دافع –ويدافع- العديد من المصريين مسلمين ومسيحيين عن القضية القبطية، باعتبارها قضيةً وطنيةً في الأساس، وحلقة جوهرية من حلقات إعادة بعث الهُويّة المصرية، وحجر الزاوية لبناء مصر الحديثة. إلا أن مجريات الأحداث وقت الأزمات أسقطت كثيراً من الأقنعة، وأفرزت لنا مدعين إرتزاقيين كانوا يقتاتون من تطلعات الأقباط ويحتالون على بسطائهم بأساليب ملتوية لم يكن يُدركها إلا المنغمسون في هذا الملف الوطني. ولم تكن الكاتبة "فاطمة ناعوت" آخر هذه الشرذمة من المدعين أصحاب المصالح الخاصة، وربما لن تكون الآخيرة قياساً إلى "ذاكرة السمك" لدى أغلب الأقباط.

 

بداية الأزمة

بدأت الأزمة حين أعلنت "ناعوت" على صفحتها الرسمية على "فايسبوك" أن "ضيف الشرف" لصالونها الشهري "شهر حزيران/ يونيو" هو "البابا تواضروس الثاني" وذلك في أحد الفنادق بالقاهرة. وقد لاقت الدعوة اعتراضا من كثيرين من النشطاء الأقباط يمكن إيجازها في ثلاث نقاطٍ:

  • النقطة الأولى هي أن الدعوة لم تُقدَم رسمياً لقداسة البابا، وإنما أعلنت عنها "ناعوت" على صفحتها، وهو ما اعتبروه إحراجاً للبابا بقصد دفعه دفعاً لقبول الدعوة.
  • الثانية بسبب دعوة البابا باعتباره "ضيف شرف" وهو ما لا يليق بمكانة الكرسي البطريركي الرسولي، فهل كانت ستجرؤ الكاتبة المذكورة على دعوة "شيخ الأزهر" كضيف شرف يحل على صالونها؟
  • الثالثة هو العنوان الأولي لندوة الشهر الذي كان تحت اسم "السلف الصالح"، وعلى الرغم من نفي صاحبة الصالون لمدلول لفظة "السلف" المرادفة للتزمت والجمود، وأنها تقصد به "المصريين القدماء" باعبارهم سلفا صالحا، إلا أن تبريرها لم يلقَ صدىً، وهي الشاعرة التي لم يسعفها مرادفات معجم لُغوي -يُفترَض أنها تملكه- كانت جديرة بإيصال المعنى دون توجس وإرباك للمتلقي.

ويبدو أن المتحدث الإعلامي لقداسة البابا تواضروس الثاني قد قرأ الأحداث جيدا واستجاب لهواجس النشطاء الأقباط المشروعة، وانتبه للفخ المنصوب،خاصةً –ولأسباب ليس المجال هنا لذكرها- وأن الكنيسة ليست في حاجة لمزيد من الأزمات، فتم تغيير مكان الصالون ونقل من الفندق إلى المقر البابوي.

وقد استقبل قداسته الكاتبة وضيوفها في المقر البابوي بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية يوم السبت 29 حزيران/يونيو 2019. وبذلك أُقيم الصالون الثقافي في "ضيافة المقر البابوي" وتغير عنوان الصالون إلى "قيمة الوطن" احتفاءً بذكرى ثورة ٣٠ حزيران/يونيو. وتحدث قداسة البابا في كلمة قصيرة موحية عن ارتباط المصريين بوطنهم حتى وهم ببلاد المهجر.

 

لماذا هي أزمة كاشفة؟

هناك أمر بديهي وهو أن هناك من يتبنى قضايا الأقباط إرتزاقياً أو يربح منها أو يعمل لتحقيق مآرب ومصالح شخصية. إنها أزمة كاشفة لأنها كشفت عن الوجه القبيح غير الظاهر –ولذا تحدثنا في السطور السابقة عن سقوط الأقنعة- لبعض مَن يتخذون قضايا الأقباط واجهةً لتحقيق مآرب خاصة على حساب الأقباط. ونؤكد ذلك بأمثلة من ردود فعل الكاتبة "ناعوت" المنفلتة إبان أيام الأزمة على صفحتها "الرسمية" على "فيسبوك".

فقد كتبت "ناعوت" على صفحتها تعليقاً طائفياً إذ ردت على أحد المعلقين قائلةً "يبدو يا عزيزي فلان أنهم –أي الأقباط- لن يرضوا عنا حتى" وهذا التعليق اقتباس من آية قرآنية نصها "لن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم". وهو تعليق يكشف زيف "العلمانية" التي تتشدق بها الكاتبة.

إن استخدامها عبارات أقل ما توصف بها امتهان لكرامة الأقباط وحط من قدرهم وتعالي وفوقية ونرجسية تليق بتكفيري لا كاتبة تصف نفسها أنها ليبرالية. هل ترى عزيزي القاريء فقد كتبت في أحد التعليقات "شوية عيال مسيحيين إرتزاقيين" وأيضًا قولها نصاً "ضيعت عمري كله في الدفاع عنهم" و"لن أكتب عن الأقباط –بالمناسبة تراجعت عن عن هذا في اعتذار سخيف- مرةً آخرى"، حيث تبدو الوصاية والنرجسية و"الذمية" واضحةً في تعليقها، وكأننا مواطنون درجة ثانية تمن عليهم وتتفضل هذه الموهومة، حيث "الإرتزاقية" تليق بها. وقد ظهر في مجموع ما نشرته أيام الأزمة حالة من "التعميم" بحق كل الأقباط، تعميم ضد أبسط قواعد المنطق ولا يليق بمثقف حقيقي بل بمتثاقف.

 

وانكشفت أثناء هذه الأزمة شهادات تُفيد "تربح" تلك الكاتبة المدعية –ومن على شاكلتها- من المسيحيين، حيث كانت تطلب مبلغا للمال نظير دعوات وجهت لها من بعض الكنائس للتحدث للشباب المسيحي عن مفاهيم وطنية جامعة مثل "دولة المواطنة" و"سيادة القانون" وغيرها من الموضوعات المماثلة، كنوعٍ من التثقيف الكنسي للفتيات والفتيان لزيادة الوعي الوطني والاندماج في المجتمع الأكبر.

 

العديد من النشطاء الأقباط تحدث عن توقيت ذاك الصالون وحُمَّى التحركات التي انتابت ناعوت قبل شهور قليلة من انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب، كنوع من استقطاب الأقباط ودغدغة مشاعرهم –وهو ما وقف له النشطاء الأقباط بالمرصاد- لاستمالة أصواتهم، وهو ما لا نستطيع تأكيده أو نفيه لكوننا لا نملك دلائل مادية محسوسة وجازمة كتلك التي ذكرناها في السطور السابقة.

 

رسالة آخيرة

في نهاية مقالنا هذا، نتوجه برسالتين: الأولى للمتسلقين على أكتاف قضايا الأقباط وتطلعاتهم. عليهم أن يستوعبوا أن الوعي القبطي في تصاعد ولن يمكن الضحك عليهم مرةً آخرى، وها هي الكاتبة "ناعوت" مثال حي، حيث لم يشفع لها "الاعتذار الركيك" عن تطاولها و"حماقتها" –بحسب وصفها لنفسها- ولم يشفع لها –أيضا- إقحامها لقداسة البابا بالتدخل، حيث رد "المتحدث الرسمي" فى أحد المواقع الإخبارية أن الكنيسة ليس لها دخل في هذا السجال.

الثانية نخاطب بها الأقباط بأن انتبهوا وكونوا حريصين وقادرين على التمييز بين من يدافعون عن قضاياكم حقاً وصدقاً، ومن يستغلون ويتربحون ويتسلقون على أكتافكم من شرذمة منعدمة الضمير والمسؤولية والوطنية. هؤلاء هم الإرتزاقيون الحقيقيون.

  • ناشط حقوقي مصري يكتب في "اليوم الثالث"