على الرغم من سلسلة التحديات التي تعرَّض لها مسيحيو لبنان على مرّ التاريخ، وما تسببته من هجرات قسرية في تاريخهم الحديث، وتراجع أرقامهم الديموغرافية، لا يزال هؤلاء يتمسكون بالكيان اللبناني، لا بل يفرض عليهم هذا التمسُّك تقوية مواقعهم وأدوارهم السياسية والإجتماعية، يرفضون أن ينتزع منهم الآخر صلاحياتهم، رغم تراجع حضورهم البارز والقوي، ذلك الحضور الذي كرّسه الدستور قبل الطائف، ورغم أن هذا الآخر، يشكِّل قوة عددية، ويرتبط على الأقل بقوة إقليمية تدعم حضوره.

بمعنى آخر، على الرغم من استمرارهم في بقعةٍ يهددها الإسلام الراديكالي من جهة، والنمو العددي للإسلام المعتدل من جهة أخرى، وتراجع أعداد المسيحيين في الدول المحيطة وتهميش موقع ودور من تبقّى منهم بشكل لا يمكن موازاته مع ما يتمتع به مسيحيو لبنان، وهاجسهم بما يسمّى بـ "الحتمية الجغرافية"... الخ، إلّا أنهم يستمرون بالمطالبة بحقوقهم، واسترداد مواقعهم وأدوارهم التي هُمشت بالممارسة منذ الطائف حتى اليوم.

عليه، تُطرح الإشكالية التالية: ما هي الدوافع التي تُحتّم على المسيحي اللبناني التمسّك بأرضه، بحيث أن بين هذا التمسّك وفرض حضوره السيادي علاقة جدلية لا إنفصام فيها؟

 

ظاهرة تمسُّك المسيحيين بالكيان اللبناني، بما تتطلبه من مواقع وأدوار سياسية وإجتماعية، تنبّه لها أدريان جولمس مؤخراً، كبير محرري مجلة لوفيغارو الفرنسية، حين كتب: "لبنان آخر معقل لمسيحيي المشرق العربي، ففي هذا البلد الصغير وحده، يتمسّك المسيحيون بأرضهم وبإيمانهم بكنيستهم بقوة وحرية، حتى الآن". وأردف عن لسان الأب الماروني راي جبر معوض، يقول: "إستقر الموارنة في منطقة جبل لبنان، وكان لهم الحق في حمل الأسلحة وركوب الخيل، ونالوا بالتدريج استقلالهم، حتى أنشأوا نواةً لدولةٍ أصبحت حقيقة واقعة عند إنشاء لبنان الكبير في العام 1920. إنها ظاهرة فريدة من نوعها تشرح الإستثناء المسيحي الذي لا يزال في لبنان، وعلى الرغم من التمدّد الديمغرافي والسياسي للمسلمين ؛ فشرائعهم الدينية لا تزال مزدهرة، وشكّلوا طبقةً وسطى مثقفة ساعدت على بناء هذا البلد".

هذا التعنُّد وتلك الصلابة والقوة في الإرادة والتحدّي التي يتمتع بها المسيحيون والتي شكلت علاقة عقدية بالكيان، يمكن إيحالها إلى المعايير التالية:

العامل الجغرافي- البشري: يقارب الباحث الجغرافي البروفسور علي أبو فاعور هذه الظاهرة من منطلق جغرافي – بشري، مستهلاً قوله: " لا أحد يمكن إنكار ما فعله المسيحيون تجاه لبنان. إذ يعود لهم الفضل في إنشاء الكيان اللبناني، وبالتالي هم من دافعوا عن هذا الكيان وإستمراريته "، مضيفاً: " ثمة حقيقة أصبحت ثابتة، وهي أن المسيحيين وتحديداً الموارنة، إستمدوا مفهوم القوة في الشخصية والممارسة من أرض ومناخ وتربة الجبل وصخوره. ولعلّ هذه الموهبة الطبيعية، هي سرّ بقاء لبنان وعناد المسيحيين للمحافظة عليه ".

اكتسب المسيحيون الإرادة والصلابة والعزم من صلب جغرافيتهم، حيث الجبل معقلهم الأساسي، وطوعوا طبيعته القاسية وصخوره الصلبة إلى معيشة هانئة حرّة، حتى تصدّوا لكل مخطط هدّد كيانهم ووجودهم، ليعبّر عن هذه الجدلية أيضاً، البروفسور في العلوم السياسية، وليد فارس، قائلاً: " فالذين لجأوا إلى الجبال هم أحرار الشرق المسيحي، وقدومهم إلى لبنان وإستيطانهم فيه، هو قرار تاريخي هام، لا يستطيع إتخاذه إلا خيرة القوم. لأن وراء تفضيل الوديان والصخور على المدن والسهول والرخاء، إرادة لا تقهر في الإستمرار في الحياة الحرة ".

 

العامل الإجتماعي – السياسي: حطّت الطائفة المارونية رحالها في الجبل هرباً من اليعاقبة، خوفاً من الذوبان في الأكثرية المغايرة، وصوناً لكرامتها ولحرية معتقدها، فشكلت مجتمعاً متماسكاً يغلب عليه طابع الممانعة ورفض كل سلطة إستيعابية أو تذويبية. فالشعور الأقلوي لديهم في المحيط العربي، والإضطهادات التي مورِست بحقهم، جعلتهم يرون في الكيان الذي أنشؤوه جزءاً منهم وهم جزءٌ منه، وعزّزت لديهم التمسّك بالسلطة. بمعنى آخر، الموارنة ليسوا وحدهم لصيقين بهذا الكيان، إنما الموارنة كانوا صمّام أمان وواجهة رجاء للمسيحيين العرب، وجعلوا الكيان اللبناني فريداً في العالم العربي. ولا بدّ من الإشارة ضمن هذا السياق إلى قيمة الحرية التي تميّز بها مسيحيو لبنان منذ القِدم، خاصة موارنة الجبل، إنعكست على طبيعة سياستهم وممارسة سلطتهم، حتى قال فيليب حتّي عن أهل الجبل: " لذا تجدهم أهل عزمٍ وثبات وٕإقدام، يغالون بالإستقلال ويستميتون في سبيل الحرّية ".

 

يُلخِّص الكاتب نسيب سعد المقاربة تلك، حين ورد في مؤلفه "لبنان في التاريخ – حكاية شعب" التالي: " كان اللبنانيون عامة والموارنة خاصة، قد مرّوا بتجارب عديدة إكتسبوا منها نضجاً في خيارهم القومي والسياسي، ورؤية واضحة في تحديد أهدافهم ومراميهم. فكان قدرهم منذ القرون الوسطى حتى عهد الإمارة، المحافظة على الإستقلال الذاتي ضمن حدود وطن آمن وضامن لحرياتهم الشخصية والدينية، لا وطن يرزح تحت وطأة إحتلالات متسلطة ومغايرة لهم في نظرتهم الدينية ونظامهم السياسي والاجتماعي ".

 

ضف الى ذلك قدسية الأرض في القاموس المسيحي اللبناني، وما أنتجه جبل لبنان من قديسين، أمثال القديسة رفقا، والقديس شربل الذي ذاع صيت أعاجيبه في العالم أجمع، وغيرهم آخرون. بما معناه، لا يمكن تصوير لبنان الكيان واستمراريته دون التواجد المسيحي، بعد أن أضحى هذا الرابط واحداً من المسلمات، لا يقهر سوى بقدرة إلهية.

 

المًكوِّن الإسلامي: "مسيحيو لبنان والوطن العربي هم ملح لبنان والعرب "، هو توصيف أتى على لسان مفتي الجمهورية اللبنانية عبد اللطيف دريان. وجاء على ذكر الرئيس حسين الحسيني (رئيس مجلس النواب اللبناني سابقاً): "الحق المسيحي هو جزءٌ من الحق الإسلامي، والحق الإسلامي المسيحي جزءٌ من الحق اللبناني، والحق اللبناني جزءٌ من الحق العربي، وهذا ما كان أن يَظهر لولا تمسُّك الموارنة بهذا الكيان".

 

الإعتراف الإسلامي بالدور المسيحي

يعترف مسلمو لبنان بالمسيحيين كصُنّاع للكيان اللبناني، ولا زالوا يؤمنون بلبنان الميثاقي رغم النزاعات والحروت الطائفية التي أفرزت تباعداً بين الفريقين وتحديداً الحرب اللبنانية 1975 (حرب الآخرين على أرضنا). فالمسلم اللبناني يعي تماماً أن خصوصية لبنان مستمدة من التواجد المسيحي الفاعل في السلطة وموقعه المتقدم في المجتمع، دون أن ننسى إعتداله في نظرته للآخر المسيحي، فهي نظرة لا إقصائية، تدعم هذا البقاء والحضور الفاعلين للمسيحيين.

تمسّك المسيحيون بالكيان اللبناني، لان روح الإستقلالية في صلب تكوينهم. دافعوا عنه حتى الشهادة، ودعّم شعورهم هذا، تاريخهم الطويل المشبع بالإضطهاد والنضال وقدسية أرضهم، كله في سبيل الحفاظ على بقائهم وقيمهم الإنسانية والدينية والإجتماعية في نظام يؤمن لهم الحرية والكرامة والعدالة، وضمن كيان إعتاد فيه الآخر المسلم على الإعتراف بهم وخاصيتهم.

 

ويبقى الهاجس الحقيقي الذي يطرح السؤال التالي: تمزُّق المسيحيين والموارنة تحديداً، شرذمتهم وعدم وحدة صفهم، محاولة تهميش فريق منهم للآخر المسيحي، ألا تطرح مخاوف جوهرية تهدد وجودهم المستقبلي، وما بقي لهم من حضورٍ سياسي سيادي ليحفظوا الكيان الذي أنشؤوه ؟

وهنا نستحضر ما ورد في مؤلف الباحث كمال الصليبي، بعنوان "الكيان اللبناني بين التصوُّر والواقع"، التالي: " لن يصيب العرب المسيحيين حيث وجدوا في بلاد المشرق إلّا ما يشاؤونه أو يصنعوه هم لأنفسهم ".

باحثة حائزة دكتوراه في علم الإجتماع السياسي