إن كنت تدري فتلك مصيبة، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم.! 

 

على الرغم مما شهده العالم من انفتاح وتطور بطريقة التفاعل بين الأفراد والمجتمعات لكنه ما زال رازحاً تحت حمل ثقيل من الإزدواجية التي تمتد جذورها في تكوين الأفكار وصياغة الإيديولوجيات التي تخرج عن حد الاعتدال ضمن حيز القبول المجتمعي لتشكل منظومة تتسم بالقطيعة مع المحيط وتبني "حائطاً" خاصاً من القيم والمعايير المختلفة التي يصل الدفاع عنها حدود العنف والإرهاب الفردي أو الجماعي الذي لا يختص بمنطقة دون غيرها، فالتطرف والشوفينية والحركات الشعبوية والعنصرية تحولت مع مرور الزمن لنهج يزداد اتساعاً في كافة بقاع العالم وباتت هذه الظاهرة تتعاظم وتمتد في ظل الحرب السورية.

 

ازدواجية الغرب في تجاهل الخطر التكفيري

ومع الانتشار الواسع لحركات التطرف والتكفير التي رافقت صعود الإسلام السياسي وانتشار العنف تحولت الأنظار نحو دول المشرق بوصفها بؤرة حاضنة للتطرف والمتطرفين، ولكن وللاسف الشديد لم نر ونعاين من الغرب الا حالة النظر باتجاه واحد التي اعتمدها وخصوصاً مع اشتداد الحرب السورية. فبالأمس القريب قتلت مدرسة مسيحية بطريقة وحشية في منطقة اليعقوبية الخاضعة للارهابيين ولم نسمع تنديداً من الغرب أو من رؤوساء الكنائس الغربية وهذه ليست بالحالة الوحيدة بالطبع، بل هي مثال من ألوف الأمثلة التي أصبحت منتشرة في ظل هذه الأوضاع الشاذة فمن يسلط الضوء عليهاـ وخصوصاً أن المسيحيين أصبحوا يعاملون كأهل ذمة في المناطق الخاضعة لسيطرة الارهابيين؟ هل هناك دم غالي ودم رخيص؟ لقد بقيت نظرة هذا الغرب في طريقة تعامله مع الشرق كهويّة قومية وثقافية لبلدان متخلفة تسبح فوق ثروات باطنية كبيرة، من دون التطرّق للبُعد الديني أو تجاهله عن قصد بحسب ما تقتضي الحاجة وهو ما اتسم بأزدواجية واضحة بل صارخة وفاضحة بالمعايير.

ومما لا شك فيه أن ازدواجية المعايير هي مصيبة المصائب وخصوصاً عندما تصدر من قامات فكرية أو دينية المفروض أنها تتحلى بالحد الأدنى من الشفافية والموضوعية. جميل أن نتعاطف مع المدنيين في زمن الحرب شرط ألا ننظر بعين واحدة ونتجاهل عن قصد أو جهل ما يحصل على الأرض.

 

التحديات أمام المسيحيين من أيام المماليك

 دخل مسيحيو سوريا وعبر تاريخهم الطويل في مراحل متعددة طالت نسيجهم وديموغرافيتهم. فمنذ الاحتلال العثماني وهم مثقلون بأعباء وأوضاع قاسية، ذلك أنه لم يكن قد مرّ على الحروب الصليبية سوى أقل من ثلاثة قرون، إلا أن آثارها بقيت جاثمة على سكان المشرق وثمة نظرة تجاه المسيحيين واكبت تلك الحروب من قبل عامة المسلمين، وربطت بين الغزاة وبين مسيحيي المنطقة الذين كان ينظر إليهم على أنهم طابور خامس بين المسلمين، وللأسف أن البعض كرس هذه الرؤيا في هذه الحرب الدنيئة وتعامل معهم وفق هذا المنظور. وربما كان المحرض لهذه النظرة في الأذهان، ما قام به المماليك لاحقاً، إذ أنهم استهدفوا المسيحيين في سوريا بقرارات وسياسات ضيقت عليهم، وهذا ما استمر لعقود وعقود واليوم هذا المنطق يحاولون تطبيقه في بعض المناطق السورية الخاضعة لسيطرة الإرهابيين الأصوليين على مبدأ أنتم أهل ذمة وعليكم دفع الجزية، وقد تعرض الكثيرون للجلد والرجم والقتل الوحشي تحت اسماع وأنظار العالم الصامت.

كانت هذه هي حال المسيحيين (عندما جاء العثمانيون ومن بعدهم التكفيريين) الذين كان عليهم التعامل مع واقع معقد وأليم يريد تطبيق قانون الملل بحقهم ولم نسمع صيحات الغرب تتعالى ولا حتى رؤساء الكنائس في الغرب! فأين هم من كل ما حدث ويحدث منذ عقود وعقود وما يحدث اليوم بصورة صارخة فاضحة؟

 

تداعيات الحرب العالمية الأولى على الديموغرافيا

لقد كانت الحرب العالمية الأولى محرّكاً أساسياً للتغيير في ديموغرافيات المنطقة والتي ساهم فيها الغرب مساهمة فعالة، والتي دفعت كل المكونات ثمناً باهظاً لها وخصوصاً المكون المسيحي، ولم تستقر الحركات التوطينية في المنطقة أقله إلى النصف الثاني من القرن العشرين. وإذا أصبحنا نعتبر هذا الأمر هجيناً اليوم فيجب أن نتذكر أن المنطقة، بل والعالم أجمع، كانا دائماً يشهدان تحركات للجماعات كيفما ارتأى المنتصرون في الحروب أو أصحاب النفوذ الأقوى. وبالأخص في سوريا ، ذلط أن ربط الأرض بجماعة محددة هو أمر شبه مستحيل تاريخياً وإن تنطح له الإيديولوجيون من كل حدب وصوب.

يحلو للسوريين دائماً أن يعلّقوا جل مشاكلهم على شماعة سايكس بيكو. ولا جدل في ذلك فإن الدور الذي لعبته بريطانيا وفرنسا في تقسيم المنطقة هو أحد أسباب البلاء الأساسي الذي نعيشه اليوم وما زلنا ندفع الأثمان الباهظة له، وقد كان للغرب اليد الطولى فيما حدث ويحدث ولم نسمع احتجاجات منددة من رؤوس الكنائس أو المرجعيات الدينية الرفيعة المستوى، والسؤال الأهم ان لم تستطيعوا انصافنا فبالله عليكم لا تلعبوا دور محامي الشيطان واصمتوا!! كفوا عن التنظير والاستغباء وبيع الشعارات الجوفاء!

بالطبع لم تكن اتفاقية سايكس بيكو هي الناظم الأساس للمشهد الذي تمخضت عليه الأمور بعد سقوط الهيمنة العثمانية. فالاتفاقية كانت تفترض منطقتين استعماريتين مباشرتين للبريطانيين في البصرة وللفرنسيين في الساحل السوري، وما بينهما مجموعة دول مبنية على ركائز محلية عشائرية أو طائفية أو عرقية ضمن منطقتي نفوذ بريطانية وفرنسية. ولم يكن لدى "سايكس وبيكو" مشكلة في أن تكون هذه الدويلات تحت السيادة الدينية للخلافة العثمانية أو أن تكون مستقلة طالما أنها تبيع نفطها لهم وتشتري منهم منتجاتهم الصناعية وتستقدم من لديهم الخبراء بالتساوي بحيث لا تمنح المنطقة امتيازاً للفرنسيين على البريطانيين أو بالعكس.

 

الإستخدام الغربي للمسألة الطائفية

في هذه العجالة تشكّلت الدول الوطنية الحديثة من دون أي روابط حقيقية لا عربية ولا قومية ولا غير ذلك. وبدأ البحث السريع عن بدائلٍ ما تستطيع أن تقوم بالدور الأساسي الذي يضمن ولاء هذه الدول الناشئة لفرنسا وبريطانيا من دون أن تضطر هاتين الأخيرتين لتحمل أعباء الاستعمار المباشر، وهذا هو في الأخير المعنى الدقيق لمفهوم الإنتداب. وكان من الطبيعي البحث عن هذه البدائل في الأشكال التقليدية للتجمع المذهبي والطائفي والعرقي بعد إضفاء مشروعية جديدة عليها. ولكن وللعدل يجب أن ندرس كيف تلقفت العوامل التقليدية لهذا المشروع، وهذا للتذكير فقط بالمواقف الغربية تجاه ما اعترض المشرقية من صراعات ووقائع دامية وهي مواقف لا تثمن ولا تغني وما زالت مستمرة الى اليوم.

 

مسكين من يجهل ما يحدث على الارض وخصوصاً ما يُعبر عنها بالتصريحات التي تصدر من قامات دينية تنم عن جهل ما بعده جهل والمفروض انها تتحلى بالنذر اليسير من انسانية وحيادية. فمن كان جاهلاً بالتاريخ والجغرافيا لا يحق له الإفتاء وخصوصاً الكيل بمكيالين. واذا كانت الدعوة الى فصل الدين عن السياسة هي الاكثر الحاجاً، لتجاوز اشكالية تسييس الدين وتحرير المقدس من قبضة رجال الدين، فان مكافحة الارهاب تبدأ من فصل الدين عن السياسة. وهو ما يتوافق مع ضرورة الحفاظ على الدين من توظيفه لخدمة اهداف وتوجهات سياسية قد تشكل غطاءً وحاضنة للجماعات الاصولية.

كما نرى ونعاين بأم العين تم تبرير العمليات المتطرفة التكفيرية لكثير من الإرهابيين تحت غطاء ديني، وكان لرجال الدين الدور التحريضي الأكبر فيه، إذ أعطوا الضوء الأخضر لهذه الجماعات عن جهل وعدم دراية بواقع الحال في كثير من الأحيان. فمن لا يملِك كلمة ينصف بها ما يحصل ويعاين بموضوعية فليمتنع وبالحد الأدنى عن منح صكوك غفران مجانية لأدوات قتل على الأرض!

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث"