حجرٌ أُلْقِيَ في المياهِ الراكدة، وكأن حالة الموت السياسي التي تعيشها مصر قد دبت فيها الحياة، فمنذ أعلن رئيس مجلس النواب المصري علي عبد العال، خلال الجلسة العامة، الأحد 3 شباط/ فبراير 2019، وصول طلب كتابي موقع من أكثر من خُمس أعضاء البرلمان بتعديل بعض مواد الدستور، انقسم المصريون بين مؤيد ومُعارِض، وهي إشكالية تدعو للنقاش لأنها تتخطى حالة السياسة الطبيعية بين مؤيد وعارض إلى مسألة استقرار الدولة المصرية نفسها والنسيج الوطني برمته.

 

أحال عبد العال الطلب إلى اللجنة العامة للمجلس إعمالاً لنص المادة 141 من اللائحة الداخلية للمجلس، للنظر في مدى توافر الأحكام والشروط، وفقًا للمادة 226 من الدستور، لإعداد تقرير بذلك لعرضه على المجلس. وفي جلسة 14 شباط/ فبراير 2019 العامة، أعلن رئيس المجلس موافقة أعضاء البرلمان بأغلبية 485 نائباً من كافة الأطياف السياسية وعلى رأسهم ائتلاف (دعم مصر)، على مقترح التعديلات على الدستور من حيث المبدأ، وأحاله إلى لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية. وقد رفض 16 نائبًا فقط التعديلات، أغلبهم من تكتل(25/30) المعارض.

 

وبشأن التعديلات والزخم الناجم عنها، يمكننا تقسيم أبرز تلك المواد إلى ثلاث نقاط تعكس اتجاهات القوى السياسية المؤيدة والمعارضة:

  • أولا المواد المُقترَح تعديلُها التي تلقى قبولاً وتأييدًا كالمادة الخاصة بزيادة تمثيل المرأة في المجالس النيابية بنسبة لا تقل عن 25 %، وهي بذلك تحول تمثيل المرأة من الصفة المؤقتة بحسب دستور 2014 إلى الصفة الدائمة بحسب مقترح التعديل.
  • مادة مستحدثة تضمن تمثيل المسيحيين والعمال والفلاحين، والمصريين في الخارج، وذوي الاحتياجات الخاصة تمثيلاً عادلاً بحسب نص المادة المضافة.
  • مادة جديدة تتيح لرئيس الجمهورية اختيار نائب له أو أكثر لمعاونته في أداء مهامه، ويقوم بمسؤولياته بصورة مؤقتة في حال قيام مانع يحول دون ذلك.

 

المواد الجدلية

بالإضافة للمواد التي تلقى تأييداً عاماً، هناك مواد خلافية أثارت لغطاً وجدلاً حولها كالمادة المستحدثة التي تجعل القوات المسلحة ضامنة ل "مدنية الدولة والحياة الديموقراطية"، والمادة الخاصة بإعادة الغرفة الثانية للبرلمان "مجلس شيوخ" يعين رئيس الجمهورية ثلثه، وبصلاحيات محددة تكاد تكون منزوعة بلا رقابة على الحكومة أو موازنتها العامة، وقد حصرتها صياغة المادة المقترحة ب "مجالات الحريات العامة والوحدة الوطنية". (كان دستور 2014 قد ألغى "مجلس الشورى" ليعود بهذا المسمى الجديد).

يضاف إلى ذلك مواد وجدت ممانعة أكثر من التأييد وعلى رأسها هذه المواد، المادة الخاصة بمدة الرئاسة، وكذلك الفقرة "الانتقالية" المستحدثة والتي تُعطي الحق للرئيس الحالي أن يترشح لفترة جديدة من خلالها.

 

ولكن إحقاقا للحق هناك "تيار سياسي" براغماتي يوافق على تلك المادة كونها "لم تمس مدد الرئاسة" لتبقى كما هي مدتين رئاسيتين كحد أقصى. ويُلقي هذا الفريق الكرةَ في ملعب المعارضة لأن يمكنهم تقديم مرشح قوي في انتخابات 2022، ولكنهم برأيهم عاجزون عن تقديم مرشح قوي أمام الرئيس الحال ترشحه. وكذلك هناك المادة الخاصة باستحداث "المجلس الأعلى للقضاء" برئاسة رئيس الجمهورية، والتي تعطيه هذه المادة صلاحيات أكبر في اختيار رؤوساء الهيئات العليا للقضاء.

 

موقف الأقباط من التعديلات الدستورية

لا يوجد توافق عام قبطي إزاء هذه التعديلات. فهناك من يرى أنها قد رسّختْ وضعا دائما في نص الدستور يضمن تمثيل الأقباط تمثيلاً ملائماً وعادلاً يتفق مع نسبتهم من حيث عدد السكان من جهة، وتعويضاً عن واعترافاً رسمياً بفترات التهميش التي عانوا منها في السابق في الحياة العامة والسياسية.

وهناك فريق آخر من الأقباط يرى أن تلك المادة مجرد "طُعْم" لكسب تأييد الأقباط في حال الموافقة من البرلمان وطرح تلك المواد للاستفتاء. ويشبهون تلك الحالة بمثيلتها في العام 1981 عندما غازل الرئيس الأسبق "أنور السادات" التيار المتأسلم بالمادة الثانية الخاصة بالشريعة الإسلامية من أجل تمرير المادة الخاصة بمدد الرئاسة ليجعلها مفتوحة غير مقيدة بمدتين، ولم يُمهله القدر للاستفادة من تلك المادة فقد قتل بعده بشهور ليستفيد منها خلفه "حسني مبارك".

وعودٌ على العنوان السابق فقد رفض النائب "سمير غطاس" التعديلات من حيث المبدأ،= قائلًا: "لا أرفض التعديلات فقط بسبب المادة 226، وأشار إلى أن كل تعديل للدستور يجب أن يكون لفرض ضمانات أكثر فى النصوص التى يعدلها، فيما يرى هو أن التعديلات المقدمة لا تقدم ضمانات أفضل، واعتبرها انتكاسة وتراجع لوضع قائم".

 

وتابع "غطاس": "التعديلات لا تعد تقدمًا، بل تراجع عن أوضاع قائمة. وفيما يخص القضاء تحديدًا تمس استقلاليته، وتمثل اعتداءً صارخا عليه وعلى كل الدساتير المصرية السابقة، وكذلك المواد الحالية فى الدستور التى تضمن استقلاله وعدم تدخل الجهات التنفيذية فى عمله.

 ومن جانبه أيّدَ "القمص مكاري يونان" راعي الكنيسة المرقسية بالأزبكية التعديلات، وعلّقَ على التعديلات الدستورية، فى فيديو منسوب له بأن السيسي لم يفرق بين مسلم ومسيحي، ولم يأتِ مثله رئيسًا من قبل، فهو يهتم بتشييد الكنائس في المدن الجديدة، وهو أول رئيس يذهب للأقباط ليهنئهم بالأعياد.

 ولفت «يونان» إلى أن السيسي قام بالعديد من المشاريع القومية الكبيرة، وقام بتحويل مصر لدولة مهمة وذات قيمة، مضيفًا: "إحنا محتاجين اللي بدأ العاصمة الإدارية الجديدة الجبارة دي يكملها وتكون ولايته ليس فقط أربع سنوات بل حتى إلى ست سنوات أخرى تالية".

 

تعديل الدستور واستقرار الدولة المصرية

بعض الأصوات تخشى من تأثير التعديلات على استقرار الدولة وتماسك النسيج الوطني، في ضوء حالة الاستقطاب الشديد التي خلفتها الدعوة إلى تعديل الدستور، وفي ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية متردية، تتخوف من انفجار الوضع الداخلي برمته. وتدعو هذه الأصوات إلى الاستفتاء لكل مادة على حدة وليس على كل التعديلات ككل، وهو اقتراح لا يجد صدىً كبيرًا وقبولاً.

وتبقى المادة 226 من الدستور الحالي الفيصل في تفاقم الأوضاع أو هدوئها، فهي مادة "مفخخة" حقيقةً. فإن كان البعض يرى أنها تقيد تعديل المادة الخاصة بمدد الرئاسة، إلا أننا نرى أنه من حيث الصياغة اللغوية يجوز تعديلها حيث استخدمت الصياغة حرف "أو" الذي يفيد "التخيير والشك والإبهام" في "القاموس المحيط" بدلاً من "و"التي تفيد "العطف والجمع والإضافة"، وشتان الفارق بينهما!

  • ناشط حقوقي مصري يكتب في "اليوم الثالث"