وصل اللاجئون السوريون إلى اوروبا متجاوزين خطر البحر وصعوبة التنقل بين الحدود، بعضهم بنى حلمه في مسكنه الجديد، وآخرون تركوا حلمهم متعلق بالعودة إلى بلدهم، وفي كلتي الحالتين تبدو أفق عودتهم بكرامتهم ضيقة لأسباب مختلفة، لتبقى شعارات دعم عودة المسيحيين السوريين مجرد أوراق خاسرة في لعبة الأمم.

 

دور الكنائس في اوروبا

أرقام اللاجئين السوريين في اوروبا الصادرة عن الحكومات والمنظمات الدولية لا تشكل معيارًا ثابتًا بسبب السياسة المتناقضة فيما بينها. نعمان طرشة الصحفي والباحث في الشؤون الاوروبية والهجرة المقيم في ايطاليا، يؤكد أنه لا يوجد إحصائيات محددة، ويوضح لموقع "اليوم الثالث" أن السوريين وصلوا بطرق مختلفة إلى اوروبا، عبر التهريب أو تواجد اقارب لهم، والشباب قاموا بإجراءات لم الشمل لإحضاء عائلاتهم، والهجرة الكنسية المنظمة قليلة جدا لبعض الحالات فقط، فالاحصائيات غير موجودة لان اللجوء غير منظم. ويشير إلى أن المسيحيين "بشكل عام لم يكن لديهم مشكلة بالاندماج، فقد دخلوا ضمن المجتمعات مشكلين بعض المجموعات الصغيرة، ولعدم ارتباطهم بالكنائس الشرقية، بسبب ضعف تواجدها في اوروبا مقارنة مع الكنيسة الغربية، أدى الى عدم التواصل معهم بشكل مستمر". وقال "كان هناك محاولة مع المسؤولين في ايطاليا لمحاولة معرفة عدد اللاجئين السوريين من المسيحين ولكن نتيجة اختلاف التعامل معهم نتيجة السياسة، أفشل المحاولة".

 

استقبلت الكنائس في اوروبا اللاجئين عبر المنظمات الخيرية مثل كاريتاس، ودورها تمثل في تقديم التسهيلات وتأمين الرعاية لهم في حالات معينة. ويعتبر الصحفي السوري أن دور الكنائس الشرقية في اوروبا أضعف بسبب قلة عددهم وعدم توفر الامكانيات المادية للجميع، ويقول " الكنائس الشرقية في ايطاليا تعتبر من أغنى الكنائس، ولكنها لا تملك الخطة أوربما الرغبة في تقديم المساعدة لهم ". ويضيف طرشة أن هناك "توجهاً نظرياً لدعم عودة المسيحين إلى بلادهم لكنه نظري فقط، بعض الدول تحاول إقناع اللاجئين بالعودة الطوعية إلى سورية، لكن الدول نفسها تفرض عقوبات اقتصادية وحصار على الدولة السورية، هناك تناقض اوروبي مخزي، فمن ناحية تتباكى على السوريين، ومن ناحية لا تريد مساعدتهم في بناء منازلهم، هذا ينطبق على الكنائس، تعلن أنها تريد بقاء المسيحيين في بلادهم ولكن هناك لامبالاة في التعاطي الفعلي معهم".

 

دعم العودة مجرد وهم

مع هجرة السوريين من بلدهم كان السؤال الأساسي، هل سيعودون يوماً؟

الأجوبة تختلف بحسب الحالات الفردية والعائلية، وخاصة بملاحظة من باع منزله أو من احتفظ به ليضمن مكاناً لعودته يوماً ومن يشتري الآن، لكن على مستوى الدول الامر مختلف.

والمنظمات التي تنظم مؤتمرات لدعم اللاجئين السوريين تتماهى مع دولها في عدم رغبة بعودتهم، فلا تَرفع صوتها بضرورة رفع العقوبات الاقتصادية عن الشعب السوري، التي تشكل الاساس في تسهيل عودتهم، فالامر مرتبط بالافق الاقتصادي وتأمين متطلبات العيش لأولادهم، وعدم توفرها يجعل الامل أصعب".

"الجميع يريدون يريد أن يشحذوا من خلال استغلال السوريين" يقول الصحفي طرشة. ويلفت إلى أن "حتى بعض المسؤولين في الكنائس الشرقية، يأتون الى اوروبا لإقامة مؤتمرات وندوات لجمع التبرعات لدعم الوجود المسيحي، ولكنه يبقى نظرياً، فكيف سأدعم المسيحيين في الشرق الاوسط ولا أستطيع توفير عمل ومسكن لهم. هناك بعض الجمعيات المسيحية في سوريا قامت بخطوة غريبة بإعادة سحب البيوت التي كانت اعطتها لهم، وهذه العائلات انتقلت الى اوروبا، حين تسحب منهم بيوتهم لربما لن يفكروا بالعودة ابداً". ويضيف: "أحد المطارنة السوريين قام بزيارة لبلدة صغيرة في ايطاليا، ليقيم قداساً ومحاضرة ولجمع التبرعات ولكنه في نفس الوقت لم يكن لديه الوقت للقاء عائلة سورية مسيحية ترغب في السلام عليه فقط!".

 

الاتحاد الاوروبي ومشكلة اللجوء

هناك سياساات ومصالح متناقضة وتهرب من المسؤولية، بعض دول اوروبا الشمالية تحاول ايقاف النزف البشري نحوها، اللاجئين لديهم تصور أن الوضع الاقتصادي في دول الشمال أفضل، وهناك محاولة للوصول إلى الشمال ولكن أبواب اوروبا هي في الجنوب، الدول الجنوبية هي دول الوصول، هذا التتناقض في السياسات ومحاولة أعادتهم الى دول الوصول بحسب اتفاقية "دبلن"، التي تجبر الدول التي يصل اليها اللاجئ باستضافته. فليس هناك قانون موحد، بعض الدول تقدم مساعدات وبعضها الاخر يدعم مالياً الجمعيات التي تستقبلهم، بعض الدول لديها مساحات كبيرة مثل ألمانيا تقدم لهم البيوت واماكن الاستقبال، ليجد نفسه في الغابة بعيداً عن الحياة الإجتماعية، في المقابل هناك مشكلة في روما لعدم توافر بيوت يمكن ان تقدمها الحكومة لهم نظراً للعدد الكبير من اللاجئين من كل أنحاء العالم.

 

موقف الفاتيكان

عن سياسة الفاتيكان اعتبر طرشة أنها متناقضة، تلعب على الحياد لوجود بعض التوجهات داخل الصرح البابوي المناهضة للحكومة السورية، وتحاول ان تبقي الموضوع من ناحية انسانية فقط. ويقول: "كيف يمكن ان أدعم المسيحين وفي الوقت نفسه أدعم عدم الاستقرار، بعض المنظمات يقدم مساعدات للمسيحيين، ولكنها معروفة بتوجهاتها ضد الدولة السورية، وليس هناك بديل هي منظمات خيرية ظاهرًا سياسية داخليًا، ليس هناك اي تسهيلات فعلية، فالتعاطف بالكلام، يتحدثون عن المعانات الانسانية ولا حلول، حتى الدور الديبلوماسي كان متناقض، ربما بسبب بعد رؤساء الكنيسة الشرقية عن ايصال صوتهم بشكل واضح للفاتيكان وخاصة في البداية، وحتى السفير البابوي كان يتحدث في شكل في سوريا ويأتي الى ايطاليا ليقول كلاماً آخر. وفي الخلاصة إن العمل على عودة اللاجئين صعب للفاتيكان لان ليس لديه أي سلطة عليهم وارتباط معهم".

 

قدرة الاندماج في المجتمعات

يعتبر الصحفي طرشة أن اللاجئين السوريين عامة لديهم القدرة على التأقلم والمسيحيون يمتلكون إمكانية في بعض المبادئ والتعامل يسهل الاندماج بشكل أسرع قليلاً، وخاصة مع تحديات موجة التطرف المتصاعدة ضد الاجانب. ويوضح  أن "هناك عائلات وصلت الى مركز الشرطة لتقديم الاوراق لم يصدقوا بأنهم سوريين، لديهم صورة مختلفة عنهم من ناحية الشكل وأسلوب تعاملهم، كان هناك مشكلة في ايجاد البيوت يكفي أن تتصل لاستئجار منزل حتى يُغلَق الهاتف لانك سوري". ويكمل: "هناك نواحي ايجابية لعائلات اندمجت بسرعة واطفالها تعلموا اللغة، من تكبد عناء السفر هاربًا من الاحداث قد لا يفكر بالعودة ابداً. مجتمعات منغلقة أو منفتحة، تبقى الاوضاع الاقتصادية الاوروبية هي الاساس". مع عدم وجود مرجعية واضحة مثل السفارة السورية أو غياب دور الكنائس واقتصاره على قداس اللغة العربية فقط، هناك محاولة لانشاء شبكة تواصل بين السوريين كافة، لخلق نوع من العائلة، كإنشاء مشروع "البيت السوري".

 

ما أُنفق من مساعدات دولية لدعم اللاجئين السوريين، يكفي لحاجتهم وتثبيت وجودهم، ولكنه لا يكفي لطمع السياسات الدولية، فمن يتحمل مسؤولية وقف النزف وفتح سبل العودة، الشعوب العربية وحكوماتها؟ مواقف الدولية والإقليمية، أم أن موضوع الهجرة مكاسبه المادية أهم من خسائره الوجودية؟

  • صحافي سوري يراسل "اليوم الثالث"