانسانية. فلنكف عن الانشاء وقصائد الغزل ونتحاور بموضوعية، فلقد كان لهذا الغرب الباع الأكبر في كل مآسي هذ الشرق منذ قرن حتى اليوم، فهل يصح أن نستقوي دوماً بالخارج الذي لا يخفي مطامعه بأنه ليس جمعيات خيرية تقدم الاحسان من دون مقابل؟!

لماذا يسعى البعض لزج المسيحيين في هكذا لعبة لا طائل لهم بها؟ الخوف من الأتراك قائم حتى لا تتكرر سيناريوهات عفرين وما حصل في الماضي القريب والبعيد والخوف من تحريك الملفات التكفيرية والجماعات الارهابية مجدداً عن طريق تركيا وبعض القوى الغربية، كل هذا لا يمكننا نكرانه بأي حال من الأحوال. ولكن أن نقول إن الوجود الاميركي هو ضمانة لهم فهذا عار عن الصحة. فالمتابع ليوميات الحرب السورية يعرف كيف كانت تدار الأمور ولم يكن للوجود المسيحي في المشرق أي خصوصية أو تميز بالنسبة للغرب، فحساباته الاقليمية لا علاقة لها بالدين والغيرة عليه وعلى أتباعه، ما يدفعنا لنتحرر من هذه الافكار المغلوطة.

 

قد تتداعى بعض المنظمات الانسانية والمسيحية حول العالم لنصرة مسيحيي الشرق ولكن قراراتها لا تتعدى الحبر على ورق. فما يدار بالغرف المغلقة لا علاقة له بذلك وما يحدث في العالم هو نتاج صراع اقليمي بين ترامب والدولة الأميركية التقليدية ونحن مجرد أدوات ليس الا. فالرئيس ترامب يمثل اليوم تيارً ولا يعمل لوحده، لأنه جزء من منظومة تتضمن حزب "الشاي" واليمين البديل واليمين المسيحي المتصهين اضافة الى اليمين التقليدي المتشدد واليمين اليهودي الليكودي، ويسانده قطاع من الشعب من "الواسبس" (الأمريكان البيض والبروتستانت والأنجلو- سكسون) ولا علاقة للمشرق والمكون المسيحي بأجنداتهم.

في المقابل، الدولة الأميركية التقليدية هي التي تنادي بالحفاظ على نموذج ما بعد الحرب العالمية الثانية للأمن القومي الأمريكي، ودرجت عليى ذلك كل من وزارة الخارجية والدفاع ومجلس الامن القومي. وكما هو معلوم فإن ترامب مخالف لها في العديد من القضايا، فالدولة التقليدية ترى روسيا عدواً فيما ترامب يراها دولة صديقة تساعد على مواجهة الصين، وكذلك الدولة التقليدية ترى ضرورة الانتشار العسكري في العالم للحفاظ على المصالح الأميركية بينما الرئيس ترامب يرفض هذا ويعتبر حاملات الطائرات كافية ولا داعي للتكاليف عبر القواعد التي يجب تقليصها والحد منها. 

 

الدولة التقليدية ترى أن استمرار أمريكا ممكن بالقوة العسكرية لا التفوق الاقتصادي المهدد بالصين. والتياران يتصارعان علناً وساحة صراعهم معلنة بتصريحات متناقضة، وسوريا إحدى ساحات ذلك الصراع فترامب يريد الانسحاب والتطبيع مع دمشق، والدولة التقليدية تريد تعزيز الوجود العسكري.

ولهذا يبدو المشهد معقداً، وقد استرسلت بالشرح الاقليمي السياسي لتوضيح جزئية أن من يدّعي الخوف على المسيحيين انما يريد زجهم بصراعات لا طائل لهم بها وهم أصلا ليسوا ركناً اساسياً من منظومتها.

وفي النهاية أقول نحن ثابتون على الأرض في هذا المشرق منذ مايزيد عن 2000عام وسنستمر مستقويين بذواتنا ومتسلحين بإيماننا المستقيم وجذورنا.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث"