تمر الذكرى السادسة على "ثورة 30 يونيو" حين خرج ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين منتفضين ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين ودولة المرشد الذي كان يحكم مصر فعلياً من خلف الستار، إذ كان الراحل "مرسي العياط" يبدو في الصورة رئيساً بينما تدير الجماعة المشهد برمته خلف الكواليس.

ثورة المصريين لم تكن لتحقيق مطالب فئوية أو حزبية ضيقة، لم تكن –أيضاً- تهدف لإسقاط نظام سياسي، بل كانت لإجهاض حلم دولة الخلافة والدولة الدينية إلى الأبد. فقد كان النضالُ نضالاً سلمياً من أجل إرساء دعائم دولة مدنية ديموقراطية حديثة، تقوم على سيادة القانون وحقوق الإنسان، أي إجمالاً إقامة دولة المواطنة، فهل تحققت على الأرض تلك الدولة؟ سنناقش هذا الأمر من خلال "واقعة الشهيد أبانوب".

 

دعونا نؤكد في البداية أن الإرث الديني والثقافي ثقيل جداً، فالتربة المصرية تغلغلت فيها عبر عشرات السنين أصولية دينية وأفكار وهابية متطرفة. ولكن هذا لا يعفي المسؤولين من مسؤولياتهم لمجابهة تلك الأفكار المتطرفة وداعميها سواء أكان الدعم من أفراد أو مؤسسات، وسواء كان مالياً أو فكرياً بتوفير بيئة حاضنة لتلك الأفكار المتشددة داخل مؤسسات تتبع الدولة، مثل الأزهر –جامعاً وجامعةً- حيث تُدرس مناهجه تراثاً يروج للفكر الإقصائي التكفيري. وبالمناسبة لا يكفي ترديد الرئيس في كل مناسبة ضرورة تجديد الخطاب الديني، فمثل هذه الدعوات يجدر ألا تتكرر مرات ومرات من دون اتخاذ خطوات تنفيذية فاعلة من أجهزة الدولة.

 

قصة أبانوب 

"أبانوب ناجح" مجند قبطي سقط في "كمين العريش" الآخير الذي أودى بحياة  14 عسكرياً مصرياً في "سيناء". هو ابن قرية "بني قره" التابعه لمركز "القوصية" بمحافظة "أسيوط"، واستشهِد في اعتداء إرهابي صباح أول أيام "عيد الفطر".

وعلى استحياء اتخذ محافظ "أسيوط" قراراً بوضع اسم " الشهيد أبانوب" على مدرسة في مسقط رأسه تخليداً لذكراه أُسوةَ بزملاء شهداء مسلمين، ولكن يا للعار! فقد رفضت الإدارة المحلية في مدينة "القوصية" التابع لها قرية الشهيد. لم تكن تضحية "أبانوب" في سبيل الوطن كافية لجعل بعض مسؤولي الجهاز الإداري المحلي للدولة يوافقون على تنفيذ قرار محافظ أسيوط بإطلاق اسمه على المدرسة في قريته، وذلك لدواعٍ أمنية لوجود اعتراض من الأهالي وهو ما يكشف مدى تغلغل الفكر الطائفي في عقول المصريين من جهةٍ، ورضوخ أجهزة الدولة للمتطرفين من جهةٍ آخرى.

لدينا إذاً حالة تمييز ديني واضحة، ليست الأولى وربما لن تكون الأخيرة في ظل تقاعس الدولة على فرض سطوتها ورؤيتها التي بالمناسبة كان قد عبر عنها الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" في الاحتفال ب "ليلة القدر" قبل الحادث الإرهابي بأيام قليلة، مطالباً الأزهر ووزارة الأوقاف بتنقية المناهج وتجديد الخطاب الديني.

 لقد جرى العُرف في مصر تسمية المدارس بأسماء شهداء الواجب، وهى ليست الحالة الأولى لكنها الثالثة التي يصدر بها قرار من محافظ بهذا الشأن، ووزارة التربية والتعليم والإدارات المحلية تمتنع عن التنفيذ، بخلاف حالات أخرى تم الاكتفاء بصدور قرار بإطلاق الاسم على شارع في قرية الشهيد والتي غالبا ما تكون شوارعها من دون أسماء ولا يذكرها أحد، بعكس أسماء المدارس. ولطالما اُتهمت وزارة التربية والتعليم بأن كثيرين من معلميها وتربوييها من "المتسلفين" أي الذين ينتمون لجماعات سلفية، أو من "المتأخونين" الذين يعتنقون أفكار مُنظِّرهم الأول "سيد قطب" التكفيرية، ووزارة التربية والتعليم من أهم الوزارات التي تقع على عاتقها أدوار تنويرية تخص ملايين المصريين في جميع المراحل التعليمية.

 

في نهاية الأمر، وذراً للتراب في العيون بعد رفض تسمية المدرسة باسم المجند القبطي الشهيد، غيّر محافظ أسيوط قراره بأن يُوضع اسمه على "كوبري" صغير بجوار إحدى الترع، وقد رفض هذا الأمر، وبذلك المسلك أرادت المحافظة أن ترضي جميع الأطراف ضاربة بدولة المؤسسات وسيادة القانون عرض الحائط.

وكان مشهد تصوير بعض القسوس والشيوخ بجوار اللافتة على الكوبري مهيناً، وترك غصة في حلق المصريين –ولا أقول الأقباط فقط- الذين كان يحلمون بأن تُصلح "ثورة الثلاثين من يونيو" ما أفسدته سنة حكم الإخوان، أو على الأقل تُرسل إشارات واضحة أنها تمضي في المسار الإصلاحي باتجاه دولة المواطنة الكاملة التي لا تمييز فيها بين المواطنين بسبب الدين أو غيره من الأسباب.

ربما تكون الدولة –بمساهمات المصريين في 30 يونيو- قد نجحت في إسقاط نظام سياسي كان يسعي حثيثاً في سنة حكمه إلي تأسيس دولة ثيوقراطية، لكنها تخطو خطواتها الأولى نحو ما أُسمّيه "المواجهة الاستراتيجية الشاملة" لمنطلقات التطرف الفكرية التي تولد الإرهاب من ناحية، وتقوّض من ناحيةٍ أخرى مسارات تأصيل تجربة الدولة المدنية الحديثة التي تعلو بسيادة القانون فوق أي اعتباراتٍ كانت.

المواجهة الاستراتيجية الشاملة التي لا تقتصر على الحل الأمني الذي يبقى ناجزاً مرحلياً ولكنه قصير المدى، طال انتظارها ولا مفر منها لوضع الأسس الصحيحة لدولة مدنية حديثة تعلو بسيادة القانون فوق أي اعتبارات كانت.

 وشموليتها تُعني أن تكون المواجهة الفكرية/الدينية في المقدمة وتأخذ حيزاً أكبر، وتُطال كل مؤسسات الدولة ووزاراتها بما فيها "الأزهر" وفروعه ومعاهده الدينية، باعتباره مؤسسة تصرف عليها الدولة من ميزانيتها التي يمولها جميع المصريين مسلمين ومسيحيين، تلك البؤر الحاضنة للتطرف والكراهية وإقصاء الآخر المختلف.

  • ناشط حقوقي مصري يكتب في "اليوم الثالث"