لم تكن زيارة قداسة البابا تواضروس الثاني في 10 شباط/فبراير الماضي إلى "مكتبة الإسكندرية" –بما تمثله من إرث حضاري ودور معاصر- مجرد زيارة عابرة يقوم بها بابا الكنيسة بدعوة من مدير المكتبة الدكتور مصطفى الفقي، ولكنها تأتي في سياق عام يعكس الدور المجتمعي التنويري الذي تضطلع به الكنيسة ممثلةً في شخص البابا عن طريق فعاليات ثقافية متنوعة ينظمها "المركز الثقافي القبطي" داخل البطريريكية، أو عن طريق المشاركة في الفعاليات الثقافية من ندوات ومؤتمرات بدعوات خاصة رسمية تأتي للأب البطريرك.

والحقيقة أن هذا الدور الوطني لا يقتصر على البابا تاوضروس البطريرك ال 118، ولكنه امتدادٌ لدور قام به ثمانية من أسلافه، وحلقة من حلقات مساهمات الكنيسة القبطية الوطنية في التاريخ الثقافي الحديث لمصر، والذي يمكن تأريخه منذ جلوس البابا "كيرلس الرابع" البطريرك ال 110 والملقب ب "أبي الإصلاح" على السدة المرقسية في العام 1853. ولتأصيل هذا الدور تاريخياً سيكون اعتمادنا الأساسي في هذا البحث على الكتاب القيّم المرجعي "التاريخ الثقافي لمصر الحديثة" الذي قام بتأليفه الدكتور "وائل إبراهيم الدسوقي" والصادر عن "الهيئة المصرية للكتاب" عام 2015.

 

البابا تواضروس في مكتبة الإسكندرية

خلال زيارته وَصفَ البابا تواضروس مكتبة الإسكندرية بأنها صرحٌ تفخر به مصر في العالم كله، وأنه دائما ما يُشير إليها في زياراته الخارجية، وأضافَ: "البيت الذي يخلو من مكتبة مثل الجسد الذي بلا روح" وأن "نهر النيل يبدو كشريط يمتد من الجنوب إلى الشمال ويجمع كل المصريين على ضفتيه، وهذه هي مصر الحاضنة للجميع". وأكَّد البابا أن الأقباط لهم إسهام مجتمعي مهم في مجال التعليم، وأنَّ مدارس الأقباط اتسعت لكل أبناء مصر ومنها تخرجت قيادات مصرية، وفي كل المشروعات التعليمية والصحية الأهلية المسيحية، ينتفع كل أبناء مصر منها. وتحدث البابا تواضروس عن أهمية القراءة باعتبارها مفتاح بناء الشخصية وتقدم المجتمع، مؤكدًا أن الإنسان الناجح يجب أن يتمتع بعقل منفتح مواكب للعصر، وقلب متسع حاضن لجميع الثقافات، وروح مطلعة وواعية.

كما أشاد بالدور المحوري والحيوي الذي تقوم به مكتبة الإسكندرية في حياة المصريين من خلال مبادراتها الثقافية وفعالياتها التي تعتبر بمثابة الحلقة الأهم في مشروع التنوير والتحديث الذي تحتاجه مصر بشدة من أجل القضاء على الفكر المتطرف، معتبرًا أنها ليست مجرد مكتبة وأنها "وزارة القراءة في مصر".

 

البابا شنودة الثالث الأديب المثقف

مثلما لا يختلف أي مصري -مسلماً كان أو مسيحياً- على وطنية البابا الراحل "شنوده الثالث" البطريرك السابق للبابا تواضروس الثاني، التي تجلت في مواقف كثيرة لا يتسع المجال هنا لذكرها، كذلك لا يختلف أي مثقف على أنه –وهو البطريرك الذي له مسؤوليات كنسية كبيرة- أحد أعمدة الثقافة المصرية في النصف الثاني من القرن العشرين.

كان البابا شنوده أديباً ضليعاً في الكتابة وشاعرا له قصائده الرائعة المنشوره، وخطيبا مفوها لا يُضاهيه أحد في مَلَكة اللغة والإلقاء، وكاتبا متميزا ألَّفَ ما يربو على المائة والأربعين كتابا، كما كان صحفيا يحمل عضوية نقابة الصحفيين وله عشرات المقالات المنشورة في كبريات الصحف القومية والخاصة المصرية، حيث كتب مقالات أسبوعية في صحف "الأهرام"، و"الجمهورية"، و"أخبار اليوم"، و"وطني"، بالإضافة إلى المقالات التى كانت تُنشر في مجلة الكرازة الناطقة باسم الكنيسة.

 كانت بداية علاقة نظير جيد "البابا شنودة الثالث"، بالصحافة عام 1947 عند صدور العدد الأول لمجلة "مدارس الأحد"، التي عمل مديرًا ثم رئيسًا لتحريرها حتى عام 1954، وقد منحت نقابة الصحفيين "الأنبا شنوده" عضوية النقابة عام 1966 وكان رقم عضويته "156"، أي قبل تنصيبه بطريركاً للكنيسة الأرثوذكسية بـخمس سنوات.

 كان للبابا شنوده الذي لُقب ب "بابا العرب" محاضرة تاريخية مهمة ألقاها بنقابة الصحفيين في 26 حزيران/ يونيو عام 1966، وكان موضوعها: "إسرائيل في نظر المسيحية"، حيث كان لهذه المحاضرة بالغ الأثر في تأكيد وتثبيت وتأصيل دور الكنيسة القبطية الداعم للقضية الفلسطينية، تلك المحاضرة التي أشاد بها "حافظ محمود" نقيب الصحفيين وقتها، وعقب بعدها "محمد حسنين هيكل" أنه لا يجد ما يقوله بعد ما قاله البابا شنوده.

 

الكنيسة القبطية وتاريخ العمل الأهلي الثقافي

يذكر مؤلف كتاب "التاريخ الثقافي لمصر الحديثة" في الفصل الثالث المعنون ب"الجمعيات الثقافية ذات الطابع الديني" صفحة 175، أن الكنيسة القبطية لم تكن منفصلةً عن الواقع الثقافي ودعوات رواد التنوير آنذاك بضرورة المساهمات الأهلية الدينية جنبا إلى جنب المساهمات الرسمية.

 حيث شجعت الكنيسة أبنائها بالانخراط في النشاطات الأهلية -وفي القلب منها النشاط التعليمي- الذي يصب في صالح المجتمع المصري ككل، وقد أكد الباحث في مستهل الفصل بأسبقية وفضل العمل الأهلي المسيحي ودوره الثقافي حيث تُصنف تاريخيا "الجمعية الأرثوذكسية الخيرية" التي تأسست عام 1860 بدمياط كأول جمعية أهلية تطوعية ذات صبغة دينية يكون لها دور مجتمعي ثقافي توعوي وتنويري. وأشار الكاتب إلى أن عهد "البابا كيرلس الرابع" القصير نسبياً 1854-1861 هو الأكثر تأثيرًا والبداية الحقيقية لنهضة الكنيسة تعليمياً وانعكاس ذلك على الحركة الثقافية المصرية الحديثة.

 

كيرلس الرابع أبو الإصلاح

ويستطرد المؤلف مثنياً على دور "البابا كيرلس الرابع" –الذي يُلقب ب "أبي الإصلاح"- في الحراك الثقافي والنهضة التعليمية في منتصف القرن الثامن عشر، حيث أنشأ "مدرسة الأقباط الكبرى" عام 1855 التي كانت تدرس اللغات التركية والفرنسية والإيطالية إلى جانب العربية، ومناهجها تضمنت التاريخ والرياضيات والجغرافيا والكيمياء والرسم والموسيقى.

وقد تخرجت منها شخصيات تبوأت أعلى المناصب الحكومية، مثل "بطرس غالي باشا" الذي وصل إلى منصب رئيس النظار "الوزراء"، و"عبد الحميد مصطفى باشا" وكيل الداخلية و"إسماعيل حسانين باشا" وكيل المعارف "التعليم". ويُعَد البابا "كيرلس الرابع" من "رواد حركة تعليم البنات" حيث كان له السبق في تأسيس أول مدرسة لتعليمهن وهي "مدرسة البنات القبطية" التي أُنشئت عام 1858 قبل "المدرسة السنية للبنات" التي أنشأها الخديوي إسماعيل" عام 1873.

 وكان للبطريرك دور كبير في نشر الثقافة العربية وطباعة مئات الكتب التي استفاد منها المصريين –مسلمين ومسيحيين- وذلك من خلال ادخال ثاني مطبعة في تاريخ الدولة المصرية بعد "المطبعة الأميرية" في عهد "الخديوي توفيق"، وقد استقبلها البابا والشمامسة بالطقوس والألحان الكنسية مبتهجين.

إن الدور الذي اضطلع به البابا كيرلس الرابع "أبو الإصلاح" في الحركة الثقافية/التنويرية/التعليمية على المستوى الكنسي والوطني لهو دورٌ رائدٌ ومُشرِّفٌ وتاريخيٌّ، فهل يُقدَّر للبابا الحالي تواضروس الثاني أن يحمِلَ مِشعَلِ الإصلاحِ والتنويرِ من يد "كيرلس الرابع"؟

 في دولةٍ بُحَّ صوتُ رئيسها من دعواته المتكررة لتجديد الخطابَيْن الديني والثقافي، ووطنٍ ضربته "متلازمة التسَلُّف والتخَلُّف"، ومجتمع أنهكته عدوى التزمت والإنغلاق، وجماعة كنسية أصابتها كُلُّ آفاتِ المُجتمَع المصري التي أشاعَهَا فيه بعضُ الغلاةِ ودعاةُ التشدد، وأسرَى الحرْفِ، وأصحابُ صكوكِ الإيمان.

  • ناشط حقوقي مصري يراسل "اليوم الثالث"