فخامة الرئيس،

أكتب إليكم بصفتي أحد أبنائكم الذين بدأ وعيهم السياسي والوطني معكم وأنتم في قصر بعبدا أواخر ثمانينيَّات القرن الماضي. إبنٌ انتمى إلى ما عُرف آنذاك بجيل عون، هذا الجيل الذي بنى حلمه معكم بوطن حرّ قويّ عزيز يتّسع للجميع، وبكى صباح 13 تشرين الأول عندما سمع صوت عماد حلمه من على أثير الإذاعة اللبنانيَّة يُنهي المعركة.

رغم دموع يوم ذلك السبت، استفقتُ في اليوم التالي، يوم الأحد، على وعدٍ بعودتكم، وكانت عودتكم لنا ليست إلَّا عودة لحلم تحرير  لبنان وبنائه وصونه بما يعنيه لي ولأبناء جيلنا من مشروع ارتقاء إنساني. انتظرناكم دون التنازل حبَّة عن مشروع تحرير لبنان من كلّ وصاية وكلّ احتلال.

في السابع من أيَّار 2007، كنتُ ممّن استقبلوكم في وسط بيروت، وممّن أصغوا بعمق إلى خطابكم حيث أعلنتم معركة "التحرّر" بعد أنْ انتهينا من معركة "التحرير". وبعد أن كنتم رمز حلم الحريَّة في لبنان، بتّم بالنسبة إلينا رمز لبنان المتحرّر من الفساد وتخلّف الإقطاع وخبث سماسرة المال وميليشياتهم.

يوم تبوّئكم لمنصب رئاسة الجمهوريَّة اللبنانيَّة، وعلى الرغم من إدراكي لصعوبة مسيرة "التحرّر"، أملتُ ببداية مرحلة من النضال الإصلاحي في لبنان؛ إصلاح ربما يكون أصعب وأطول من مسيرة "التحرير"، لكنّه لازم لنا إنْ كنّا نريد استكمال تحرّرنا وإنجاز سيادتنا وحريّتنا وكرامتنا ورسالتنا. إصلاح لن يكون فقط ماليًّا واقتصاديًّا وإداريًّا بل سياسيًّا وأخلاقيًّا وبالتالي إنسانيًّا.

 

لم أكن لأجرؤ سيدي الرئيس، وأنا شاب في أواخر عقده الثلاثيني، على مخاطبتكم لولا متابعتي لفكركم وندواتكم، وقناعتي بأنّكم لا زلتم الصوت شبه الوحيد في لبنان الذي يجرؤ على قول كلّ ما هو جديد وثوري. إذ في كتابكم "ما به أؤمن" أعربتم عن تمسّككم بالعلمانيَّة وحريَّة الضمير عنوانًا لأيّ نضال إنساني ووطني. وها انتم، الرئيس الوحيد في لبنان وفي كل المشرق، تجاهرون في ندوتكم الاكاديميَّة في معهد علوم الإنسان في جبيل في 18 نيسان 2018 أنَّه "لا مناص في النهاية إذا أردنا تحقيق المساواة والاقتراب من مفهوم الديمقراطيَّة الحقيقي من الوصول إلى الدولة العلمانيَّة في لبنان".

وكوني شابًا لبنانيًّا يحلم بلبنان المتحرّر، ولبنان مشروع الإرتقاء الإنساني والحضاري، ولبنان الرسالة في محيطه العربي والمشارك في بناء الحضارة الإنسانيَّة، فإنّي أتمنّى عليكم، وأنتم "بيّ الكلّ"، العمل الحثيث والجدّي على البدء بإصلاح سياسي واجتماعي وتربوي وثقافي يقوم على أساس "العلمانيَّة وتكريس حريَّة الضمير". أقول هذا وأنا ألاحظ مسيرة مجتمعات عربيَّة – مثل تونس – نحو هذا الإصلاح الإنساني.

 

ترأسوا لجنة للعلمانية والحريات!

أمّا خريطة الطريق، إذا سمحتم لي سيدي الرئيس، فتكون بتشكيل لجنة برئاستكم، تُعنى بدراسة السُبل والإمكانات من أجل تعزيز مفهوم "العلمانيَّة والحريَّات"، ومن ثمّ تكريسه في الدستور وفي القوانين اللبنانيَّة؛ لجنة تؤلَّف من كبار المفكّرين في لبنان – فلاسفة ومؤرّخين وعلماء سياسة واجتماع ونفس وحقوقيّين واقتصاديّين، أي "أهل الاختصاص" – تقوم بوضع تقرير وخطة طريق من أجل الإصلاح السياسي والاجتماعي والتربوي والثقافي والاقتصادي. وربما الخطوة الأمثل في هذا المسار قد تتمثّل بطرح قانون مدني للأحوال الشخصيَّة والنضال من أجل إقراره في المجلس النيابي. وهنا أذكركم سيدي الرئيس بمشروع قانون الزواج المدني الذي صاغته وتبنّته نقابة المحامين في لبنان والذي يشكّل نقطة الإنطلاق لتكريس لبنان وطنًا يتساوى فيه كلّ أبنائه على أساس العلمانيَّة والحريَّة والمواطنيَّة وما يستتبع هذا الأساس من حقوق وواجبات.   

سيدي الرئيس، في خطابكم أمام ممثّلي دول العالم في نيويورك، كرّرتم مطالبتكم دعم العالم من أجل تأسيس أكاديميَّة للحوار في لبنان تكون مساحة للقاء وتحاور أديان وحضارات وثقافات العالم، وكأنَّكم بهذا تريدون أنْ تعيدوا للبنان دوره الإيجابي في الحوار الإنساني، تمامًا كما أراده أباؤه المؤسّسون من مثل ميشال شيحا وشارل مالك وميشال أسمر وكاظم الصلح وسليم حيدر وغيرهم. إنّ تشكيلكم وترؤسكم للجنة من أجل تكريس "العلمانيَّة والحريَّات" في لبنان، بما يجعل لبنان نموذجًا يُحتذى في المشرق العربي، سيكون ثورة فكريَّة وثقافيَّة وحقوقيَّة وسياسيَّة إذا ما ترافقت وخطوة تأسيس أكاديميَّة عالميَّة في لبنان لحوار الأديان والحضارات والثقافات.

إنَّ العلمانيّين الوطنيّين الإنسانيّين الصادقين في لبنان كُثر سيّدي الرئيس، ولكنّ لا مرجعيّة لهم ولا حماية. فلتكُن، وأنتَ لست فقط "بيّ الكلّ" بل العلماني الأوّل، مرجعيّتهم ومُلهمهم.

سيدي الرئيس، أنت هو الذي يعلم كم ينضح لبنان بالطاقات والأحلام، فلتكن الأكاديميَّة مترافقة ولجنة "العلمانيَّة والحريَّات" خطوة في إطلاق طاقات شباب لبنان ومثقّفيه ومفكّريه وأهل اختصاصه، ومشروعًا إيجابيًّا يقف في وجه كلّ حملات التأييس.

سيدي الرئيس، أنتم وحدكم من لديه من الجرأة الكافية ومن القدرة على إطلاق مبادرة تاريخيَّة كهذه. صحيح أنَّ مسيرة كهذه ستكون طويلة وصعبة وقاسية، ولكنّ يبقى إطلاقها حدثًا تاريخيًّا لا يقوى عليه إلَّا أصحاب الإرادات القويَّة، وأنتم برهنتم في كلّ مسيرتكم أنَّكم من هؤلاء.

 

رجاءً سيدي الرئيس أنْ تقبلوا مني كلّ مشاعر المحبّة والتقدير والاحترام

إبنكم أمين الياس

* أستاذ جامعي متخصص في التاريخ وكاتب في "اليوم الثالث"