تكثر الأحاديث اليوم عن العصبيات والطوائف والمذاهب على خلفية كل ما شهده مشرقنا من تحولات وأحداث دامية في العقد الأخير. ان مفهوم العصبية، كما نلمسه واقعاً في تاريخنا المشرقي المعاصر، أساسه يرتبط بتعدد المذاهب والقوميات، ومما يلاحظ ماثلاً أمامنا هو في الحقيقة يتعلق باستعداد "بعض رجال الدين" لإفراغ المحتوى الخاص لهذا المفهوم بطريقة علنية وصريحة، في مقابل منحهم بطاقة سياسية يستثمرونها للتعبئة الطائفية أو العشائرية إلى أن يصلوا إلى الحد الأقصى للدفاع عن مصالحهم السياسية والاقتصادية على حساب الدين الذي لا يبقى منه في نهاية المطاف إلا الهوية فقط عند أمثال هؤلاء المحسوبين على الطوائف، فهم يكونون بمثابة أبطال لهذه الهوية الدينية من دون أن يكون لهم فيها أي شيء يتعلق بالدفاع عن مذهب أو عقيدة بصورة حقيقية وواقعية، وأصبح مثل هذا الوضع السياسي الراهن في منطقتنا مربكاً وفوضوياً للغاية، كما أنه يوقع الإنسان في حيرة وشك بالنسبة لمرجعياته الدينية التي هي الأخرى. ومع تزايد وتيرة التحديات والأوضاع السيئة، اتسعت دائرة انقساماتها الطائفية وتقوقعها المذهبي، لا سيما أن البُنى الاجتماعية داخل الكيانات الواحدة المتعددة الطوائف والانتماءات بمختلف أعراقها ولغاتها ودياناتها، وكذلك الانتماءات القبلية تعاني في أساسها من ضعف الانتماء الوطني العام المشترك الناجم عن عدم الاندماج الاجتماعي في بنية ولحمة واحدة داخل البلد الواحد وهذا ليس بالجديد علينا بل قديم قدم هذه الارض.

 

إن ما يدور على الساحة المشرقية السياسية منها و(الإعلامية) التي لا أستثنيها وهي التي لعبت ولا شك دوراً مهماُ في هذه الفترة الحرجة من التاريخ المعاصر لمنطقتنا ما هو إلا إحياء ثم ترسيخ حقيقي وخطير جداً للإنتماءات الطائفية والمذهبية والعصبيات القبلية كبديل ومرجع على حساب الانتماء للوطنية وللهوية الجامعة، حتى أصبح الوضع داخل الوطن الواحد في معظم بلدان المنطقة متعدد الولاءات، وغير منسجم، ويتصارع في إطار منظومة تقوم على الطائفية أو العصبية الأقوى بصورة مباشرة على غرار ما حدث في العراق وسوريا ،أو بصورة غير مباشرة، كما يحدث بين الآونة الأخرى من حوادث تتسبب فيها بعض العصبيات الموتورة الموزعة داخل إطار دول المنطقة المختلفة. ومن هذا المنطلق تحضرني أسطورة "نرسيس"، وأسأل هل أطل برأسه من كتب الأساطير اليونانية القديمة ليذكرنا بأنه ما زال يعيش بيننا حياً يرزق وهو الذي افتتن بصورة ذاته على صفحة الماء حتى لم يعد يرى غيرها إلى أن غرق فيه في نهاية المطاف؟

ولعل الإجابة عن هذا السوال تتجسد في ظل حقيقة ماثلة أمام أعيننا ضمن واقع تضخمت فيه العصبيات بمختلف مذاهبها، والأثنيات بمختلف أعراقها ولغاتها ودياناتها، وكذلك العشائريات إلى أن وصلت مرحلة أوجها النرجسي المرضي الذي هدم المعبد فوق رؤوس أبناءه انطلاقاً من العراق وسوريا ولبنان ، فعملت على توظيف كل قيم التقدير والاعتبار في ذات كل طائفة أو قبيلة أو عصبية في هذه المجتمعات من خلال اذكاء نزوة الحب المرضي داخلياً، بحيث لم تعد تبقي إلا القليل جداً لأي كيانات أخرى تتجاوزها، بل إن كلاً من تلك العصبيات أصبحت تكتفي بذاتها لتبدأ بالتقوقع حول نفسها في حلقة مفرغة بطريقة من الإعجاب والإفتتان النرجسي العبثي بهذه الذات إلى أن تغرق فيها نتيجة للتضخم داخلها، مما يجعلها تزداد ميلاً لابتلاع الحيز المكاني لأي كيانات أخرى، وبالتالي فهي لا تقيم علاقة ولاء لتلك الكيانات سواها إلا في حالة إخضاعها لعصبية تكون أقوى وأشد منها بحيث تكون الغلبة عليها، ولتتمكن من تجسيد هذه العصبية الأقوى في كيان الوطن والأمة.

 

ولعل الخطر الحقيقي الذي يحيط بمشرقنا في هذه الفترة العصيبة يتمثل في علاقات التوازن المتأرجح داخل كل مجتمع. فهي مجتمعات ذات فسيفساء متعددة وكذلك ديموغرافيات ذات طبيعة خاصة، الأمر الذي يتيح للعصبية التكيف بسهولة مع هذه الحالات الاجتماعية فتقبل بالتعايش على فوهة بركان يمكن أن ينفجر أمام أي شرارة وفي أي لحظة يختل فيها هذا التوازن الحرج لصالح أحد الأطراف الداخلية، بما يكفل تعزيز نفوذ عصبية جديدة كانت خاضعة وتابعة لأخرى سابقاً، أو يعزز غلبة العصبية السائدة.

وبطبيعة الحال فان هذا الوضع السياسي القائم الآن في أبرز دول المنطقة حضارة وثقافة سيؤثرسلباً وعلى المدى البعيد من حيويتها ودينامية نمائهما الدائمة هذا اذا لم يكن قد أثَّر سلباً على تنوعها الثقافي والديموغرافي بسبب الصراعات المستمرة بين مختلف الطوائف والمذاهب، وفي نهاية المطاف وكنتيجة حتمية لن تجد الأنظمة السياسية أي مخرج إلا باللجوء الدائم إلى القوى الخارجية المجاورة وغير المجاورة كي تستمد منها قوتها في إدارة صراعاتها الداخلية مع التعدديات الاجتماعية الأخرى وتبقى هذه الورقة ورقة ضغط وابتزاز يلجأ اليها البعض ويستغلها لغايات مختلفة ولا سيما اللعب على وتر الطائفية والتوازن الديموغرافي. ومن هنا فإن الكيان الوطني سوف ينهار ويفقد مناعته نتيجة للإستقواء بالقوى الخارجية للمحافظة على الاستقرار الداخلي. وكنتيجة حتمية فإن البُنى العصبية الطائفية والمذهبية والعشائرية عندما تتحكم في وطن ما وأمة ما فإن كيانه يتحول إلى مجرد وعاء مكشوف لمختلف الأخطار الخارجية والداخلية بسبب فقدانه إلى قوته الذاتية ومنعته المستمدة من انصهار مختلف شرائح وفئات المجتمع ضمن كيانه الذي يتجاوز مسماه كلاً منها وهذا كفيل بالقضاء على التعايش والعيش المشترك التي طالما تميز به هذا المشرق عبر تاريخه العميق الضارب في الصخر.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة