• نشر موقع "اليوم الثالث" نص كلمة رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للروم الكاثوليك المطران عصام درويش في الجلسة التي نظمها الموقع عن "مسيحيو لبنان: الرابط الحضاري ورهانات السياسة".

بداية لا بد من كلمة شكر وتقدير لموقع "اليوم الثالث" الذي يديره معهد الدراسات المستقبلية على طرح موضوع مُركّب ومُعقّد هو الرابط بين مسيحيي لبنان والغرب، كما أشكر الأخ العزيز ميشال أبو نجم على دعوته لي لأكون معكم.

 

قد لا تتلاءم كلماتي مع الطروحات الشعبوية  التي ترضي الجمهور وقد أردت أن ألتزم  في مداخلتي بمنهجية عِلمية وواقعية.

ربما كان مُجْمَعاً عليه أن الإرساليات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لعبت دوراً تربوياً واجتماعياً استراتيجياً في لبنان سواء في نقل تقنيات حديثة وعصرنة توجُّهات فكرية لدى المشرقيين، وأنّ دولاً غربية كفرنسا والنمسا وانكلترا قد دخلت على خط حماية الأقليات – طبعاً بما يضمن مصالح تلك الدول- كالعمل على تحقيق دولة لبنان الكبير، بما يعنيه ذلك من الحؤول دون ضرب مبدأ المساواة متى كان الإسلام ديناً رسمياً للدولة. ربما كان كل ذلك صحيحاً، لكن ما لا ينبغي أن يكون صحيحاً لدينا هو اعتبار البعض منا أن الغرب هو الحامي التقليدي للوجود المسيحي وخياراته السياسية، فهل الحماية من الفلسطينيين أو السوريين أو المخاطر الأخرى، تستدعي الدول الغربية لحماية استقلالنا؟ وهل السيادة تستدعي الحماية الخارجية؟

المشكلة أن هذه الدول الغربية التي كانت تريد حماية المسيحيين في وقت معين، لمّا فصلت الدين عن الدولة وصار نظامها أقرب إلى العلمانية، لم تعد تهتم بمصير المسيحيين في لبنان، فوجد المسيحيون أنفسهم يتامى ومن دون حماية حقيقية، ولا هم خلال هذا الوقت، عرفوا أن يرتبطوا ارتباطا وثيقا بالحضارة العربية.

إن عدة أسئلة تطرح نفسها هنا: فهل تأييد المسيحيين الضمني لانتفاضات أو ثورات أو ما سُميَ ربيعا قامت في الدول العربية، كانت خياراً صحيحاً لتثبيت المسيحيين المشرقيين في أوطانهم؟  وهل المراهنة على الغرب أو على محاور أخرى إقليمية منها، ساعدت على دور إيجابي للمسيحيين؟

يقيني أن ما يُسمّى "الغرب" لديه أولويات ومصالح  واضحة، كالنفط، والاقتصاد عامةً، وأمن إسرائيل، قبل أي شيء آخَر. ونحن ليس من مصلحتنا أن نصطدم بزجاج المصالح الغربية كلما تراءى لنا أننا أولوية لدى دُوَلِهِ. إننا نعيش في منطقة لها خصوصيتُها الدينية والثقافية والتاريخية، لذلك لا يمكننا أن نستمر في دفع ثمن اعتبارنا موالين للغرب ومتنكّرين للعرب منذ الحروب الصليبية في المنطقة وحتى هيمنة الأنظمة العلمانية المعاصرة على الفكر السياسي الأوروبي خاصةً والغربي عامةً.

المسيحي المشرقي هو جزء من هذه الأرض وقريب المسلم وهو جسر محبة وحوار بين الغرب والشرق: الغرب القريب من تراثنا الديني ومن ثقافتنا، والشرق الحاضن لهويتنا العربية والذي نحن جزء لا يتجزأ منه، وبقدر ما نحافظ على دورنا الريادي وانتماءنا العربي، نحافظ على وجود إيجابي للمسيحية.

لذلك لا أرى أن وجودنا يرتبط بالسياسة بل من قناعات لدينا بأننا شعب واحد في بلاد تجلت فيها المسيحية والإسلام. وبقدر ما يكون دورنا إيجابيا وفعالا ومنفتحا، يمكننا أن نفرض على غيرنا وعلى مجتمعنا الاعتدال. أما مواجهة التطرف فلا يجب أن يقوم على الأفكار الدينية، إنما على فكر حضاري عربي، ساهم المسيحيون بإبداع بكتابته ونشره.

 

أختم حديثي على هذه الطاولة المستديرة بالدعوة التالية : حبّذا لو يستكمل المسيحيون، لاسيما اللبنانيون منهم، الدورَ الريادي الذي اضطلعَتْ به مناراتٌ منهم في القرن التاسع عشر من أمثال النهضويين: أمين الريحاني وجبران خليل جبران وبطرس البستاني واليازِجيّين وفرح أنطون، واللائحة تطول ... حبذا لو تجدّد النّخَبُ المسيحية اضطلاعَها بالدور الوطنيّ والتمدنيّ العام فتتبنّى القضايا المحقة للعالم العربي، والقضايا الإنسانية في المحافل الدولية.

إن النهضة لا تتحقق بمجرد استيراد المنتجات الأجنبية أو الإلتحاف بالقشرة الغربية ... فالمدنية والارتقاء لا يعنِيان تحييد الله ولا استبعاده ولا استدعاءَه لأهداف أرضية. إن النهضة والمدنية والحضارة  تنبثق من الداخل وهي تعني الحوار الخلاق مع الآخَرين كما تعني استنفار القِيَم الإيجابية فينا نحن، قبل أي قالَبٍ نَمَطيّ يُفرَض علينا من الخارج. إذْ ذاك يكون الله الذي تجسّد على أرضنا وغذّانا بنفحاته مرجعَنا الهادي المضيء.