تناولنا في مقالنا الأول كيفية نشأة المنظمات القبطية في بلاد المهجر، وسلّطنا الضوء على بعضٍ من روادها، ورصدنا أيضا بعض النشاطات والفعاليات المهمة التي قامت بها تلك المنظمات في خدمة القضية القبطية في البلد الأم. وفي هذا المقال سوف نتعرف عن كثبٍ على محاور عمل المنظمات القبطية ومدى تأثيرها، سلباً أو إيجاباً إزاء القضايا الملحة والمستجدات الآنية في المسألة القبطية.

 وقد طرح موقع "اليوم الثالث" تلك الأسئلة على رئيس منظمة "الأقباط الأحرار" الدكتور يعقوب قرياقوص والتي تأسست في مارس/آذار 2006، فكانت إجاباته في السطور التالية.

 

أسباب التراجع 

لقد تراجع الدور السياسي الذى كان يقوم به الأقباط فى بلاد المهجر، وأسباب هذا التراجع عدة أهمها رحيل قيادات الرعيل الأول من مؤسسي المنظمات القبطية والنشطاء، وقد تركوا منظماتهم بلا قيادة واعية تقود هذه المنظمات من بعدهم، وانتهى دور بعض هذه المنظمات بوفاة مؤسسيها، وتحولت منظمات أخرى إلى كيانات هلامية لا تقدم أي عمل جاد بعد أن سطت عليها مجموعات غوغائية لا تفقه أساسيات العمل السياسي ولا يوجد لديها أي مواهب تؤهلها للقيام بالتواصل مع صُناع القرار فى الدول الغربية، ويقتصر دورها و نشاطها حالياً على إقامة حفلات يحضرها قلة قليلة تُعد على أصابع اليد الواحدة عند قدوم بعض الشخصيات العامة أو السياسية من مصر، توددا أو نفاقا أو كليهما معاً.

وراى قرياقوص أن هذه المنظمات قامت على كاهل مؤسسيها فقط منذ نشأتها، وللأسف لم يعمل مؤسسوها على بناء هيكل تنظيمي جيد لكل منظمة يُتيح جذب عناصر جديدة قادرة على العمل العام ومسؤولة، ولم يبذلوا الكثير من الجهد لجذب الشباب القبطي في المهجر للعمل على استلام الراية من بعدهم.

نقيصة آخرى يراها " قرياقص" وهي أن العديد من القيادات والناشطين الأقباط لم يعملوا على نقل القضية القبطية من حيز الكلام مع أنفسهم أو على فضائياتهم و مواقعهم إلى مواقع التنفيذ، وغاب عنهم الدور الأساسي وهو التعريف بالقضية بلغات البلاد التي هاجروا اليها. حتى أنك لتجد أن الشباب القبطي المولود بالخارج يكاد لا يعرف أي شئ عن معاناة إخوتهم الأقباط في مصر.

 

واستطرد قائلاً إن غياب روح التعاون والجماعية في العمل بين تلك المنظمات أفقدها تأثيرها وبعضا من مصداقيتها. فكثير من المنظمات تبذل الكثير من جهدها فى الهجوم على منظمات قبطية أخرى بدلاً من التواصل معاً، كما أن بعض هذه المنظمات قائمة على مصالح شخصية يهدف أصحابها منها إلى التقرب إلى الحكومات فى مصر من أجل نيل بعض الامتيازات بدلاً من العمل بضمير أخلاقي ونظام مؤسسي وحقوقي منضبط. وأضاف: علينا أن لا ندفن رؤوسنا في الرمال كالنعام ونعترف بتلك النقائص علنا نجد لها حلولاً.

ولفت قرياقوص إلى نقطة آخرى وهي قلة الموارد والتمويل. فالأقباط لم يعتادوا على التبرع لمنظمات سياسية أو حقوقية، ومعظم تبرعاتهم إن لم يكن كلها تذهب إلى الكنائس و المؤسسات الدينية، وقال: "ستجد قلة قليلة جدًا هي من تؤمن بالدعم المالي للمنظمات القبطية حتى تستمر فى أداء رسالتها"، محذراً من أنه إن لم ينتبه الأقباط لذلك فسوف يفيقون يوماً على عدم وجود أي كيان تنظيمي داعم لهم دولياً ويتحدث باسمهم حقوقياً وسياسياً فى بلاد الغرب.


بين أقباط المهجر والداخل

إن تأثير أقباط المهجر على أقباط مصر أوضح أن أقباط الخارج هم الإمتداد الطبيعى لأقباط مصر في الداخل، ولهم تأثير داعم لأقباط مصر. والدعم الذي أتكلم عنه له شقان، الشق الأول له طابع خدمي/إنساني والثاني ذو طابع سياسي/حقوقي. أما عن الجانب الخدمي فإن أغلب الكنائس فى الخارج تخصص جزءا من التبرعات التي يحصلون عليها للإهتمام بالفقراء والمعوزين بمصر، كما أن هناك الكثير من الهيئات والمنظمات القبطية فى الخارج التي تقوم بنظير الدور الذي تقوم به الكنائس، حيث تقدم المساعدات للأيتام وللأسر الفقيرة في مصر بشكل مباشر لهم.

 أما عن الطابع الحقوقي/السياسي فأقباط الخارج هم صوت ولسان حال إخوانهم في الداخل في المحافل الدولية سياسيةً كانت أم حقوقيةً. فهم يشعرون بأوجاعهم ويتابعون ما يحدث لهم، و عليهم ان ينقلوا اهتمامهم بالقضية من مجرد التعبير عن المشاعر الى اتخاذ خطوات فاعلة للمساعدة فى رفع الإضطهاد والظلم والتمييز، ومن أجل الحصول على مواطنة كاملة غير منقوصة للأقباط فى مصر.

 

تداعيات التخوين

وعن تأثير تخوين أقباط المهجر من بعض الجهات الإعلامية فى مصر عليه باعتباره رئيس واحدة من المنظمات القبطية، قال قرياقوص إن هذا أمر اعتدنا عليه وألفناه من أبواق النظام الحاكم أي نظام منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى الآن، ولذلك لا يلتفت إليه أقباط المهجر ولا يعطونه أي أهمية، خصوصا أن الجميع يدرك أن الاقباط في الداخل والخارج هم أحد أهم ركائز استقرار مصر وحائط صد منيع يحامى دائماًعن تاريخ مصر ومستقبلها. أما عن الأصوات النشاز التي تتهجم على الأقباط فى بعض وسائل الإعلام فهى تتلقى الأوامر بالهجوم على الأقباط إن اتخذوا موقفاً لا يرضي عنه من يقوم بإعطاء التعليمات وكتابة المادة الإعلامية والتحريرية لهذا الأبواق.

 

لم ينشئوا لوبياً موحداً قوياً...

الباحث والكاتب المصري سليمان شفيق في حديث لـ "اليوم الثالث" يؤكد أن هناك  بالتأكيد جهد مبذول يُقدّر لأقباط المهجر وله تأثير على الداخل، وبلغ هذا الجهد ذروته في عصر الراحلين "شوقي كراس" في الولايات المتحدة الامريكية والقاضي الفاضل "سليم نجيب" والذَيْن لعبا أدوارا كبيرة منذ عهد الرئيس الراحل "أنور السادات".

ويشير إلى أنه تضاءل هذا الدور رويداً رويداً كلما ازدادت مساهمات أقباط الداخل في المجال العام والعمل السياسي بمصر، خاصة بعد ثورة 25 يناير، وظهور جيل شباب ماسبيرو، ومن بعد نشاط الأقباط المكثف ضد تنظيم "الإخوان المسلمين" والمشاركة الفعالة في ثورة 30 يونيو التي أطاحت بنظام حكم "الأخوان المسلمين". ومن ثَمَّ كانت قاعدة النشاط القبطي في الخارج حتى 2010 وبدايات انتفاضة العمرانية، وصولا الى تفجيرات كنيسة القديسين وثورة 25 يناير حتى أصبحت قاعدة النضال القبطي في الداخل المصري، بل وافتتح بعض نشطاء المهجر مراكز في مصر وأحزابا سياسية أيضا مثل "حزب الحياة" الذي أسسه "مايكل منير" المحسوب على أقباط المهجر.

 

ويستطرد "شفيق" بالإشارة إلى انحصار نضال أقباط المهجر في المساهمات الخدمية، ومحاولة التأثير من خلال المنظمات الدولية، إلا أن أغلب منظمات المهجر الآن ليس لهت تأثير داخل الدول لأن الأقباط لم يستطيعوا أن يشكلوا لوبي قبطي قوي بأجندة قوية موحدة وجامعة مثل غيرهم من الأقليات في الدول الغربية. ويتأسف "شفيق" لكون أقباط المهجر جالية قبطية كبيرة في الولايات المتحدة، ومن بينهم علماء ومهنيون عظام ولكن من يشارك منهم بالنشاط السياسي والحزبي عدد قليل وليس له فاعلية أو تأثير على الأرض. بل أن منهم مَنْ يساهم بشكل سلبي في القضية القبطية عن طريق إهانة رموز الكنيسة من الإكليروس –وهو لا يجد صدىً عند عموم الأقباط- وهو أشبة بجنون العظمة والاستعلاء، ويشير إلى أنه لا ينكر المساهمات المادية لأقباط مصر من دون ضجيج أو افتعال أزمات.

 وعن بدايات هجرة الأقباط يقول: لقد بدأت الهجرة للولايات المتحدة منذ ستينيات القرن الماضي ولم نحظ بأي تأثير يذكر لهم على الصعيد السياسي، مشيراً إلى فوز امرآة صومالية في انتخابات الكونغرس. 

 

وفي نهاية هذا العرض يمكن الإستخلاص إن كان هناك دورٌ للمنظمات القبطية في المهجر وإن كانت في تنامٍ وتطورٍ أم في تكلّس، شريطةً ألا تتماهى مع على الصورة النمطية المشوهة التي يدبجها الإعلام المصري في كل تناول إعلامي يخص أقباط المهجر. وهذا العمى الإعلامي الذي قد يراهم مارقين وخونة لمجرد التداخل في شأن قضايا بلدهم وبني جلدتهم أو طرح وجهة نظرهم في محافل دولية تعترف بها الحكومة المصرية، أو على أقل تقديرٍ، يشكك في نزاهتهم أو يقلل من وطنيتهم –بمنظورهم الخاص- طالما لم يصطفوا في طابور الولاء التام للخط الذي يرسمه فقط النظام الحاكم.

  • ناشط حقوقي مصري يراسل "اليوم الثالث"