مُحتدم هو النقاش اليوم داخل النخبة المسيحيَّة حول دور المسيحيّين، ومستقبل العيش مع المسلمين في هذه المنطقة عامّة وفي لبنان خاصّة.

 

أسئلة التعايش

يجب ألا نخفي بعد اليوم تنامي تيّار داخل هذه النخبة يعاني بحسرة من خيبة الأمل جرّاء تجربة التعايش – الفاشلة والمؤلمة برأيه – مع الشريك المسلم، أكان في لبنان أم في المحيط العربي-الإسلامي. ينظرون إلى حالهم في المشرق ويقولون: لقد انتهينا، لقد "أصبحنا نوستالجيا". تشاؤمهم يطغى على نظرتهم لمستقبل العلاقة بين المسيحيين والمسلمين، يتساءلون: كيف يمكن العيش مع مسلم يرفض فكرة المساواة والأخوة انطلاقًا من عقيدة تقول أنه "خير أمّة أخرجت للناس"؟ كيف يمكن العيش مع هذا المسلم الذي يرفض أيّ تجديد وتطوير في فكره ونمط عيشه ومنظومته الثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية، مُغلقًا كل أبواب الاجتهاد؟ إصلاحه إنّما هو عودة إلى الأصول، وسماحته ليست إلا تشدّدًا يتراوح بين نار ولاية الفقيه بنسختها الخمينية الشيعية وخط إخواني سلفي جهادي يبدأ مع أبو الأعلى المودودي وينتهي عند القرضاوي مرورًا بحسن البنا وسيد قطب، ناهيك عن "إصلاح" محمد عبد الوهاب في شبه الجزيرة العربية؟

يقولون إنّ لا إمكانية لتجاوز "الهويّات العميقة" في منطقتنا. والهويّة العميقة بتعريفهم هي الانتماء والهوية الدينيّين. فإمَّا أنْ نكون ذميّين صاغرين، وإمَّا أنْ نقبل بواقع أنَّ الديناميَّة السياسيَّة هي صراع بين الطوائف الدينيَّة ولا سيّما بين المسيحيَّة والإسلام. وفي هذا الصراع على المسيحيّين أنْ يجدوا النظام السياسي الذي يؤمّن لهم الاستقرار وديمومة البقاء والوجود والاستمراريّة والدور: إنَّه النظام الفدرالي. وإذا استطاعوا رفد هذا العامل الداخلي بدعم خارجي فهذا أمر مطلوب ومرتجى. وإنْ لم تكن فدراليَّة فلتكن لامركزيَّة موسَّعة جدًا جدًا جدًا جدًا.... لامركزيَّة تكون الإطار للحفاظ على العامل العقاري وبالتالي الجغرافي للوجود المسيحي، وتكون أيضًا إطارًا للحفاظ على العامل الديمغرافي داخل هذا الإطار الجغرافي ذات الغالبيَّة المسيحيَّة، بدون أي تهديد بموجات ديمغرافيَّة (سببها التوالد او اللجوء أو غيره).

بعض آخر من المنتمين إلى هذا التيار داخل النخبة المسيحيّة يقول بضرورة الاقتناع بأنَّ الوجود لا يحفظه إلا هذا الاستعداد للدفاع عن الذات والقيم والتراث والتاريخ إذا ما اقتضى الامر ذلك. وهذا الاستعداد هو لازم في معادلة التوازن الداخلي في لبنان. ولا يعزّز الوجود المسيحي إلا الوجود في السلطة ولعب الدور الكامل في صناعة القرار اللبناني. ومن هنا يدعو هذا البعض لمشروع قائم على الحضور الدائم في السلطة من خلال توزيع الادوار بين الكنيسة والاحزاب والمجتمع المسيحي.

 

البعد الحضاري والدور النهضوي المطلوب

هنا يبرز خطاب التيار ذات التوجه العلماني عند المسيحيين، وهو خطاب لا يكتفي بالسلطة كغاية للدور المسيحي، بل يبدأ من البعد الحضاري لهذا الدور وصولًا إلى تجلّي هذا البُعد الحضاري في التطبيق السياسي. يقول ممثّلو هذا التيار إنّ المسيحيين غالبًا ما اختاروا أنْ يكونوا بين حضارتين: حضارة العرب، وحضارة الغرب. وهذا الخيار بالذات هو الذي دفع بهم للعب دور لافت في تاريخ المنطقة وتاريخ الحضارة الإنسانية أقله منذ القرن السادس عشر وصولًا للنهضة العربية. بالنسبة لهؤلاء، المسيحيّون يجب أن يكونوا على قناعة أنهم لا يريدون العيش إلّا مع المسلمين. هم لا يريدون أنْ يصيروا "إسرائيل ثانية"، ولا يحلمون ببناء الجدارات العالية والأسوار مع محيطهم الذي لطالما تفاعلوا معه. هم يريدون العيش هنا، في هذا المشرق، ليس كذميين طبعًا، ولكن ليس كأعداء للمسلمين أيضًا. هم أبناء هذه الأرض، ويريدون العيش عليها مع الآخر الذي هو المسلم. ولكنهم يدركون أنّ هذا العيش يكون صعبًا احيانًا إنْ لم يكن على أساس الحداثة والحرية والاعتراف المتبادل والمساواة والمواطنيَّة والعلمانيَّة. نعم، هم يدركون أنّ لا أمل بالعيش الكريم هنا مع المسلم إذا ما بقيت المنظمومة الإسلاميَّة على حالها، منظومة قرن-وسطوية أصوليَّة غير قادرة على الإقرار بمبادئ تُعدُّ بديهية في أيامنا من مثل: الحريات الفردية والعامة، والمساواة، والمواطنية، وإعادة التفكير بعلاقة الدين بالدولة، وفصل الفقه والشرع الإسلامي عن التشريع المدني. نعم، يقولونها: نريد أنْ نعيش معًا والمسلمين على قاعدة حوار خلاق دائم يأخذنا إلى الحداثة والدولة المعاصرة العلمانيَّة. حوار يطرح كلّ إشكاليات اليوم لنخرج منها بتصورات مشتركة نبني عليها نموذجنا الجديد. يعلنونها جهارًا: نعم نريد المساهمة في تغيير العقليَّة الإسلاميَّة، ونحن نعرف أن هذا التغيير في عقليَّة المسلمين سيكون أيضًا تغييرًا في عقليتنا كمسيحيين. يتساءلون: هل نحن أقل جرأة من انطون فرح، والمعلم بطرس البستاني وامين الريحاني وشبلي الشميّل وجرجي زيدان؟ لماذا لا نجرؤ على لعب "الدور القاطر" باتجاه الدولة العلمانية الضامنة للحريات وللتعددية. لماذا لا "نلتقط روح الزمن"، فنوازن بين الدور الحضاري والدور السياسي، فنصنع والمسلمين علمانية من عندنا مشرقية، وننقل درس هذه التجربة إلى الغرب بكل إيجابياتنا وسلبياتها؟ لماذا لا نجرؤ على خلق هذا الفضاء الحرّ بحيث يعبّر المسلمون المتنوّرون والليبراليّون والحداثيّون والمجدّدون عن وجه إسلام اليوم القابل للحياة والمتوافق وحاجات إنسان اليوم؟

أسئلة كثيرة، بما تحمله من تعبيرات عن خيبات وآمال.

ولكن يبقى السؤال هنا: ما هو ردّ المسلمين على هذه التساؤلات بخيباتها وآمالها؟

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ والفكر الإسلامي