لا يستقيمُ النقاش في الدور المسيحي اللبناني – لم يعد إلا لبنان في المشرق لهم دور سياسي رائد فيه- من دون الإلتفات إلى ظواهر ومواقف راهنة تعبِّر عن بواطن الأمور والمكنونات الغائبة في الصدور، والتي تُشهر عند لحظة الحقيقة.

جوهر الحقيقة، أو أقله الإنطباع المتكوّن، أنَّ القوى السياسية في البيئات الإسلامية تريد في العمق مسيحيي لبنان مجرد ديكور في هذا البلد، أو كائنات يتفرجون عليها في السيرك من أجل المتعة. كائنات "سيركية" يتفرجون عليها ويصفقون فرحاً بلهوها. يريدونهم حلوى ما بعد الغداء والعشاء وزينةً للطاولة الكبرى التي اقترعوا فيها على ثيابهم. دوركم آفَلْ فلم المكابرة بتكريس الحضور والدور؟!

لمن ينتفض على هذا الكلام القاسي، ينبغي عليه أن يبتعد عن الكليشيهات والأكاذيب المتبادلة والشعارات العفِنة ويقارب الأمور كما هي، أو يقدم البرهان المعاكس.

 

لقد صُمت آذاننا بالإيمان بالدور المسيحي والطليعي و"النهضوي" الذي يشكل امتداداً للدور الذي لعبوه في يقظة دول المشرق والعرب منذ القرن التاسع عشر، نتيجة عوامل ثقافية واقتصادية سمحت لهم بأداء هذا الدور. هذا الدور هو "حاجة" للبيئات الإسلامية، والحاجة مهمة للحفاظ على الدور، لكنه ذلك المشروط بعدم المشاركة الحقيقية في السلطة، بما يعني التعبير عن كيانية المسيحيين وذاتيتهم كما هي من دون أن يقود ذلك إلى رفع "سيوف داموكليس" عليهم بأشكالٍ مختلفة.

لقد صُمت آذاننا منذ الطائف من أركان القوى التي حكمت بعد سيطرةٍ سورية عسكرية وأمنية وتحكُّمٍ كامل بالقرار السياسي، بالتمسك بالمناصفة ووقف "العد" وغيرها من الشعارات التهريجية. لكن الوجه الآخر غير المُقال للتمسك بالمناصفة هو اشتراط انضواء القوى والشخصيات المسيحية تحت عباءة القوى السياسية الممثلة للبيئات الإسلامية على اختلاف مذاهبها، وليس أن تنوجد بذاتيتها وتطالب بموقعها الذي حفظه لها الدستور في النظام التوافقي الذي ارتضاه اللبنانيون لإدارة تعدديتهم، بل حفظه لها الحق بالوجود والكيانية والذاتية وعدم الإنبثاق إلا من ذاتها. إنها المناصفة لكن الشكلية والمشروطة.

قبل أن ينتفض أحد لهذا الكلام، فليتابع ردود الفعل لدى أي مطالبة بمناصفة حقيقية، أو أقله بمشاركة وازنة.

 

في فترة السيطرة السورية، كان يحلو لوريث إمام التعايش موسى الصدر ورئيس مجلس النواب نبيه بري أن يسحب الجارور ويسحب منه سيف "إلغاء الطائفية السياسية" ملوحاً به، لدى رفع الصوت إزاء الهيمنة السورية والتي كان طابعها الأساسي مسيحياً، على الرغم من موافقة شرائح إسلامية كبيرة على هذا الإعتراض. فيتحول ما يفترض أنه سعي لدولة مدنية تلويحاً بهدم هيكل نظام مشاركة الطوائف في نظام توافقي. بعد العام 2005 وعودة القوى التمثيلية في البيئة المسيحية، واضطرار التيار الوطني الحر الرافع شعارَ العلمنةِ والدولة المدنية إلى "لعب" اللعبة السياسية وبالتالي الموافقة على شروط النظام الطائفي القاسية لكي تكون شريكاً، استمر التهديد الذي يطاول المناصفة لكن من زوايا أخرى. فعدا استلال شعار إلغاء الطائفية السياسية، الشعار الطائفي أساساً غير الوطني وغير التضميني، بات التلويح بالديموغرافيا و"العدّ" طبيعياً في كل مناسبة يحصل فيها إشكال حول المشاركة المسيحية في النظام السياسي وفي الإدارات العامة.

"لم تعودوا نصف سكان لبنان لتستحقوا المناصفة"، هو لسان حال البيئات المسلمة، طبعاً تُستخدم في هذه الحملة كل الأسلحة بما فيها الإحصائية ومدى المشاركة في الإنتخابات وغيرها. إنها حقيقة يجب عدم التغافل عنها أن ديموغرافيا المسيحيين هي في تناقص، إضافةً إلى حقيقة أخرى موازية للصراع الطائفي وهي أن هناك فعلاً من يطمح لدولة فاعلة يديرها مواطنون ذات كفاءة بغض النظر عن الإنتماء الطائفي والمذهبي. صحيح. لكن هناك من يغفل في المقابل التلاعب بالديموغرافيا الذي حصل في التسعينات مع مرسوم التجنيس لمئات الآلاف من غير المستحقين، والتلويح العلني والباطني باستعمال ورقة النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين في إطار صراع موازين القوى في لبنان، حيث يدخل هنا عامل الصراع المذهبي السُني – الشيعي الصريح منه والمكتوم، في التلويح بهذه الورقة. النقاش يُغفل أن السعي لتجاوز الطائفية أو "إلغاءها" لا يُطرح من قبل قوى وطنية تضمينية Inclusive عابرة للطوائف، بل من تركيبات وعصبيات طائفية هي الأخرى. فالنقاش لا ينطلق من ركيزة المبادئ التي سمحت ببناء دول دستورية في الغرب وتجاوز حروبها الدينية والأهلية، كالمساواة والمشاركة والإعتراف بالآخر المختلف وتكريس حضوره في النظام السياسي، بل أن النقاش ينطلق من العصبيات والسعي للهيمنة وفرض المقاربة الخاصة للوطن ودوره.

 

في المقابل، يحلو التغني بتميز المسيحيين في البلد، وبطبعتهم على البلد واجتماعه واقتصاده وثقافته. يريدون نمط عيشهم وفسحة حرياتهم وصِلَتهم – لم تعد كما في السابق – بالغرب المتقدم، لكن من دون أن يرتبط ذلك بالحضور السياسي الفاعل. يريدونك ديكوراً وفسحة جمالية في هذا البلد لكن إياك أن تعبر عن ذاكرتك الجماعية، عن مقاربتك للماضي والحاضر والمستقبل. عندها، تُرفع التهديدات والتلويحات وبالتذكير ب"العدّ" والأرقام التي باتت وجهة نظر ومادة لصراع العصبيات القاتلة والأولية، بدل أن تكون المواطنة وما تتطلبه من مساواة، ليس للأفراد فحسب كما تدعو إليه الليبرالية الفردية، بل المساواة بين الجماعات لا على أساس أعدادها كما تنظِّر له اتجاهات الهيمنة، بل على أساس حقها وكرامتها وكينونتها وذاتيتها.

عاد رئيس الجمهورية ليمثِّل بيئته وليلعب دوره الدستوري والوطني، بصلاحيات مشوهة ومُقتطعة وبمهل مفروضة عليه لتوقيع المراسيم أقل من المهلة المعطاة لوزير في الحكومة، فارتفعت الأصوات المعترضة والمندِّدة المعتبِرة أن ممارسة الدور الفاعل هو "انقلاب على الطائف". "أوعا" الطائف، وأيُ طائف... يَرفع الإتهام بالإنقلاب من مزَّق الطائف وروحيته على مدى خمسة عشر عاماً ويزيد، وشطب القوة السياسية المسيحية من المعادلة برعاية ثلاثي – كنعان – خدام – الشهابي قبل أن تنهض مراكز قوى سياسية جديدة في سوريا أدت إلى الإنقلاب الشهير في العام 2004، وتعيد رسم المشهد سورياً ولبنانياً بما لا يُرضي القوى الحاكمة.

 

المضحك المبكي هو أداء المسيحيين أنفسهم في رقصاتهم فوق القبور وهم يولولون عليها. فجأت تحول فريقٌ سياسي من إرث المناداة بالحكم الذاتي والتقسيم في الحرب إلى رافع لنظرية "الدور" على حساب الموقع في النظام، وكأني بهذا الفريق الآتي من تراث الحرب تياراً فكرياً يضاهي جورج أنطونيوس ونجيب العازوري وشبلي الشميّل وميشال عفلق في أفكارهم النهضوية التنويرية والعروبية، لا لشيء أو تحولاً مفاجئاً، بل لأن بيئته الشعبية وضعته في المرتبة الثانية ما يجعله يعتمد سلوك التمايز والمخاصمة ويحاول إرجاع من هو في الصف الأول إلى الوراء، عله يوقف تقدمه أو يجبره على التفاوض منعه. عودٌ على بدء في الإنتحار الذاتي.

 

هذا الكلام لا يرمي إلى نَعي العيش الواحد والتجربة اللبنانية ولا إلى تكريس الخطاب الذي ينطلق من حقوق "المجموعات" فحسب من دون النظر إلى المساحات المشتركة للمواطنية، بقدر ما يهدفُ لإثارة نقاش حقيقي من دون قفازات حول نظرة المكونات اللبنانية الطائفية إلى بعضها، ورمي الأقنعة لأنَّها لم تكن يوماً إلا عنواناً لاستئناف حروبنا الأهلية وصراعاتنا وسط هُدنات متقطعة. ولا يرمي ما ورد أعلاه إلى نفي نظرية "الدور" لجهة أهميتها في بقاء لا المسيحيين بل الجماعات الطائفية اللبنانية الخائفة كلها على دورها وحضورها من الآخر، وفي كل الأحوال يحتاج الدور المستقبلي والنهضوي والتاريخي للمسيحيين اللبنانيين والمشرقيين إلى كتابات أخرى وحلقات نقاش متعددة، لكن الهدف يبقى اعتماد نقاش إيجابي وصريح بمنطلقات مختلفة عن السعي للهيمنة وعدم الإعتراف بالآخر وذاتيته.

 

  • صحافي وباحث سياسي. رئيس تحرير موقع "اليوم الثالث" ومنسق الأبحاث في "معهد الدراسات المستقبلية".