على مشارف الاحتفال بمئويَّة إعلان دولة لبنان الكبير، السؤال الذي يطرح نفسه: هل كانت تجربة التعايش على مدى مئة عام بين كتلَتَيْن سكانيَّتَيْن وثقافيَّتَيْن ودينيَّتَيْن مختلفتَيْن جديرة بالخوض نعم ام لا؟ رأيي: نعم كانت هذه التجربة جديرة بالخوض بخلاف ما يظنّه الكثيرون. ولا زلت أذكر في إحدى المرّات التي التقيتُ فيها الأستاذ منح الصلح – وهو القومي العربي – في معرض الندوة اللبنانيَّة في باحة مبنى اللعازاريَّة، خريف العام 2012، حين قال لي بما معناه أنَّه من الظلم القول أنَّ لبنان هو تجربة فاشلة.

في الوقت عينه، نلاحظ أنَّ هذه التجربة لم تكن ناجحة بقدر ما كان يتوقّع آباء لبنان المؤسّسون من مثل البطريرك الحويّك، ويوسف السودا، والجيل الذي أعقبه من مثل ميشال شيحا وميشال أسمر وغيرهم من سياسيّين ومفكّرين.

لقد كانت هذه التجربة ناجحة بقدر ما شكّلت نموذجًا فريدًا من تعايش كونفدرالي طائفي بين المسيحيّين والمسلمين. وهنا أعني بالطائفي ليس البُعد الديني فحسب، بل البُعد "الثقافي-التاريخي" كما يقول المفكّر أنطوان نجم. لكن تجربة التعايش هذه، على فرادتها وأهميّتها وبعض نجاحاتها، بقيت محدودة غير قابلة للانتقال إلى حالة المواطنيَّة بما تعنيه من إنتماء أوّلي يكون لوطن إسمه لبنان ولدولة تُدير بحياديَّة، من خلال مؤسّساتها، التنوّع الطائفي فيه. وهناك عدَّة دلائل على ذلك من مثل الانقسام العامودي الذي أصاب وحدة اللبنانيّين إبّان أزمات الأعوام 1958، و1969، و1975 وصولًا لاتفاق الطائف والاصطفافات الحاليَّة المرتبطة عضويًّا بمواقع قوى خارجيَّة. في كلّ هذه المحطات لم يكن الولاء للبنان ولم يكن لبنان هو الهمّ الأول، بل طغت عليه قضايا أخرى من مثل قضيَّة الوحدة العربيَّة، والسلاح الفلسطيني، والهويَّة العربيَّة أو الهويّة الإسلاميَّة أو الهويَّة والوجود المسيحيَّين.

نحن مدعوّون اليوم، على مشارف هذه المئويَّة الاولى لدولة لبنان الكبير، للقيام بقراءة نقديَّة [1] لتجربة المئة العام هذه بحيث يستطيع المسيحيُّون تحديد دورهم ودور لبنان في المنطقة وفي العالم.

الأسئلة الوجودية والإستراتيجية

        أسئلة عديدة يُمكن لها أنْ تساعد المسيحيَّين في عمليَّة التفكُّر والتأمّل والبحث هذه، من مثل:

  • هل لا يزال المسيحيُّون متعلّقين بلبنان، وهل لا يزال لبنان الكبير مشروعهم الاستراتيجي؟
  • هل لا يزال المسيحيُّون مؤمنين بدول لبنان الكبير، بما تعنيه هذه الدولة من شراكة وعيش مشترك مع المسلمين؟
  • كيف سيتمّ تحديد الشكل الجديد من العيش المشترك مع المسلمين، وعلى أيّ أساس: أتطوير لصيغة النظام الطائفي، أم فدراليَّة، أم الجرأة بالذهاب باتجاه علمانيَّة من عندنا تكون لبنانيَّة، مشرقيَّة، عربيَّة متناسبة وواقع البُنى المجتمعيَّة اللبنانيَّة والمشرقيَّة؟
  • هل لا يزال المسيحيُّون على قناعة بأنّهم يريدون البقاء في هذه المنطقة وأنَّ لهم دور فيها بالشراكة الكاملة مع المسلمين وأطياف هذه المنطقة كافَّة، أم أنَّهم يريدون الهجرة والذهاب إلى دول العالم الأول؟
  • هل يريد المسيحيُّون العودة عما يسمّيه بعضهم "خطأ البطريرك الحويّك التاريخي" بما يعنيه من دولة لبنان الكبير، والعودة إلى لبنان الصغير الممتدّ من جزّين إلى بشرّي؟

 

إذا كان المسيحيُّون لا يزالون على تمسّكهم بلبنان الكبير، عليهم أنْ يتصارحوا وشركاءهم الحاليّين في الوطن ألا وهم المسلمون، وحتّى الملحدون إذا وجدوا. وعمليَّة المصارحة هذه يجب أنْ تتمّ على مستويَين:

مستوى فكري-ثقافي-نخبوي يقارب العلاقة والمصير والأفق بعمق وصراحة واحترام، ومستوى سياسي.

على المستوى الفكري يمكن طرح الأسئلة التالية: هل تجوز المجاملات الفارغة – وأحيانًا الكاذبة – بعد اليوم؟ ألم يحن الوقت لأن تتبادل الجماعات الطائفيَّة في لبنان هواجسها الحقيقيَّة وقلقها المتبادل؟ ألم يحن الوقت لأنْ تطرح كلٌّ من هذه الجماعات تصوّرها الخاصّ للحياة وللإنسان ولطريقة العيش إلى غيرها من الأمور، لمحاولة للوصول إلى قواسم مشتركة. وفي حال عدم الوصول إلى هذه القواسم، أليس الأجدر أنْ تتصارح هذه الجماعات في رغبتها بأنْ يعيش كلٌّ منها بحسب أهوائها وتطلّعاتها بشكل مستقلّ عن الجماعة الأخرى، وبما يعنيه هذا الأمر من نظام سياسي يكفل هذه الاستقلاليَّة؟

هذا الحوار بالذات هو الذي سيحدّد طبيعة النظام السياسي والاجتماعي المستقبلي للبنان، وهو الذي سيبلور رؤية اللبنانيّين لدولتهم الجديدة في المئة عام القادمة.

 

أين النموذج المسيحي المطلوب؟

قد تكون المعضلة الأخطر التي يواجهها المسيحيّون في لبنان وفي المشرق أنّهم لا يعرفون ماذا يريدون: وعلى حدّ قول الأستاذ حبيب إفرام: إن كنّا لا نعرف إلى أي مرفأ نتوجّه، فكيف سنوجّه أشرعة سفينتنا؟ إنَّ الترجمة الواقعيَّة لهذا الضياع هو غياب أيّ مساحة تفكّرية عندهم، أكانت حزبيَّة أم مستقلّة، لمحاولة الخروج برؤية استراتيجيَّة تُحدّد أهميَّة وجودهم ودورهم ورسالتهم في هذه المنطقة من العالم.

بحسب المراقبين للحالة المسيحيَّة في لبنان، وفي المشرق حتى، يبدو أنَّ الإحباط المسيحي في أسوأ أحواله. ولكن إذا قصرنا تحليلنا على مسيحيّي لبنان نجد أنَّهم واقفون من دون إجابات إزاء تحدّيات عدّة: التحّدي الإسرائيلي، تحدّي الإرهاب، تضخّم الحالة اللادولتيَّة في لبنان خاصَّة تلك المتمثّلة بالثنائيَّة الشيعيَّة والحالة السلفيَّة السنيَّة، العجز الكامل عن إحداث إي تغيير في الوضع السياسي والاقتصادي والأخلاقي والاجتماعي وحتّى الفكري.

ضمن هذا الإطار، يبدو النظام الطائفي أكثر فأكثر وكأنَّه بات غير قادر على إدارة التنوّع اللبناني، وغير قادر على تقديم ضمانات للجماعات الطائفيّة في لبنان. والثابت أنه نظام تبدو إدارته أصعب وأصعب مع مرور كلّ يوم. الكثيرون يلخّصون هذه الحالة بعبارة: "البلد منو راكب".

الأخطر أنّ المسيحيّين لا يقدّمون نموذجًا يُقتدى به إزاء حال القعر الذي يعيشه لبنان. فالفساد ناخر بالجسم المسيحي تمامًا كما هو ناخر في أجسام الجماعات الأخرى. يقول الأستاذ حبيب إفرام: "لم نعد بهذا النور على الجبل". أو بعبارة أخرى، لم يعد المسيحيُّون ملحَ لبنان. وقد يكون هذا الغياب المسيحي هو السبب الأساسي في اختفاء "مساحة اللبننة" أكثر فأكثر وبروز مساحات غامضة أو إسلاميَّة أو انعزاليَّة. لبنان اليوم يبدو من دون أفق. كلّ اللبنانيّين (باستثناء حزب الله ربما... وأشدّد على ربّما)، ولا سيّما المسيحيُّين منهم لا يهتمون إلا يمن يربح في الزواريب مغيّبين أيَّة رؤية استراتيجيَّة. السلطة باتت أهمّ من الاستراتيجيا الكبيرة. كلّهم مأخوذون بالمال والجاه والسخافة وسطحيَّة المظاهر.

 

المحكّ اليوم إزاء فشل هذا النظام الطائفي، وإزاء الاعتراك الطائفي (السني-الشيعي) الذي تعيشه المنطقة هو التالي: هل يجرؤ المسيحيّون على إصلاح حالهم؟ وبالتالي هل يجرؤون على القول أنّهم يريدون صيغة أخرى: فدراليّة، أو توسيع اللامركزيَّة الإداريَّة؟

مؤسّس ومدير معهد الدراسات المستقبليَّة الأستاذ إيلي شلهوب يرى أنَّه لا يزال هناك بصيص أمل في مكان ما. وهو يعتقد أنَّ كلّ الأطراف في لبنان باتوا في أزمة عميقة. أزمة تدفعهم إلى الخروج من عقدهم المتبادلة. فالجماعة المسيحيَّة خرجت من عقدة الأقليَّة والإحباط بعد الطائف، وهذا تجسّد بوصول العماد عون بما يمثّل إلى رئاسة الجمهوريَّة وإلى المشاركة الفعّالة في الحكم. الجماعة السُنيَّة خرجت أيضًا من عقدة "الأكثريَّة" وذلك بعد ما أصابها من مشكلة لها علاقة بالإرهاب الذي حصل في المنطقة. الجماعة الشيعيَّة بدورها خرجت من عقدة الاضطهاد بفعل الدور الفاعل لها ليس فقط في لبنان بل في المنطقة أيضًا. وإذا اعتبرنا أنَّ التسوية التي أتت بالعماد عون رئيسًا للجمهوريَّة هي نتيجة تلاقي مصالح كلّ هذه الجماعات، فمن الممكن أنْ يتمّ البناء عليها من أجل لبنان المستقبل. ويُنهي الأستاذ شلهوب كالتالي: "نحن، [ويقصد بالنحن المسيحيّين] من أسَّس هذا البلد، وعلينا تلقّف التحدّي من جديد واختراع لبنان من جديد، نحن الوحيدون القادرون على تقديم هذه الرؤية. ولهذا نحن بحاجة ونريد ميشال شيحا وشارل مالك من جديد".

 

مسؤولية الكنيسة

أيضًا في مقاربة الواقع المسيحي، يذهب البعض إلى تحميل الكنيسة مسؤوليَّة هذا الواقع متّهمين إياها بأنَّها "كنيسة فاشلة"، تمامًا كما هو حال المؤسَّسات الحزبيَّة المسيحيَّة. ويضيف البعض الآخر أنَّ أزمة الواقع المسيحي تتعدَّى المؤسَّسات لتصل إلى "قيَمهم وإيمانهم". هؤلاء يرون أنَّ أزمة القيَم عند المسيحيّين امتدَّت من الطبقة السياسيَّة، التي بات سياسيّوها "سلاطين" يقضون على المسيحيّين بشكل ممنهج، لتضرب المجتمع المسيحي بعمقه. فإنْ كان قد تميَّز المسيحيُّون بنبضهم وقدرتهم على إبداع كلّ ما هو جديد، فإنَّهم اليوم تخلّوا عن دورهم الريادي وباتوا متعلّقين بالمظاهر والسلطة فقط. من هنا يدعوا هؤلاء إلى إعلان حالة طوارئ مسيحيَّة على مستويات عدة. فعلى المستوى السياسي، هناك مسؤوليَّة على رئيس الجمهوريَّة لإطلاق حالة طوارئ والاستعانة بأشخاص قادرين على تقديم خطط وأفكار عملانيَّة بما يشكّل "صدمة إيجابيَّة" تنقل المسيحيين ولبنان من حالة إلى حالة؛ أمَّا على المستوى الكنسي، فمن المهمّ أنْ يضطلع  الإكليروس بمسؤوليَّاته تجاه مجتمعه المسيحي أكان ذلك على المستوى الأخلاقي، أم التربوي، أم الإصلاح المؤسَّساتي الكنسي.  

 

تحدّيات عدة يواجهها المسيحيُّون، منها الانحسار الديمغرافي الذي وصل في وقتنا الحالي إلى حوالي ثلاثين بالماية. هذا الانحسار استُتبِع بتقهقرٍ جغرافي يتمثَّل، من ناحية، ببيع المسيحيّين أرضهم، ومن ناحية ثانية، بتعدّي أبناء الطوائف المسلمة الأخرى بكلّ الأشكال على أراضي المسيحيّين، أكانت أراضٍ تابعة للوقف أو أملاكاً خاصَّة. يُضاف إلى ذلك تراجع دور المسيحيّين في المشاركة الفاعلة في السلطة منذ تسعينيَّات القرن الماضي. الأسوء من كلّ ذلك، أنَّ المسيحيّين نجحوا في إيصال العماد عون إلى السلطة بما يمثّل من ثقل وتمثيل وحيثيَّة مسيحيَّة ووطنيَّة متقدّمة جدًّا، لكنَّهم حتى اليوم، وبعد انقضاء ثلاث سنوات على بداية عهد الرئيس عون، لم ينجح المسيحيُّون في رسم استراتيجيَّة عودتهم إلى الدولة بأجهزتها كافّة ووضعها موضع التنفيذ. أمَّا الخطر  الأكبر فيتمثّل بحسب بعض المراقبين للحالة المسيحيَّة بغياب الوعي الكافي عند الزعماء والنخب المسيحيَّة لأزمة المسيحيّين الوجوديَّة. ولو تواجد هذا الوعي فإن كلّ عناصر نجاح استراتيجيَّة عودتهم للدولة موجودة. فالمسيحيُّون لا يزالوا يُمسكون بأوراق قوّة كثيرة من مثل تفوّق نموذجهم الاجتماعي والاقتصادي، وإمساكهم بملكيّات عقاريَّة واسعة، وانتشارهم في كلّ المناطق اللبنانيَّة – رغم الانحسار – وتواجدهم أيضًا في الكثير من مواقع القوة والتأثير في الدولة وفي مفاصل الحياة العامّة في لبنان.

 

الفدرالية أم "عودة إلى لبنان الصغير"؟

ينطلق المنادون المسيحيُّون بالفدراليَّة من فكرة أنَّ لبنان النموذج المركزي سقط بفعل تجربة المائة عام الماضية. كلّ المحطّات التاريخيَّة التي شهدت انقسام المسيحيّين والمسلمين أثبتت أنَّ هناك كتلتَين سكانيَّتَين ذات ثقافة وقيَم وأنماط عيش وتصوّرات مختلفة لا تجعل من عيشهما معًا أمرًا ميسورًا. هؤلاء يقولون إنَّه علينا أنْ نعترف أنَّ البُنية المجتمعيَّة في لبنان هي بنية طائفيَّة، بما تعنيه الطائفة من جماعة "تاريخيَّة-ثقافيَّة" ذات بعد ديني. ويضيفون بأنَّ كلّ نظام سياسي يجب أنْ يعكس هذا الواقع المجتمعي. وبرأيهم، إنَّ النظام السياسي الأفضل لذلك إنَّما يتمثّل في النظام الفدرالي حيث تقوم كلّ جماعة طائفيَّة بحُكم ذاتها بشكل مستقلّ ضمن دولة فدراليَّة (اتحاديَّة) تحفظ وحدة دولة لبنان الكبير. يقول هؤلاء: نحن طوائف، هذا ليس بعيب، هذا واقعنا. والواقع أقوى من الأوهام. فلنقبل واقعنا، ولننظّم أنفسنا وفق مقتضياته. لماذا يريد المسيحي فرض نمط عيشه على المسلم، ولماذا يريد المسلم فرض نموذجه على المسيحي؟ فليقبل كل منهم حريَّة الآخر ونمط عيشه، ولتعِش كلُّ جماعة دينيَّة كما تريد وفق قيَمها وتصوّراتها ونمط عيشها دون أي إزعاج أو فرض من الجماعة الأخرى. وهذا الأمر كفيل بتخفيف التوتّرات ما بين الطوائف، ما يسمح لدولة لبنان بأنْ تشهد شيئًا من الاستقرار من ضمن إدارة التعدديَّة وفق النظام الفدرالي.

من ناحية أخرى، عديدون هم المفكّرون والمراقبون المسيحيُّون الذين باتوا على ضفة الخيبة من تجربة لبنان الكبير والعيش مع الشريك المسلم. وهم لم يعودوا يخفون تعبيراتهم عن هذه الخيبة أكان من مآل دولة لبنان الكبير أم من فشل الشراكة مع المسلمين في بناء وطن ودولة ذات ديمومة وازدهار واستقرار وحريَّة. ينظر هؤلاء إلى انحسار أعداد المسيحيّين منذ نشأة دولة لبنان الكبير وحتى اليوم بقلق كبير. هم يعلمون أنَّ نسبة المسيحيّين اليوم لا تتعدّى 31 بالمئة، وهم يخسرون كلّ سنة تقريبًا حوالي 0.7 بالمئة، بما تعنيه هذه الخسارة من أنَّ نسبتهم بعد عشر سنوات ستصبح 25 بالمئة، وبعد عشرين سنة 15 بالمئة فقط. في هذه الحالة، بماذا سيختلف مسيحيّو لبنان عن أقباط مصر مثلًا. هم يتساءلون: كيف يمكن الحفاظ على التوازن الديمغرافي، وبالتالي على الشراكة الاجتماعيَّة والوطنيَّة والسياسيَّة إذا كانت نسبة الولادات عند المسلمين تزيد بثلاثة أضعاف تقريبًا عن المسيحيّين (حوالي 6.2  عند المسلمين مقابل 2.4 عند المسيحيّين). ناهيك عن موجات النزوح الكثيفة من فلسطينيَّة وسوريَّة – التي هي ذات غالبيَّة سنيَّة وبمستوى اجتماعي واقتصادي وثقافي متدني إلى حدّ كبير – التي حوّلت الكثير من المناطق اللبنانيَّة إلى مناطق خارجة تمامًا عن سلطة الدولة، وباتت تحت "شبه-استعمار فلسطيني-سوري".

 

هناك أسئلة أكثر خطورة يطرحونها: كيف يُمكن بناء وطن ودولة بوجود مناطق لبنانيَّة باتت بالكامل بحكم سيطرة التطرّف الإسلامي، كما هو حال منطقة الشمال مثلًا حيث لم يبقَ إلَّا جزيرتَين مسيحيَّتَيْن تتمثَّلان في بلدتَي عندقت والقبيّات فيما بات المحيط العكاري والشمالي يُشبه "قندهار "، بما تعنيه عبارة قندهار من تطرّف إسلامي. لا يترّدد هؤلاء في الإعلان: "لقد انتهى المسيحيُّون"!

يقولونها بصراحة: "نحن – أي المسيحيّين – ندفع خطأ البطريرك الحويّك. لبنان الكبير كان خطأ تاريخيًّا كبيرًا، والثمن الحقيقي إنَّما سندفعه في المئة عام القادمة". لا أمل للمسيحيّين برأي هؤلاء إلَّا بالعودة إلى لبنان الصغير، أي لبنان المتصرفيَّة الممتدّ من جزين إلى بشري حيث لا يزال المسيحيَّون والدروز يشكّلون ما مجموعه 85 بالمئة من السكَّان. وإنْ كان هذا الأمر صعبًا في المرحلة الراهنة، فعلى الأقلّ يتوجَّب على المسيحيّين أنْ يعمَلوا لتكريس "اللامركزيَّة الإداريَّة التي هي، بالنسبة إليهم، أهمّ مشروع واقعي اليوم".

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ الإسلامي وكاتب في "اليوم الثالث"

 

[1] هذه الدراسة تأتي ضمن إطار التفكّر الذي أطلق من حول الطاولات المستديرة التي نظّمها "معهد الدراسات المستقبليَّة" حول "الدور المسيحي اللبناني على وقع التحديات والتحولات" في كانون الثاني وشباط 2019.