ان فراغ الساحة المشرقية من الفكر التقدمي واليساري والعلماني وانحسار المفكرين المتنورين بفعل الاضطهاد السياسي وغيره من العوامل، هو ما سمح للبديل التكفيري بالحضور بقوة في المشهد العسكري والسياسي للمنطقة وصار شغلها الشاغل. بالطبع كانت هناك مؤشرات تدل على اقتراب انفجار وتشظي هذا الفكر التكفيري وبقوة في العقدين الأخيرين، ولكن الحكومات العربية والإسلامية إما كانت في حالة مصالحة مع القواعد المتطرفة المنتشرة درءاً لشرها أو في حالة استخفاف من الحركات الإسلامية السلفية والجهادية والغرور الزائد بإمكانية القضاء عليها في أي وقت. أما حكومات أوروبا ا فكانت تغذي هذه المنابر وتفتح لها المجال لتستخدمها فيما بعد كأداة للإرهاب المنظم لتنتشر عسكرياً واقتصادياً بحجة القضاء عليه متجاهلة أن هذا الإرهاب سينقلب عليها لأن ماهية الفكر التكفيري تعتمد على عض اليد التي مُدت له أول الأمر عندما تقوى شوكته لأنه من اصحاب نظرية الفناء للغير.

 

دور التطرف في الساحات العربية

من هنا برزت أهمية التصدي لهذا المشروع القائم على ركائز دينية مشوّهة عبر زمن طويل وجدت بيئة خصبة في انعدام وتراجع شكل الدولة العلمانية أمام الانصياع لرجال الدين الموجهين وهابياً بطريقة ذكية في انتظار لحظة الصفر.

إنّ دراسة ايّ واقع عربي في الدول التي عانت من ويلات "الشتاء العربي" ستشابه بعضها مع اختلاف مقومات المجتمعات من حيث الإثنية والعشائرية والقبلية على رغم أنَّها جميعاً ستكون البيئة الحاضنة للفكر الوهابي في بداية الحراك الذي صور سلمياً نتيجة التماسك بين أفراد المجتمع والعشيرة. لقد درست الحركة الوهابية ومن وراءها بعض القوى الخارجية المجتمع العربي بدقة متناهية وعرفت وحددت ساعة الصفر بعد أن لعبت على التناقضات الدينية والسياسية بين الناس وسخرت هذه التناقضات لمصلحة الحركة الوهابية التكفيرية المتشددة، وسنجد أن الدين هو العامل الأساس في تحريك الشارع وأينما غيرنا وجهتنا سنجد الدين هو الرافعة الأساسية لأي تطرف لأنه في خواتم هذا التطرف الجنة الموعودة.

فلا بّد إذاً من البحث عن بدائل وحلول جذرية قد تبدو صعبة التنفيذ ولكن المعضلات الصعبة تحتاج إلى حلول صعبة، ولا بدّ من الاستعانة بالخبرات التاريخية للمجتمعات التي عانت من سيطرة الدين ورجاله وتخلصت منها بصورة أو بأخرى وأصبح الحديث فيها عن فصل الدين عن الدولة أمراً محسوماً.

 

جذور العلمانية

لقد نشأت العلمانية كما يعرف الباحثون في جذورها عبر الفلسفة اليونانية القديمة. غير أنها خرجت بمفهومها الحديث خلال عصر التنوير الأوروبي على يد عدد من المفكرين أمثال توماس جيفرسون وفولتير وسواهما، وأخذت مضموناً مفاده بأنها هي فصل الحكومة والسلطة السياسية عن السلطة الدينية أو الشخصيات الدينية، وتعني في ما تعنيه عدم قيام الحكومة أو الدولة بإجبار أيّ أحد على اعتناق وتبنّي معتقد أو دين أو تقليد معيّن لأسباب ذاتية غير موضوعية، وتكفل عدم تبنّي دين معيّن كدين رسمي للدولة.

العلمانية في العربية مشتقة من مفردة عَلَم وهي بدورها آتية من اللغات السامية القريبة منها أما في الإنجليزية والفرنسية فهي مشتقة من اليونانية بمعنى "العامة" أو "الشعب" وإبان عصر النهضة بات المصطلح يشير إلى القضايا التي تهمّ العامة أو الشعب بعكس القضايا التي تهمّ خاصته وبشكل عام لا علاقة للمصطلح بالعلوم أو سواها وإنما يشير إلى الاهتمام بالقضايا الأرضية فحسب.

 

وقد برز تعريف العلمانية بالطريقة الأميركية عبر توماس جيفرسون الذي قال إنّ الإكراه في مسائل الدين أو السلوك الاجتماعي هو خطيئة واستبداد، وإنّ الحقيقة تسود إذا ما سمح للناس بالاحتفاظ بآرائهم وحرية تصرفاتهم. وقد أصبح الأمر مكفولاً بقوة الدستور عام 1789 حين فصل الدين عن الدولة رسميًا في ما دعي إعلان الحقوق.

ويفسّر عدد من النقاد ذلك بأنّ الأمم الحديثة لا يمكن أن تبني هويتها على أيّ من الخيارات الطائفية، أو تفضيل الشريحة الغالبة من رعاياها سواء في التشريع أو في المناصب القيادية، فهذا يؤدّي إلى تصدع بنيانها القومي من ناحية، وتحوّلها إلى دولة تتخلف عن ركب التقدّم بنتيجة قولبة الفكر بقالب الدين أو الأخلاق أو التقاليد.

واضح إذاً أنه من المختلف عليه وضع تعريف محدّد للدولة العلمانية وفي الواقع فهو تعريف يشمل ثلاث حالات متباينة، ويتداخل مع مفهوم دين الدولة أو الدين ذي الامتياز الخاص في دولة معينة. هناك بعض الدول تنصّ دساتيرها صراحة على هويتها العلمانية مثل الولايات المتحدة وفرنسا وكوريا الجنوبية والهند وكندا.

 

نماذج متنوعة للعلمانية

 وبعض الدول، لم تذكر العلمانية في دساتيرها ولكنها لم تحدّد دينًا للدولة، وتنصّ قوانينها على المساواة بين جميع المواطنين وعدم تفضيل أحد الأديان والسماح بحرية ممارسة المعتقد، وهي بالتالي تعتبر دولاً علمانية.

وهناك الشريحة الثالثة من الدول التي تنصّ دساتيرها على دين الدولة، كمصر وسوريا والعراق وموناكو واليونان، غير أنّ دساتيرها تحوي المبادئ العلمانية العامة، كالمساواة بين جميع مواطنيها وكفالة الحريات العامة مع تقييد لهذه الحريات، يختلف حسب الدول ذاتها. ففي مالطا وهي دولة تتخذ المسيحية الكاثوليكية ديناً لها يعتبر الإجهاض محرّماً بقوة القانون، وذلك مراعاة للعقائد الكاثوليكية، ومع ذلك فإنّ نسب تقييد الحريات العامة في مالطا هو أقلّ بكثير مما هو عليه في دول أخرى كمصر، حيث تعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع مما أدّى إلى فرض قيود حول تغيير الدين أو بناء دور عبادة غير إسلامية مثلاً ومن هنا حلت فكرة الدولة المدنية بدلاً من الدولة العلمانية واقترح البعض دولة مدنية بمرجعية دينية.

 

وتعترض العلمانية إشكالية كبيرة من جهة الديمقراطية بمعناها الضيّق، وهو حكم الأغلبية بدون الاهتمام لحريات الأفراد وهو ما يدعى بالديمقراطية الليبرالية، فإنها بهذا المعنى لا تقتضي فصل الدين عن الدولة بالضرورة بل تعتمد على اختيار أغلبية الشعب التي قد تكون دينية كما يمكن أن تكون لادينية.

 

دور الفكر المشرقي في نشر العلمانية

من الجدير بالذكر أنّ العلمانية ولدت غربية ولكن الانتقال للعالم العربي ونشر الفكر العلماني فيه تمّ من خلال مساهمة العديد من المفكرين المشرقيين العرب ومن خلال رغبتهم في التخلص من الضاغط الأسود لدور رجال الدين والأفكار الدينية التي سيطرت طيلة قرون من الزمن على المنهج الفكري والسياسي والاجتماعي لهذه البلاد، لأنّ الدين انتشر وعمّم في بلدان عرفت بحضاراتها العلمية والثقافية وعلى أرضية من التعدّدية الثقافية والعرقية المختلفة، وبالتدريج أصبح وحتى يومنا هذا المرجع الأول لكلّ تصرفاتنا وسلوكنا وسياساتنا.

 ألغى الدين كلّ دور فاعل للتنوّع الثقافي وصادر الحريات والإبداعات والحريات الشخصية ولذلك وصف العلمانيون بأنهم ملحدون وفي أول سلّم التكفير من قبل دعاة الفكر الوهابي التكفيري، على رغم المحاولات العديدة الجادة لتوضيح حقيقة أنّ العلمانية ليست ضدّ الدين في شيء، بل تقف على الحياد منه ولا تلزم أحداً بتبني أفكارها و لا تفرض ذاتها على الآخرين. فهي تطالب بعدم فرض ذوات وأفكار الآخرين على المجتمع، وأنه من الواجب أن تكون الدولة للجميع ولا وصاية لأحد أو لفكرة على المجتمع وأفراده إلا وصاية القانون المتفق عليه والقابل للتجدد والتطوير حسب حاجات المجتمع، إذ لا تعتبر العلمانيّة شيئاً جامدًا بل هي قابلة للتحديث والتكييف حسب ظروف الدول التي تتبناها، وتختلف حدّة تطبيقها ودعمها من قبل الأحزاب أو الجمعيات الداعمة لها بين مختلف مناطق العالم.

 

وفي نظرة موسعة على عالمنا العربي سنجد أنّ شكلي التطرف السياسي والديني في ارتباط وثيق مع بعضهما البعض نتيجة المصالح المشتركة ويشكل عائقاً أمام انتشار العلمانية والمدنية كحلّ للتعايش السلمي الدائم، وعنواناً واضحاً بعيداً عن كافة طرق التحايل والتواطؤ بين السلطات السياسية والمؤسسات الدينية بمختلف أنواعها كأمر واقع.

 

 لعلمانية بالمطلق تتعارض مع كلّ النزعات المذهبية والطائفية والمناطقية ذات المفاهيم القسرية الجامدة والتي تمّ الاشتغال عليها عبر زمن طويل من أجل تفكيك دول المنطقة وخاصة دول المشرق، ولكنها لا تتعارض مع سيادة القانون الوضعي الذي يصون حقوق الفرد والجماعات وتؤمن بتطويره الدائم.

 

التفكك الحالي في المشرق فرصة لتطبيق العلمانية

إنّ الواقعية السياسية والثقافية لا يجب ان تستثني أمراً مهماً مثل تأثير السلطة الدينية والدين على المجتمع ولكنها لا يجب أن تبقى تحت تأثيره وسطوته وعليها أن تتسلح بالقوانين المدنية اللازمة للتخفيف والتقليل من هذه الآثار وإبعاد الخوف من قلوب المسيحيين على مصيرهم في المنطقة. وكامل الاعتقاد أنّ الظروف الحالية التي تمرّ بها المنطقة هي الفرصة السانحة لإجراء التغيير الشامل نحو علمنة الدول وليس الاكتفاء بمدنيتها أيّ بالفصل التام بين الدين والسياسة لأنّ ما فعله أنصار هذه التيارات الدينية التكفيرية كافٍ بصورة كافية لينفّر الناس من السلوكيات الخاطئة والمحرمة وذلك أفضل من عقد الهدنة من جديد من قبل السلطات السياسية الجديدة مع الدين ورجاله تحت عنوان الدين المعتدل يستحق الحياة. نعم انه يستحق الحياة إنْ وجد أصلاً في تاريخ الشعوب ولكن بالتساوي مع غيره من المعتقدات وتكريس ثقافة الحريات التي تضمن المزيد من الممارسات الصحيحة لأنّ الكبت يولد التطرف.

 

على العلمانية أن تبزغ من قلب هذا المشرق العظيم لأنها تنبثق من إطار يشمل الحضارات المختلفة والثقافات المتعددة، ولن يكون هناك تعريف مستورد او معلب لها بل يجب التعاطي معها محلياً واستنباط أخلاقياتها بما يتناسب مع واقع وكلّ دولة خصوصيتها.

إن العلمانية تعتبر الدين إرثاً تاريخياً ساهم في تشكيل الهوية الثقافية لبعض مكونات المجتمع وليس لكل المكونات واشير هنا الى أن العلمانية تعتبر رجال الدين شريحة مجتمعية متساوية الحقوق والواجبات أمام القانون والقضاء وتمارس عقيدتها بدون إكراه ولا تكره الغير على ممارسة عقائدها مهما بلغ حجم تمثيلها في المجتمع كما أنها تعتبر أنّ الدور السياسي لرجال الدين لا يكون إلا بموجب ما يسمح به الدستور والقانون فقط ولا امتيازات أخرى ممنوحه من قبل السلطة السياسية.

إنّ أفضل وسيلة جادّة وفعالة لمواجهة الفكر التكفيري هي التشخيص السليم للبوابة التي نفذ منها التكفير والتطرف ألا وهي الدين وليس الدين بالقيمة المجرّدة، ولكن الدين السياسي والذي كان من خلاله رجال الدين على علاقة وثيقة مع بعض السلطات مما سمح لهم بتشكيل البيئات الحاضنة لكلّ مناطق انبعاث التطرف بصورة متصاعدة.

 

وأختم بالقول إن دول السيادة الوطنية ولكي تعزز روح هذه السيادة يجب أن ترتكز على مفاهيم أشمل وأعمّ لتجعل كلّ أفراد المجتمع مساهمين جديّين وملتزمين فاعلين في بناء دولتهم، لا أن تكون الرعاية بفعل منتجات الديمقراطية العمياء التي لا تتناسب في أحيان كثيرة مع طبيعة مجتمعاتنا، ومن هذه المفاهيم احترام التعددية الثقافية وتكريسها وحمايتها بفضل القانون، لأنها تشكل تنوّعاً يمثل كلّ أفراد المجتمع.

  • أستاذة جامعية سورية تدرّس في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث"