بعد ان استقر عدد ضحايا العملية الارهابية المزدوجة على مسجدي "النور" و"لينوود" في مدينة كرايست شيرش النيوزيلندية، بتاريخ 15 مارس/آذار 2019 أثناء صلاة الجمعة الى 50 قتيلاً، وبعد تضارب المعطيات لاحقاً عن هوية المنفذ وارتباطاته المتناقضة، بين اصوله اليهودية او بين ما نشر له في صورة (مشبوهة او مركبة ربما) مع مجموعة من عناصر تنظيم "داعش" الارهابي في منطقة حدودية مع تركيا، وبعد أن تداخلت ردود الفعل الدولية حول الموضوع، بين مؤيد علناً، ومؤيد بتحفظ، و بين شاجب ومستنكر صراحة وبصدق، او مستنكر بخجل وبتردد لحفظ ماء الوجه، لا بدَّ من الاضاءة على تداعيات العملية على منطقة الشرق الاوسط بشكل عام، وعن تأثيراتها المحتملة على مسيحيي الشرق بشكل خاص، مع محاولة الإجابة عن سؤال اساسي اليوم وهو أين مسيحيو الشرق من المجزرة الارهابية؟

 

بيئة حاضنة للإرهاب اليميني في الغرب؟

ردة الفعل الأولى والطبيعية على العملية، من قبل المجتمع الدولي بشكل عام، ومن قبل الأوساط الأسلامية بشكل خاص، أتت ضد التطرف المسيحي اليميني المتشدد، وذلك انطلاقاً من مضمون الرسالة التي كان قد سجلها منفذ العمل الارهابي الاسترالي "برينتون تارانت"، وعلى خلفية صور وشعارات ضُبِطَّت على سلاحه المستعمل في الجريمة الارهابية.

من ناحية أخرى، تكفي قراءة ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي في الغرب، والتي أشاد بعضها بالقاتل وبارك جريمته، لكي يعكس ذلك وجود بيئة حاضنة معينة، باتت تميل الى استخدام العنف الاعمى للتخلص من المسلمين، حيث لم يعد ممكناً إبعاد الجو العام في الغرب عن تأثيراته على هذه البيئة، والتي اصبحت مؤخراً تنظر للخطر المرتقب مستقبلاً على مجتمعاتها، من الهجرة الاسلامية المتزايدة من جهة، ومن تزايد العمليات الارهابية في الغرب، والمنفذة من قبل مسلمين متشددين.

مسؤولية الغرب بسياساته تجاه العالم العربي

ما يشعر به الغرب اليوم من تشدد تجاه الإسلام بشكل عام وخاصة تجاه الآتي منه من الشرق، لجوءاً او "ارهاباً"، لا يمكن عزله عن مسؤولية الغرب، ودوله الكبرى بالتحديد الاوروبية والاميريكة. وبمعزل عن وجوب عدم تبرير هذا الارهاب المتشدد المنسوب لجماعات تكفيرية اسلامية، فإن الغرب وسياساته العدائية تجاه المجتمعات الشرقية، كان له الدور الاكبر في تنامي هذه الظاهرة المتشددة اسلامياً، وذلك من خلال عدم احقاق الحق وتطبيق العدالة والقانون الدولي، انطلاقا من قضية فلسطين وهيمنة اسرائيل، الى غزو العراق بعد خلق وتسويق كذبة امتلاك العراق لسلاح دمار شامل، الى التسلط على ثروات ليبيا والعراق ودول الخليج، بالترهيب او بالترغيب.

ايضا، تكمن مسؤولية الغرب في المساهمة برعاية وتمدد الارهاب في الشرق، من خلال دور مخابرات دوله في تعميق الخلافات المذهبية والطائفية في دول الشرق، لابقاء التوتر الذي يضعف هذه الدول، ولابقاء الشرق ساحة مفتوحة على شراء واستعمال الاسلحة، والتي تعتبر منطقتنا ومجتمعاتنا العربية والاسلامية السوق الاول لها.

واستناداً الى الكثير من الوقائع والمعطيات والاتهامات، هناك الكثير من الإتهامات الموجه إلى الأجهزة الأمنية والديبلوماسية الغربية بتنفيذ دور فاعل في تسهيل ورعاية انتقال "مهاجرين" ارهابيين من تلك الدول الى الشرق والقتال تحت راية دولة الاسلام في العراق والشام "داعش". والهدف إنقسم بين مناورة إخراج هؤلاء من دولهم الغربية الى غير رجعة، وفي الوقت نفسه الضغط على دول مُستهدفة في انظمتها وفي استقرارها، مثل العراق وسوريا.

 

تفرجوا على مسيحيي المشرق يتهجرون من دون حماية!

من هنا تأتي مسؤولية الغرب "المسيحي"، المُتَطرِّف المُتشدِّد او المُخًطِّط المهيمن المُتَسلِّط، على ما تعرَّض ويتعرَّض له الشرق المسيحي من أخطارِ سابقة وحاضرة ومستقبلية، طالت وستطال امنه واقتصاده وثقافته ومستقبل وجوده في الشرق:

 

أولاً: مسؤولية الغرب وبالتحديد الدول الكبرى، في رفع مستوى الكراهية والتحريض لدى المتشددين الاسلاميين في الشرق، ضد مسيحييه الذين يعتبروا الحلقة الاضعف في هذا الصراع الغربي ضد المجتمع الاسلامي باغلبيته. إذ يَعتبر هؤلاء المتشددين - وهذا غير صحيح طبعاً- - ان مسيحيي الشرق منحازون الى مسيحيي الغرب بحكم العصبية الطائفية في هذا الصراع، الامر الذي يزيد من التوتر ومن التشدد ضدهم، ويُترجم ذلك، من قبل هؤلاء المتشددين، تهجيراً وتنكيلاً ورفضا لمسيحيي الشرق.

ثانياً: مسؤولية الغرب ودوله الكبرى تأتي أيضاً في عدم تأمين الحماية لمسيحيي الشرق في أماكن النزاعات والمواجهات ضد الارهاب. فحيث كان وما زال لجيوش بعض الدول الكبرى، تواجد ونفوذ ميداني وأمني وعسكري كافٍ لوقف او لتخفيف معاناة وهجرة مسيحيي الشرق، تخلَّفت وحدات هذه الدول عن تلك الحماية، تواطوءأً اوعجزاً او اهمالاً او عن قصد، وحصل التهجير لمجموعات مسيحية مشرقية، في الاماكن التي ضعفت فيها سلطة الدول المستهدفة (سوريا والعراق)، وهذه المجموعات المسيحية تهجَّرت بغفلة من الزمن ورأت نفسها تائهة في اقاصي الارض، بعد أن كانت متجذرة في ثقافتها وفي تاريخها ووجودها في الشرق، وكل ذلك حدث امام اعين وحدات ومسؤولي تلك الدول الغربية من دون ان تحرك ساكناً، ومن دون اي اجراء عملي فاعل يوقف هذا التهجير.

 

وفي مراجعة للتاريخ من الانصاف القول إن ما يتعرض له مسيحيي الشرق اليوم من ضغوط، تطال وتهدد وجودهم وتاريخهم هو جديد وغريب على تاريخ وثقافة ابناء الشرق المسلمين، ولم يظهر هذا التشدد وخاصة ضد الاقليات وفي طليعتها المسيحية منها، الا بعد ان انخرطَّت الدول الغربية "المسيحية" في رعاية الارهاب وخلقه وتسهيله.

 

لذلك، من الطبيعي والضروري والمنطقي اليوم، ان يقف مسيحيو الشرق وقفة ثابتة وصارخة، بوجه ممارسات الغرب ضد ابناء الشرق بمختلف طوائفهم ومذاهبهم، وان يكون مسيحيو الشرق اليوم صمام امان العلاقة التاريخية الصحيحة بين طوائف ومكونات الشرق، اولاً لان تاريخهم ودينهم لم يكن الا هكذا، تاريخ وفاء وألفة ومحبة. وثانياً لان في ذلك فقط يحافظون على وجودهم وثقافتهم في الشرق، حيث لم تكن مواقف وممارسات الغرب يوما الاّ في غير مصلحة هذا الوجود العريق عبر التاريخ.

  • باحث في الشؤون الإستراتيجية وعميد متقاعد