وسائل التواصل الإجتماعي عبارة عن تطبيقات تكنولوجية حديثة تسهل عملية التواصل والتفاعل بين البشر، وتعمل هذه الوسائل على بناء وتفعيل المجتمعات حول العالم، إذ يقوم البشر بمشاركة اهتماماتهم وأنشطتهم بواسطة هذه التطبيقات، حتى أضحت تغزو مختلف المجالات الحياتية ومنها السياسية كوسيلة لتبادل الأفكار والمعلومات.

وبما أن هذه الوسائل الحديثة أضحت من أبرز العوامل الثقافية، لجأت إلى استخدامها الأحزاب السياسية في مختلف الدول، لتجعل منها منصة لعرض برامجها ونشاطاتها، وساحة دعاية تملؤها الفيديوهات والملصقات التي لا تخلو من التعبئة سواءً عبر الترغيب في المشاركة، أو الدعوة للمقاطعة، وتشكيل وعي مرتبط بالإنتخابات التي استحقت، أو الإنتخابات القادمة، كسعيٍ لإعطاء صور ذهنية عن مرشحيها أو نوابها وبرامجهم أو إنجازاتهم، وتطورت إلى مطابخ إشاعات أو ربما حقائق تمسُّ الآخر المضاد كمحاولة لضرب هيبته شعبوياً.

كلها من الأمور التي تتطلبها الحياة السياسية في الدول الديموقراطية التي تكرس مفاهيم حرية تعبير الرأي، وضرورة المنافسة  في الحياة السياسية ، وخاصة الحزبية منذ نشأة المفهوم الحزبي، إنما الوسيلة تبدلت وأضحت الـ Social Media هي الوسيلة الأساسية لهذا الغرض، لا بل أسرعها على الإطلاق على المُتلقّي، وتأثيرها الواسع على كافة شرائح المجتمع سواءً كانت هذه المواقع فيسبوك - تويتر- انستاغرام - واتس آب وغيرها من المواقع المتعددة التي تمتاز بسهولة إستخدامها وانخفاض تكلفتها، وما تتيحه من خاصية التخفّي وعدم إبراز الهوية الحقيقية.

 

واقع "القتال" على التواصل الإجتماعي

في لبنان، تحولت الـ Social Media الى ميدان للمعارك الحزبية الشرسة. فبعدما شهدت ساحات القتال في الحرب اللبنانية (1974- 1989)، أشد المعارك بين أحزاب لبنانية متضادة طائفياً، أضحت اليوم ساحات المعركة وسائل التواصل الإجتماعي نفسها، أبطالها جيوش إلكترونية، يحتكر كل منها لون معين، وهي جيوش لا تهدأ ولا تكلّ ولا تكّن عن تصريحات أو ردود موالية لحزبها أو مشوّهة للحزب الآخر الذي يتعارض مع حزبها، سلاحها الكلمة، قد تكون أنيقة أحياناً، ولكنها قد تتخطى المنطق ولغة العقل أحياناً كثيرة . والمعركة لم تعد حزبية - طائفية، إنما حزبية - مذهبية، أو حزبية - حزبية وبين أبناء الطائفة نفسها، حتى كان للمسيحيين الحصة الأبرز على الإطلاق، يحشدون جيوشاَ إلكترونية مكانتها في الصفوف الأولى من المواجهات الشرسة والعنيفة تجاه بعضهم البعض، وسلوكيات تثير الكثير من السخرية عبر هاشتاغات، وتضليل سياسي وتعظيم البروباغندا ونشر الإشاعة والإشاعة المضادة، واللجوء إلى ألفاظ بذيئة، مقيتة، مقزّزة، تقشعّر لها الأبدان الراقية التي تلوذ بالفرار عن القراءة.

وقد حدا الأمر بأخذ مواقف أو ربما إجراءات حزبية، ومحاولة تعميمها على الأتباع والأنصار عبر وسيلة الـWhatsApp  ، بمقاطعة صفحة الأصدقاء على الفيسبوك الذي ينتقدون بعض المواقف السياسية للقادة من الصف الواحد، وذلك عبر "اللغة الفيسبوكية" (مثل Like, Comment…)، أو أفضلية حذفه (Unfriend)، وقد يصل إلى حدّ الـ (Block) أحياناً، حتى لو كان هذا الناقد موالٍ للحزب الذي ينتقده، عبّر عن رأيه بنقدٍ بنًاء يستند الى وقائع معاشة وحقائق علمية، إنما هدف نقده كمحاوله منه لإصلاح الثغرات التي تخترق الأحزاب ومواقف قاداتهم. ومن جالس هذا الناقد، حتى فيما لو لم يوافقه آراءه، قد يُخًوَّن هذا الجليس من أهل البيت الواحد، ولا يعود أهلاً للثقة.

والمضحك المبكي، أنه قد وصل الأمر إلى مقاطعة بعض الأماكن التجارية أو السياحية، من جانب حزب مسيحي، فقط لأن اصحاب هذه المحال (مسيحيو الطائفة أو من أحزاب مسيحية أخرى مضادة) قد أدلوا ببوستات فيسبوكية لا تناصر الحزب المقاطع، والعكس بالعكس بين الأطراف الحزبية.

لم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل تخطّى حدود مفاهيم الدولة الديموقراطية بأشواطٍ، وتمّ استدعاء بعض النقّاد بعد رفع دعاوى قانونية بحقّهم، فقط لأنهم يتناقضون ببوستاتهم مع مواقف وتصريحات الساسة من قياديي الحزب، متناسين أن لبنان كان من أول المنابر الحرة للتعبير عن الرأي، حين كانت تتوافد اليه النخب من المناطق العربية المجاورة كملجأ لحرية الكلمة.

إن عملية حشد الأنصار إلكترونياً، هي عملية في غاية الأهمية، وذلك لتحوِّل الفضاء الإلكتروني إلى فضاء للتواصل السياسي والممارسة السياسية. لكن هذه الممارسة بحاجة ماسة إلى إحترام الأخلاقيات عبر نبذ العنف والكراهية، والمس بحقوق الأشخاص وغيرها من المبادىء والقيم المتعارف عليها التي تُلَخّص بمجموعها بقيمة واحدة ، هي قيمة المحبة التي جاء بها السيد المسيح، وبها تتُختَصَرُ المسيحية وأناجيلها، وترتكز عليها البشارة بالمسيح وتعاليمه (أحبوا بعضكم بعضاً، أحبوا أعداءكم).

لكن ثمّة أمرٍ يجعل المسيحيين في الحاضر يرفضون تلك الحقيقة المسيحانية التاريخية في جوفهم. لقد أمسى الفرق شاسعاً بين حالة تكوينية ومحتوىً يفقد هذا التكوين، من دون أن يدركوا أن هذا الحراك تستهلكه القوى بفكرة فرّق تسد، وإستكمال مشروع إفراغ لبنان والمشرق من مسيحييه. فالمسيحيون بصورة عامة يُذكِّرون اليهود بأنهم صلبوا السيد المسيح ، ويُذكِّرونهم بأنه لا يزال قائماً من بين الأموات ، ولديه أتباع تنادي بإسمه. فإنعكس كل ذلك سلباً على البقاء بفضل غياب المضمون الثقافي والروحي لفكرة الوجود المسيحي، لأن المضمون هو الذي يحدِّد الحضور، وباتت تلك الجماعة بلا دور وبلا مضمون، مكتفين بالصراخ والإحتجاج عبر أحزاب متناقضة متصارعة تتوسع يوماً بعد يوم المسافات بين كياناتها الفئوية المشرذمة، وتستغل أمية أنصارها؛ وأنا لا أعني بالأمية عدم الإلمام بالقراءة والكتابة للأتباع، بل الأمية المعرفية بالشأن السياسي، وهذه أشد الأميات فتكاً بالدول، والأمية بالمسيحية ومضمونها وقيمها.

تشتتهم هذا وتفككهم، جعل منهم "أجساماً لبِّيسة" من جانب الأطراف الأخرى، عرضة لكل تهكّم على حراكهم السياسي والإجتماعي، في حين، تقف حدود هذا التهكم عند الآخر السياسي غير المسيحي حتى ولو بالغ في أدائه السياسي السلبي، ولا تتآلف هذه الأحزاب قيد الذكر سوى على بناء مجتمع متصدّع، مهيأ لكل إختراق يلغي حضورهم السياسي السيادي.

 

ثقافة الحوار بدلاً من ثقافة العنف

المطلوب من الأحزاب المسيحية اللبنانية أن تعي خطورة عدم الإستخدام الإيجابي لمواقع التواصل الإجتماعي الذي يجرُّ إلى الكثير من المخاطر والفتن الأخلاقية والدخول الى مستنقع الأفكار الهدّامة، هذه المواقع التي هي في متناول كافة الأعمار وأكثرها شريحة الأفراد في سن الطفولة المتأخرة والمراهقين، بعدما كانت في الماضي الجريدة أو نشرات الأخبار حكراً على الكبار كوسائل إعلامية سياسية. إنها سلوكيات تعبىء الأجيال الصاعدة المسيحية على التشنُّجات والتفرقة، لا تخلو من الحقد والكراهية. وكلما ازدادت حدة التشرذم، كلما فقد المسيحي مكانته، دوره وحضوره. وكلما كان متحداً مع الآخر المسيحي ومؤمناً بفكرة المنافسة الديموقراطية، وترسيخها في ثقافته، كلما ساهم في تطوير هذا الحضور وترسيخ المكانة وسيادتها.

فما عليها سوى أن تتفادى الهاشتاغات التهكمية كردة فعلٍ بحق الآخر، مهما كانت حدة فعل هذا الآخر التي بادر بها، وأن تقوم بعملية تنشئة سياسية – إجتماعية (ليس فقط سياسية) عبر منسقياتها في المناطق اللبنانية كافة، تستند إلى ثقافة الحوار والمشاركة التي تؤدي الى تكوين إتجاهات إيجابية تجاه الموضوعات السياسية، لتحقيق التنمية السياسية من أجل الوصول إلى الديموقراطية المنشودة. ومن الناحية الإجتماعية، عليها أن تعمد إالى التثقيف والتعبئة عبر مفاهيم سياسية راقية تساهم بتبادل الحوار السياسي الراقي والذي ينعكس على كافة المحاور الإجتماعية الأخرى، ونبذ ثقافة العنف والنزاع ونشر الفوضى، وتقبل رأي الآخر المضاد بسلاسة، ومجابهته بردود هادئة مرنة تُحرج هذا اللآخر إلى حدّ الخجل من نفسه وفعله الهجومي.

 

 

ملاحظة: إن هذا المقال النقدي لا ينمّ عن عصبية كما يفهه البعض إنما كمحاولة منّا لمعالجة الجزء ضمن الكل عبر سياق الإتجاه الوظيفي، أي تجمّع المُكوِّن المسيحي كجزء من بنية الكيان اللبناني الكلّي.

  • باحثة لبنانية حائزة دكتوراه في علم الإجتماع السياسي من الجامعة اللبنانية