في ما يلي نص الحلقة الثانية من قراءة الدكتور أمين الياس عن الدور المسيحي اللبناني عشية مئوية لبنان الكبير

 

برأي فريق آخر من المفكّرين المسيحيّين، قد تكون نقطة الإنطلاق، في أي مشروع لإحياء دور المسيحيّين وإعادة تأثيرهم إلى الحياة السياسيَّة في لبنان وفي المشرق، بأنْ يخرجوا، أولًا، من هاجس "الخطاب البيولوجي العددي"، وثانيًا، من عقدة الذميَّة. هذا تمامًا ما يُشدّد عليه مثلًا الأب الدكتور باسم الراعي. بالنسبة له، قوّة المسيحيّين إنَّما تتأتّى من صياغة دور جديد ومشروع واضح المعالم يقودونه في لبنان وفي المنطقة. أمَّا أفق هذا المشروع فيعتبره الأب الراعي أنَّه يقوم على بناء "الدولة الحياديَّة" التي تُدير بحياديَّة التنوّع الطوائفي الموجود على أراضيها.

إلى صفات هذه الدولة الحياديَّة التعدديَّة، يضيف عضو المكتب السياسي في حزب الكتائب شارل سابا فكرة "الفرد كقيمة بحدّ ذاته". هذه الفكرة التي تمّ التضحية بها في كلّ الشرق لمصلحة "دوغمائيَّات فارغة"، بما استتبعها من انهيار التركيبة التعدديَّة الشرقيَّة لصالح "أحاديَّات إسلاميَّة متناحرة". إذًا على هذه الدولة الجديدة في لبنان أنْ تكون ذات نظام سياسي يقوم على المصالحة ما بين مبدأ "المواطنيَّة"، ومبدأ "ضمان هواجس الجماعات". ويكون هذا النظام السياسي مقرونًا بأنظمة اقتصادية تؤمّن التنمية المستدامة.

 

العلمانيَّة المشرقيَّة وتغيير منظومة الفكر

التيّار الثالث عند المفكّرين المسيحيّين إنما يتمثّل بالتوجّه العلماني. أصحاب هذا التيَّار يدركون أنّه لا يمكنهم نقل النموذج العلماني الغربي كما هو وتطبيقه على المجتمع اللبناني والمشرقي. ولهذا هم في حالة من التأمل والتفكّر والبحث المتواصل من أجل إيجاد صيغة علمانيَّة تتشارك مع الفكرة العلمانيَّة الكونيَّة مبادءها الأساسيَّة والتي من اهمّها: تكريس وضمانة حريَّة الضمير، وتكريس المساواة المعنويَّة والماديَّة لكلّ المواطنين، وتدبّر الفصل بين الشأن الديني والشأن السياسي، وتنظيم العلاقة بينهما بما يحمي كلي المجالَيْن من تضارب صلاحياتهما.

ينطلق هؤلاء في مقاربتهم من الوثيقة-الحدث التي تمّ التوقيع عليها في أبو ظبي في الرابع من شباط 2019 من قبل كلّ من رأس الكنيسة الكاثوليكيَّة الرومانيَّة البابا فرنسوا الأول وشيخ الأزهر الأكبر أحمد الطيّب. فوثيقة الأخوّة الإنسانيَّة هذه إنَّما تُعبّر عن رغبَتَيْن: رغبة الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة في أنْ تلعب دور الوسيط بين الإسلام الأزهري السُنّي والحداثة. وحتّى يمكن القول أنَّها ترغب بالأخذ بيد السلطة الدينيَّة الإسلاميَّة السُنيَّة باتجاه هذه الحداثة لما لهذه الكنيسة من خبرة تاريخيَّة طويلة وبما تحمله هذه الخبرة من آلام ونجاحات وخيبات وانكسارات أكان في مجال العلاقة مع حركات الأنسنة والنهضة والأنوار والثورات الصناعيَّة والعلميَّة والفكريَّة والفلسفيَّة حتى يومنا هذا. من ناحية ثانية، تُعبّر هذه الوثيقة عن عدم ممانعة مؤسّسة الأزهر من دور الوسيط هذا، والاستعداد، بمساعدة الخبرة الرومانية، للخطو باتجاه الحداثة، ذلك أنَّ مسار التأصيل والأصوليَّة الدينيَّة الذي افتتحه رسميًّا كلٌّ من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده أواخر القرن التاسع عشر أظهر الكثير من الأضرار الجانبيَّة المدمّرة للإسلام.

يبدو هذا التوجّه واضحًا في مقدمة هذه الوثيقة إذ تُعلن أنَّها أتت نتيجة "مشاركة الحديث" بين الطرفَيْن عن "أفراح" و"أحزان" ما تسمّيه "العالم المعاصر". بتعبير آخر، بات هذا العالم المعاصر أمرًا واقعًا لا بدّ من التعامل معه بعقليَّة معاصرة وليس أصوليَّة. إنَّه عالم فيه من التقدّم العلمي والتقني، ومن الانجازات العلاجيَّة، ومن التطوّر الرقمي، ومن وسائل الاعلام الحديثة ما يضطّر الجهتين إلى التعامل معه.

 

أين مسيحيو لبنان من مصالحة الإسلام مع الحداثة؟

قد تكون هذه الوثيقة الاعتراف الأول من سلطة الإسلام السني بإشكاليَّات كانت تتفاداها، لا بل تحارب ضدها، لسنين طويلة: مبدأ الحريَّة لكل إنسان "اعتقادًا وفكرًا وتعبيرًا وممارسة"؛ مبدأ ربط الإيمان بعبادة الله – بما يعنيه الإيمان حالة حميميَّة وجدانية -؛ مبدأ رفض العنف والحروب تحت أي مسمّى بما يستتبعه من رفض لتفسير النصوص الدينية بما يخدم العنف والحروب والإرهاب؛ مبدأ بناء السلام والتمسّك بقيمه بما يعنيه من رفض لمبدأ "القتال"؛ مبدأ التعارف المتبادل بما يعنيه الأمر من خروج عن فكرة أنَّ الإسلام مكتفي بذاته؛ مبدأ التعدديَّة وحريّة الإختلاف بما يعنيه من خروج عن فكرة تفوّق "الأمة الإسلامية" وتساهلها مع "الأقليَّات"، ومن دخول في مبدأ "قبول الآخر" كما هو دون أي تعاطي "دوني" معه؛ مبدأ تجريم إكراه الناس على اعتناق دين أو ثقافة او أسلوب عيش محدّد؛ مبدأ المساواة الكاملة ضمن مفهوم المواطنيّة الكاملة دون أي تمييز على أساس "الدين واللغة والعرق والجنس واللون"؛ مبدأ ضرورة الحوار الدائم بين الشرق والغرب والاغتناء المتبادل من حضارة الآخر؛ مبدأ إقرار حقّ المرأة في التعليم والعمل وممارسة حقوقها وتحريرها من الضغوط الاجتماعيَّة.

تمثّلُ هذه الوثيقة إقرارًا من سلطة الأزهر بضرورة تغيير الخطاب الديني الإسلامي، والخطو باتجاه الحداثة. وقد اختار الأزهر كنيسة روما لتكون وسيطًا وربما شريكًا في عملية الانتقال من خطاب ديني تقليدي جامد أصولي تقوقعي، إلى خطاب متأصّل في ذاته طبعًا ولكنه قادر على الانفتاح وحتى الأخذ من الآخر والتأقلم مع تطوّرات العالم المعاصر الهائلة بزخمها ونتائجها. هنا السؤال الكبير: أين مسيحيّو الشرق، وخاصّة مسيحيّو لبنان من هذا المشروع، مشروع مصالحة الإسلام مع عالم اليوم ومع الحداثة بكلّ مندرجاتها وقيَمها، من مثل: الحريَّة، والمساواة، والتعدديَّة، وقبول الآخر والتعايش المشترك، والحوار الدائم بين الحضارات، وحقوق المرأة وحريتها، إلخ...

 

لا تنفكّ كنيسة روما تُقدّم المشروع تلو المشروع لمسيحيّي الشرق ولبنان، ولكنّهم لا يريدون تلقّف المبادرة. ألم يكن مشروع مسيحيّي النهضة العربيَّة أيضًا محاولة لمصالحة إنسان الشرق، ذات الغالبيَّة المسلمة، مع الحداثة والتطوّر؟ ألم يتلقّف مسيحيُّو القرن السادس عشر المبادرة البابويَّة بالعودة إلى الشرق فذهبوا إلى المدرسة المارونيَّة في روما، وافتتحوا المدارس في جبل لبنان ولعبوا دور الوساطة بين الشرق والغرب وشكّلوا النواة الأولى لإطلاق النهضة العربيَّة؟ لماذا ينكفئ مسيحيو اليوم عن هذه المهمّة؟

 

الكنيسة والعلمنة

هنا، لا بدّ من استعادة ورقة العمل البابويَّة التي صدرت في حزيران من العام 2010 والتي دعا فيها البابا بينيدكتوس السادس عشر مسيحيّي الشرق وخاصَّة الكاثوليك من بينهم، في الفقرة 25 من هذه الورقة، "بالتعاون مع المسيحيّين الآخرين والمفكّرين والمصلحين المسلمين إلى تعميق مفهوم العلمانيَّة الإيجابيَّة في الدولة". بل ذهبت الورقة أبعد من ذلك حين ربطت مفهوم العلمانيَّة الإيجابيَّة هذا بمفهوم "حريَّة الضمير" بما تعنيه هذه الحريَّة من حقّ كلّ إنسان في أنْ يؤمن أو لا يؤمن، وفي أنْ يمارس ديانته بشكل منفرد أو بشكل جماعي دون أيَّة موانع، كما تقضي بأنْ يكون الإنسان-الفرد حرًّا في تغيير ديانته. هذا النص هو أحد أوضح النصوص الكاثوليكيَّة التي يتمّ فيها الربط بين العلمانيّة وحريَّة الضمير التي نجد تأكيدًا عليها في البند الثامن عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وإذا جرى الغوص أكثر في الوثائق الكنسيَّة، نجد نصًّا آخرًا صادرًا عن المجمع البطريركي الماروني (2005/2006). وهو يشكّل أول وثيقة تاريخيَّة لإحدى طوائف المشرق ولبنان يتمّ فيها المطالبة بـ"دولة مدنيَّة" يتمّ فيها "التمييز حتى حدود الفصل بين الدين والدولة بدلًا من اختزال الدين في السياسة، أو تأسيس السياسة على منطلقات دينيَّة لها صفة المطلق" (ص 721). كما يطالب هذا النص الكنسي بأنّ يتمّ الموالفة بين بُعد الفرد-المواطن، وبُعد الفرد-جماعة.

 

أين مسيحيّو اليوم من هذه النصوص وهذه المشاريع؟ أين دورهم في بلورة "علمانيَّة من عندنا"، أو "علمانيَّة مشرقيَّة" تتناسب، من ناحية، مع كون لبنان والمشرق مجموعة عائلات روحيَّة وجماعات ثقافيَّة تاريخيَّة طائفيَّة، ومن ناحية ثانية، مع مبدأ بناء دولة حديثة علمانيَّة تقوم على مبدأ الحياد تجاه الأديان ومبدأ المواطنيَّة؟

لا بدّ لمسيحيّي لبنان والمشرق من الذهاب باتجاه هذه العلمانيَّة المشرقيَّة. إذ في زمن وفي منطقة –سقطت فيها إلى حدّ كبير كلّ حركات الإسلام السياسي، أكان في تونس أو مصر أو ليبيا أو سوريا أو اليمن، بعد أنْ كان ق سقط أيضًا إلى حدّ كبير "النظام العربي القديم" – علينا إيجاد فكرة تأسيسيَّة يقوم عليها النظام الجديد. هذه الفكرة لا يمكن أنْ تكون قوميَّة أو دينيَّة، بل إنسانيَّة، فيها من الكونيَّة وفيها من الأصالة المشرقيَّة في آن: إنّها "علمانيَّة من عندنا"، علمانيَّة مشرقيَّة، هنيَّة – على حدّ قول البروفيسور مشير باسيل عون – تقوم على أسس عدّة أهمّها: حريَّة الضمير، وحقوق الإنسان وكرامة الفرد كقيمة بحدّ ذاته.

هنا يبرز تحدّ أساسيّ أمام هذه العلمانيَّة: في الغرب، تقوم العلمانيَّة على محوريَّة الفرد. في شرقنا هذا، يصعب كثيرًا على المجتمعات أنْ تُقرّ للفرد بامتيازاته وحقوقه خارج إطار الجماعة. أخطر من هذا، في الشرق هناك أيضًا تعلّق بفكرة التديّن. فكيف نصالح ما بين فكرة الفرد، المكتمل والمرمَّم الكرامة وبما هو من قيمة مطلقة بحدّ ذاته، وفكرة انتمائه إلى جماعة، وفكرة أهميَّة انفتاحه على البُعد الروحي-الديني؟ لا تتفاجأوا إذا أتانا الجواب من الإنسان نفسه الذي وقّع وثيقة الأخوّة الإنسانيَّة: إنه البابا فرنسوا الاول. إذ في خطابه أمام البرلمان الأوروبي في تشرين الثاني 2014 قال هذا البابا – الذي يجمع في شخصه صفات يوحنا بولس الثاني وبنيديكتوس السادس عشر في آن – بضرورة العودة إلى مفهوم "الشخص" بما يعنيه من خلاصة تصالح بين أبعاد ثلاثة: الفرد، والآخر بما تعنيه من بُعدٍ جماعي أيضًا، والما-فوق. في الحقيقة، إنَّ مفهوم "الشخص" (La personne) قد ظهر في فرنسا أواسط القرن العشرين على يد الفيلسوف الفرنسي الكاثوليكي إيمانويل مونييه الذي أسس المدرسة الشخصانيَّة (Le personnalisme) وهي التي كان لها الكثير من التأثير على العديد من المفكّرين اللبنانيّين والعرب من مثل رينه حبشي (الذي قال بالشخصانيَّة المشرقيَّة) وخليل رامز سركيس ومحمد عزيز الحبابي (المغرب، والحبابي له كتاب حول "الشخصانيّة الإسلامية" La personne en islam)، وهي فلسفة استطاعت أنْ تكون قريبة إلى عقليَّة مجتمعات الفضاء العربي، أكانت مشرقيَّة أم مغربيَّة. إنَّ مفهوم "الشخص" هذا، بما هو من خلاصة ثلاثيَّة الأبعاد، يمكن له أنْ يقدّم حلًا لأزمة الفرد في مجتمعاتنا المشرقيَّة والعربيَّة، فهو من ناحية يُكرّس مبدأ الفرد ومكتسباته التي استطاع الاستحصال عليها من خلال نضال تاريخي وفكري طويل، ولكنْ من دون أنْ يكون هذ الفرد منعزلًا في شرنقة فردانيَّة قاتلة. بل يكون فردًا منفتحًا على الآخر، وبالتالي عنده الحرية والخيار بأنّ يبقَ عضوًا في الجماعة التي وُلد فيها أو التي يريد أنْ ينتمي إليها بحريَّته. كما إنّه لن يكون معزولًا عن الروحانيَّات والبُعد الميتافيزيقي أو الما-فوق، بل يكون فردًا مجتمعيًّا روحانيًّا في آن (طبعًا كلُّ بُعد مرتبط حُكمًا بحريَّته وقرار ضميره).

 

وعليه تكون العلمانيَّة الإيجابيَّة التي قالت بها ورقة البابا بينيدكتوس السادس عشر (2010) هي علمانيَّة منفتحة، هنيَّة، مُحاورة، مُعترفة بالتعدديَّة الجماعاتيَّة عندنا. إنّها علمانيَّة مشرقيَّة، علمانيَّة من عندنا، تقوم على محوريَّة الشخص؛ هذا الشخص حيث يتصالح فيه بُعد الفرد، بِبُعد الآخر والجماعة، بالبُعد الروحي الما-فوقي. إنّها علمانيَّة تتجاوب تمامًا مع دعوة المجمع البطريركي الماروني الذي أراد البحث عن صيغة للمصالحة بين المواطن، من جهة، وعضو الجماعة الطائفيَّة، من ناحية ثانية. إنّها أخيرًا علمانيَّة مُتأقلمة والواقع المشرقي. إنّها علمانيّة يمكن للمسيحي كما للمسلم تقبُّلها. والأهمّ أنّها علمانيَّة تكون قادرة على تأمين الظروف والشورط من أجل تحديث منظومة الفكر الإسلامي والمسيحي والعربي والمشرقي. إنّها باب لمجتمعاتنا نحو المستقبل والحداثة.

 

هل المسيحيُّون قادرون على حمل هكذا مشروع، وهل هم مستعدّون للخروج من خوفهم العددي البيولوجي والدخول في هذه المغامرة النوعيّة؟ أو ليست هذه هي رسالتهم في هذه الزاوية من العالم؟ أوليس دورهم يتمثّل في العمل المتواصل والمتراكم لإحداث التغيير الدائم في عقلهم وبالتالي في العقل المشرقي والعربي والإسلامي؟

 

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ الإسلامي وكاتب في "اليوم الثالث"