يفتح "اليوم الثالث" ملف أقباط المهجر لجهة تاريخ هجرتهم أسبابها وتوجهاتهم السياسية، لما لهم من دور في التعبير عن الهواجس القبطية، بغض النظر عن الموقف تجاه هذه الآراء.

 

شرع الأقباط بالهجرة تدريجياً من مصر منذ الخمسينيات وبداية الستينات عندما أدت خطوات النظام الناصري إلى تطورات جديدة ألقت بظلالها على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمصريين، والتي دفعت فئات عديدة منهم للهجرة الدائمة إلى أميركا وأوروبا بحثًا عن ظروف علمية ومالية أفضل من تلك السائدة في مصر، صاحبها موجات من الهجرة القبطية إلى الخارج وتحديدًا إلى أميركا وكندا وأستراليا, وكانت الموجة الأولى عقب قانون الإصلاح الزراعي سنة 1952، أما الموجة الثانية فكانت بعد "تمصير" الشركات الأجنبية سنة 1957، والموجة الثالثة عقب قوانين التأميم سنة 1961، والذي كان سببًا رئيسيا لهجرة نسبة كبيرة من الأقباط وجميع الأقليات الأخرى.

 

 

رفع الظلم الواقع على الأقباط في مصر

ففي أمريكا كانت باكورة الهيئات "الهيئة القبطية الأمريكية"، التي أسسها ورأسها الدكتور "شوقي فلتاؤس كاراس"، أستاذ الرياضيات في جامعة جنوب ولاية كونيتيكت عام 1972، بمساعدة "حكيم سرجيوس" عضو جمعية الأمة القبطية، وذلك سيرًا على خطى الأنبا صموئيل ممثل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مجلس الكنائس العالمي في عهد البابا كيرلس، والذي أنشأ الجمعية القبطية للأقباط بأمريكا وكان سكرتير هذه الجمعية شوقي كاراس، وكان مقر اجتماعاتهم في روكفلر تاور بمنهاتن نيويورك.

 

 وقد حددت الهيئة القبطية أهدافها على النحو التالي: خلق مجتمع قبطي دولي متحد، والمساهمة في دعم كيان الأقباط في مصر، والمطالبة برفع الظلم الواقع على الأقباط في مصر، وإشعار المجتمع الدولي بقيمة الفكر القبطي. كان الدكتور شوقي كاراس يدور على رجال الكونغرس وجمعيات حقوق الإنسان ليجمع توقيعات عديدة لمناشدة الحكومة المصرية لإطلاق سراح البابا شنودة، إبان التحفظ عليه فى دير الأنبا بيشوى في وادي النطرون في أيلول/سبتمبر عام 1981، وألّف كتاب "الأقباط منذ الغزو العربي، غرباء في وطنهم"، وتوفي عام 2004.

 أبرز المنظمات القبطية في الولايات المتحدة

 بعد "الهيئة القبطية"، ظهرت للنور منظمات أخرى مارس الأقباط من خلالها التأثير السياسي والحقوقي، مثل "الاتحاد المسيحي العالمي" الذي أنشأه الدكتور "منير داوود"، الذي انضم من قبل إلى الهيئة القبطية في 1994، ومثل "التجمع القبطي الأمريكي" الذي أنشأه المهندس "كميل حليم"، الذي هاجر إلى أمريكا عام 1968، هربًا من القوانين الاشتراكية التي أقرها عبد الناصر، ومثل "الجمعية الوطنية القبطية بالولايات المتحدة" التي ترأسها الناشط المعروف "موريس صادق" منذ عام 2001، ومثل منظمة "الاتحاد القبطي الأمريكي" ذات المطالب المتطرفة التي أسسها المحامي "رفيق إسكندر"، ومثل "منظمة الأصوات القبطية الأمريكية" بولاية نيوجيرسي بأمريكا، العاملة على إحياء العمل القبطي في الـساحل الشرقى East Coast. وقد أعلنت أن هدفها استرداد "الحق المسلوب للشعب القبطي"، وشدد أعضاؤها على أنهم سوف يسلكون كل الطرق والدروب المؤدية لعودة هذه الحقوق كاملة.

 

وتأتي منظمة "أقباط الولايات المتحدة" في واشنطن على رأس الهيئات القبطية في أميركا، من خلال عملها الدائم على تنسيق المواقف بين أقباط الداخل والخارج في طرح قضايا الأقباط في المحافل الدولية، من دون الاعتماد فقط على المنظمات القبطية في تدويل الملف، وقد أسسها المهندس "مايكل منير"، الذي رشحه الحزب الجمهوري الأمريكي عضوًا في الكونغرس عن ولاية فيرجينيا، ويتمتع بعلاقات ممتازة مع الكنيسة المصرية ومعظم الأساقفة، وعاد منير بعد ثورة 25 يناير إلى مصر ليؤسس ويرأس حزب "الحياة" الذي يوصف بأنه حزب سياسي ليبرالي.

ومنظمة "التضامن القبطي"، بحسب الموقع الإلكتروني الخاص بها هي "منظمة تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها، وتدعو إلى المواطنة المتساوية للأقباط في مصر والأقليات في الشرق الأوسط". يرأسها "مجدي خليل" وهو محلل سياسي مصري مقيم في الولايات المتحدة منذ منتصف التسعينات، ومدير "منتدى الشرق الأوسط للحريات"، ويكتب مقالات في مواقع إلكترونية عدة ، وقد وُجه له انتقادات كثيرة في الفترة الأخيرة.

 

المنظمات القبطية الفاعلة خارج الولايات المتحدة

لا يقتصر التواجد القبطي المؤثر سياسياً وحقوقياً على المهجر الأمريكي فقط، وإنما يمتد خارجه إلى كندا وأوروبا واستراليا، وإن كان بمستويات أقل كثافة بشكل واضح. وقد تزايد عدد وانتشار هذه المنظمات بشكل ملحوظ سواء في أوروبا أو أستراليا، وتنامى نشاطها عبر تنظيم المؤتمرات وتدشين مواقع الإنترنت والمراكز الإعلامية الدولية بغرض عرض مطالب وقضايا الأقباط في مصر، ومطالبة الحكومات الغربية بممارسة الضغوط على الدولة المصرية لحل مشاكل الأقباط المتراكمة .

 

ففي سويسرا، يبرز بقوة اسم "عدلي أبادير"، المعروف بكبير أقباط المهجر، وبالأب الروحي لهم وذلك بعد هجرته من مصر إلى سويسرا للعلاج حيث أصيب بالشلل، واستقر هناك. وتزعّم أبادير "التنظيم الدولي للمنظمات القبطية في الخارج"، كما أسس موقع "الأقباط متحدون" بمشاركة عدة منظمات أمريكية وأوروبية "فريدم هاوس، وكريستيان سولدرتي، ويو إس كوبتس، وميد إيست فريدم ووتش".

كما قام بتنظيم وتمويل ثلاثة مؤتمرات حول حقوق ومشكلات الأقباط في مصر، كان المؤتمر الأول في زيوريخ في 25 سبتمبر/أيلول عام 2004، تحت رعاية المنظمة الفيدرالية المسيحية الدولية لمناقشة مشاكل الأقباط المصريين، والثاني في واشنطن في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2005، تحت شعار "مسلمون ومسيحيون من أجل الديمقراطية وحقوق المواطنة في مصر"، بينما عقد المؤتمر الثالث في مدينة زيورخ بسويسرا في مارس/آذار 2012، بعنوان "الأقليات في الشرق الأوسط". وتوفي أبادير في أوائل 2010، تاركًا إرثًا ممثلاً في مشاركته في رعاية موسوعات الأقباط الصادرة بالعربية والإنجليزية في 12 جزءًا، وفي امتداد عمل موقع "الأقباط متحدون".

 

 وفي كندا تأتي منظمة "مسيحيي الشرق الأوسط" التي يرأسها نادر فوزي، وتعلن أن هدفها الأساسي هو حصول مسيحيي الشرق الأوسط على حقوقهم. وقامت المنظمة بتنظيم مؤتمر المساواة بكندا في يوليو/تموز 2004، ثم إصدار كتاب "المضطهدون" باللغة العربية والإنكليزية.

وتضم القائمة منظمات وهيئات أخرى أصغر في الحجم والتأثير، إلا أنّ لها حضورًا متكررًا، منها منظمة "الأقباط الأحرار" ويرأسها الدكتور يعقوب قرياقوص وتأسست في مارس/آذار 2006، ومنها "الهيئة القبطية الأوروبية" ويرأسها "ناجي عوض"، و"الهيئة القبطية الأسترالية" التي أسسها "صموئيل فاهد"، ومنظمة "أقباط متحدون - إنجلترا" ويرأسها الدكتور"إبراهيم حبيب" وتأسست في يناير/كانون الثاني 2006م، و"اتحاد المنظمات القبطية فى أوروبا" الذي يرأسه "مدحت قلادة" الذي يعرف نفسه بتلميذ "عدلي أبادير" وكلها منظمات تعرض قضايا الأقباط في مصر سياسيًا وحقوقيًا باعتبارهم أقلية مضطهدة.

 

 الكنيسة وأقباط المهجر

 

على الرغم من استنكار وتبرؤ الكنيسة الدائم من أفعال بعض "أقباط المهجر"، واتهامهم لها بالتخاذل تجاه الحوادث الطائفية، إلا أنهم اقترنوا كمصدر للتبرعات التي تستند عليها مشروعات الكنيسة، والتي من شأنها دعم الاقتصاد المصري من خلال إنشاء المدارس والمستشفيات، إلى جانب المزارع والمشروعات الصغيرة في الأديرة، كما أن الكنيسة تبرعت بمليون جنيه لمشروع قناة السويس الجديدة، وفتحت حسابات للتبرع لـ"صندوق تحيا مصر"، إلى جانب مشروعات في دول عدة أبرزها أمريكا واستراليا.

 

في الجزء الثاني سوف نناقش فيه الوضع الراهن وردود أفعال مؤسسات الدولة المصرية لنشاطات وفعاليات أقباط المهجر، وكيف يرى أقباط الداخل أقباط المهجر وماذا ينتظرون منهم إزاء قضاياهم المتراكمة!

  • ناشط حقوقي مصري يكتب في "اليوم الثالث"