في ذكراك الواحدة والأربعين أيها القائد المغيب سماحة السيد موسى الصدر، إسمح لي أن أستحضر ذكريات، انما هذه المرة من الذاكرة للمسيحيين تحديداً... إنها سبعة محاورُ  نستعيد عرضها، لتبيان نخوة الإمام الفكرية والعملية، المنبثقة من قناعة إيمانية ووطنية حقّة، انضوت كلها تحت عنوان عريض: التعايش المسيحي-الإسلامي من أجل لبنان الجامع الموحَّد على قيم الحب والسلام والتلاقي...

 

الإمام والحوار الإسلامي - المسيحي

عام ١٩٦٥، وبالتعاون مع كلٍ من الأب يواكيم مبارك، الشيخ صبحي الصالح، الأب (المطران فيما بعد) جورج خضر، نصري سلهب، حسن صعب، الاب فرنسوا دوبره لاتور، اطلق الإمام الصدر باكورة حوارات متتالية تميزت بالموضوعية، والبعد كل البعد عن الحسابات الشخصية والطائفية الضيقة، نتج عنها وثيقة مشتركة شكلت نقطة البداية للحوار الإسلامي المسيحي، حددوا عبرها ضرورة تعليم الأديان في المدارس بشكل موضوعيّ، حيث تُعرِّفُ كلُّ مجموعةٍ عن ذاتها بدل أن يكون لكلٍّ منا صورةٌ عن الآخر مبنيةً على الأفكار المُسبقة أو الخاطئة، وإنشاء معهد جامعيّ للعناية بهذا الشأن. بذلك تتغلبُ المعرفةُ على الجهل، والانفتاحُ على التقوقع، والتفاعلُ على التباعد، والحوارُ على الصور النمطية؛ ذلك، حين أكّد الموقعون على الوثيقة "تلاقي الديانتين في ايمانهما بالله الواحد وبقيامهما معا على تعزيز قيم روحية ومبادىء خلقية مشتركة تصون كرامة الانسان وتعلن حقه في الحياة الفضلى، وتنهض بالارض وما عليها في محبة وسلام ووئام". كذلك اعلنوا "انهم لعلى يقين بأن لبنان هو الموطن المختار لمثل هذا الحوار المسيحي الاسلامي، وبأنه حين يجدد وعيه بتعاليم هاتين الرسالتين يسهم في تجديد طاقة الانسان الروحية وصونها". وتعاهد الرفاق امام الله على "تحقيق لقاء اخوي مستمر ينهلون خلاله من معين الديانتين العالميتين، وتعلم فيه كل فئة بتعاليم دينها جاهدة في تفهمها لما انطوت عليه الديانة الاخرى من عبر وعظات ونظم تقرب الإنسان من اخيه الانسان، وعلى توسيع نطاق هذا اللقاء حتى يضم العناصر التي تبدي استعدادها للإسهام في تركيزه وتعميمه، وعلى السعي الدائب لإزالة الحواجز التي نصبتها عوالم مفتعلة يبرأ منها دين الله الحق". 

تؤكد الوثيقة على أن الديانتين، الإسلامية والمسيحية، تتعدد فيها التعبيرات وربما تختلف في بعض النقاط، إنما في النهاية تؤمن بالله، كما أن الديانتين تعدان عالميتين، تتضمنان مجموعة قيم، تهدف الى تهذيب البشر وخدمتهم، وصون كرامة الإنسان وحقه في الحياة الفضلى، وتدعو الى نشر السلام والمحبة والوئام، كما لإعمار الأرض وصونها.

 

مقاربة الإمام التحليلية للقرآن والإنجيل

قارن العلّامة موسى الصدر بين ما ورد في الانجيل والقرآن، مبيناً اوجه الاتفاق بينهما. فيصوّب على غاية الانبياء، قائلاً: "التخلق بأخلاق الله، والوصول الى مقام خلافته في طريق ليس فيها فشل بل كلها نجاح".
ومن ابرز الآيات التي يقابلها الامام الصدر، هما الآية القرآنية: {ان الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (المائدة ،5 69)، والآية من الإنجيل المقدس: "ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبد ولا حر. ليس ذكر ولا انثى لأنكم جميعكم واحد في المسيح يسوع. فاذا كنتم للمسيح فانتم اذا نسل إبراهيم وورثة بحسب الموعد" (رسالة بولس الى اهل غلاطية، 28-29). ويختم الامام مقارناته بين الآيات معلقا: "طلب الرسل من الناس ان يتعارفوا وان يستبقوا الخيرات وان يكونوا كما اراد لهم ربهم (...) والحقيقة ان التفاوت في الرأي وفي الاديان من اهم اسباب الحركة الفكرية وعدم الجمود، ومن مستلزمات ظهور المواهب الذاتية". تعدد الاديان عند الامام، هو استباق لفعل الخير. كما اعتبر ان "من كان حراً من نفسه وأهوائه فلن تصطدم حريته مطلقاً حرية الآخرين". 

 

المسيح في فكر الإمام الصدر

يحتل السيد المسيح في فكر الامام موسى الصدر موقعاً متميزاً. إذ لم يتخذ المسيح صفة الجند، ولم يشهر سيفه، انما هو الثائر على النظم الظالمة، ومحرر الانسان من جمود المجتمع الديني، وهو، على مثال الحسين بن عليّ، شهيد الانسانية وفاديها، منادياً المسيح بأغلى وصفٍ عند المسيحيين لمسيحهم: "الفادي".
لم ينفتح الإمام فقط على محمده، إنما ألّم بالمسيح وإنجيله. فإستفاض في الحوار على المنابر سيداً حراً، مناقشاً في تعاليم ديانة إخوته في المواطنة، داعياً الى احترام التعددية وتقبل الآخر، ثائراً على الفكر الديني المتقوقع الجامد. وما وُجدت الأديان في حواراته إلا بهدف خدمة الانسان وكرامته. لهذا ينبغي العمل معا من اجل اعادة الاديان الى الهدف الذي من اجله وجدت، اي من اجل الانسان.

 

العلّامة ومسؤوليته الاجتماعية

آمن العلّامة بمبدأ التضامن لإنتاج عمل إنساني ناجح، وإلا لا يمكن تجزئة قيمة التضامن في العمل الإنساني . فترجم الصدر رسالته الإجتماعية بتأسيسه لحركة وطنية شاملة هي حركة المحرومين، مثلّت في بداياتها مختلف مكونات المجتمع اللبناني، ووقع على تأسيسها أيضاً رجال دين ومفكرون مسيحيون، انما أصبحت في ما بعد عنواناً لنضال الطائفة الشيعية وانخراطِها.

لم يميّز الصدر بين مسلم ومسيحي لدى تأديته لرسالته الإنسانية. بل جاهد من أجل كل فقيرٍ واستعادة الكرامة الإنسانية جمعاء.

 

الإمام والحرب

عندما اندلعت الحرب في لبنان، وتمَّ استهدافُ المواطنين المسيحيين في قرى بقاعية مختلفة، اعتصم الإمامُ موسى الصدر في مسجد العامليّة مُطلِقاً نداءَه الشهير: "إن كلَّ رصاصةٍ تُطلق على دير الأحمر والقاع وشليفا وأهلِها، تُطلق على صدري وأهلي ومحرابي".

وفي أحد أيام الجمعة، نزل الامام الصدر على الارض بعد الصلاة، وطلب من كافة المصّلين أكل البوظة عند البائع المسيحي، بعدما حرّم أحد رجال الدين الشيعة أكل المسلمين للبوظة من متجر مسيحي الطائفة. فإنتشر الخبر بين الناس، وتحطّمت تلك الفتوى التي لا تستند لا الى دين ولا علم أو إجتهاد.

رفض الإمامُ بهذا الكلام رفضاً قاطعاً كلَّ أشكال الحرب الأهلية من تباعدٍ واقتتال بين الإخوة في الوطن الواحد، وتلاقى برفضه هذا مع موقف بكركي وسيّدِها، ومع عددٍ من الذين ظلّوا مؤمنين بدور لبنان الرسالة، ووعى المؤامرة التي هدفت الى ضرب المسيحية المشرقية، فحارب من أجل بقائها راسخة في أرضها. في حين، تتبدل اليوم المعادلات في الشرق، وهجرة المسيحيين تتوالى في دول المشرق العربي (مصر، سوريا، العراق..)، وتتفاقم التحديات في لبنان.

الإمام في الكنيسة

في شباط 1975، أسابيع قبل بداية الحرب في لبنان، افتتح الإمامُ الصدر سلسلةَ «عظات» الصوم في كنيسة الآباء الكبّوشيين في وسط بيروت. ولم يتردّد هذا الإمام الكبير في الجلوس في خورس الكنيسة، تحت الصليب، متحدثاً لجمهور في غالبيته من المسيحيين عن قضايا الإيمان والقيم المشتركة، وهو مُدرِكٌ أنه يخاطب مؤمنين وإن اختلفوا في دينهم عنه. وأعلن حينها، "ان الاديان كانت واحدة، لأن المبدأ الذي هو الله واحد، والهدف الذي هو الانسان واحد، وعندما نسينا الهدف وإبتعدنا عن خدمة الانسان، نبذنا الله وإبتعد عنا، فأصبحنا فرقاً وطرائق قدداً"...

لَم يَخَفْ الإمامُ من الاختلاف، ولم يسأل ماذا سيقول عنه المسلمون وهو يتحدث في كنيسة... لقد عبر بموقفه هذا عن قبوله للاختلاف الديني وللوحدة في الإيمان بالله الواحد والقيم المشتركة في آن.

إن الوحدةَ في الإيمان أيها الكرام تنبع من قُدسية ما نعتقد به. فالإسلام واحد ولو تعدّدت مذاهبُه، وسماحة الإمام كان يفضّل في كلّ حال كلمة مذاهب على كلمة طوائف. فالرسالة منذ بداياتِها كانت جامعة، وكلَّ تطرّفٍ من هذا المذهب أو ذاك، وكلَّ تطرّفٍ يخالف في التاريخ هذا المنحى، إنما يصبُّ في غير وحدة المسلمين وفي خارج مصلحتهم. وينسحبُ الوضعُ عينُه على المسيحيين في التعاطي فيما بينهم كما في تعاملهم مع المسلمين في هذا الشرق والعالم بأسره.

الإمام في حاضرة الفاتيكان

عام 1976، حلّ الإمام الصدر زائراً في الفاتيكان للقاء البابا الذي تبرع بالمال للإمام الصدر دعماً لحركته، لكن الامام كان يتمشى في أحد الشوارع، فسأل عن كنيسة لم يتم إعمارها بالكامل، قيل له انها تنتظر جمع الاموال لإستكمال البناء، فأقدم على التبرع بالمال للكنيسة.

كان مسعاه يصبّ في إطار تقريب المسافات بين المسلمين والمسيحيين حتى في الغرب، كذلك بين الشرق والغرب. بينما نعايش اليوم ظاهرة الإسلاموفوبيا والآرابوفوبيا، لا بل تتفاقم حدتها نظراً لغياب رجالات تنتهج مسار الإمام في قضية الجمع والتلاقي على المحبة والتآلف.

 

ما أحوجنا اليوم إلى هامات وطنية كالإمام الصدر المُغيّب، تناضل من أجل هذه القيم، وتخوض مساراته في بعدها الإنساني والوطني الشامل، الأمر الذي يدفعنا اليوم كي نعي معاً مسؤوليتنا للعمل على تبيان القيم المشتركة التي نحن مؤتَمنون عليها، كمؤمنين مسيحيين ومسلمين، لإعادة توضيح الصورة بعد اعوجاجها على أرض الواقع، ونجعل من قضية الإنسان والإنسانية مجالاً للتعاون وتعزيز الوحدة والتضامن وحمل المسؤولية المشتركة أمام الله الواحد، أيضاً التأكيدِ على واجب حب الوطن والتعاون للدفاع عنه تجاه أي غريب، وارساء المواطنة ضمن عقد اجتماعي لبناني لا طائفي.

وتبقى أيها العلامة، السيد المُلهم للقضية اللبنانية في إطارها الرؤيوي الوطني... والذكريات معك ستُستعاد وتُستقرأ لنستنبط من خلالها رؤية وطنٍ أضحت حلماً بعيد التحقيق...

  • أستاذة جامعية لبنانية حائزة دكتوراه في علم الإجتماع السياسي