كلام كثير يقال ويثار هذه الأيام عن دور المسيحيين في المشرق وموقفهم مما حصل ويحصل، من حروب ونكبات، حولت هذا الشرق إلى ملعبٍ للدول الإقليمية، دفع ثمنها المسيحيون كما سكان المشرق عامة. مؤتمرات كثيرة نظمت تحت هذا العنوان العريض كان لي مشاركات في معظمها على مستوى الولايات المتحدة وأوروبا، وتبقى التحديات كبيرة وخطيرة أمام الوجود المسيحي المشرقي.

اذا أردنا الخوض في غمار الحرب السورية ونتائجها الكارثية على المسيحيين وبالإضافة الى الشرخ الاجتماعي الحاصل بين السوريين اليوم، والخراب والدمار اللذين طالا الممتلكات العامة والخاصة والانتشار الواسع للفقر والبؤس، يبرز شبح التغيرات الديموغرافية التي طالت المجتمع السوري بكافة أطيافه وخصوصاً المسيحي منها بفعل اللجوء أو التهجير القسري وغيرها من العوامل. قد يقول قائل إن المجتمع ككل عانى ويعاني من التغيير الديموغرافي وهذا واقع الخريطة السورية اليوم، ولكن عندما نتحدث عن المكون المسيحي بالنسب المئوية والأرقام فهذا بالطبع يعد مؤشراً خطيراً قياساً بالتعداد السكاني وما وصلت اليه الأمور اليوم من تناقص مخيف في التعداد المسيحي.

لقد أدت هذه الحرب إلى تغيّر ديموغرافي سريع نتج عنه إعادة تشكل الخارطة السكانية لسوريا من حيث توزع المسيحيين داخل البلاد وخارجها. أضف الى ذلك ارتفاع معدل الوفيات بفعل مجريات الحرب وتداعياتها على قطاعات الحياة المختلفة؛ فإلى جانب خسارة الأرواح البشرية جراء المعارك الطاحنة، فإن الحرب كانت كذلك سبباً غير مباشر في كثير من الوفيات، التي حدثت ولا تزال في سوريا.
ويبقى الملف الأكثر سخونة والحاضر بشدة اليوم هو زيادة أعداد السوريين اللاجئين إلى دول الجوار والمهاجرين نحو دول غربية. وقد تباينت الإحصائيات الأخيرة ولن أدخل في استعراض النسب المئوية المسجلة رسمياً لدى الهيئات والمؤسسات التي تعنى بهذه الملفات والتي تشير بمجملها الى كارثة انسانية على الصعيد المحلي والأقليمي. هذه النسب المخيفة من اللجوء والوفيات والكوارث طالت المكون السوري بكافة أطيافه وأحدثت خللاً في النسيج المسيحي الذي كان يعاني أصلاً من الهجرات والسفر لدواعٍ قتصادية أو دينية قبل نشوء الحرب فما بالك اليوم بعد تدهور الأوضاع الأقتصادية والأمنية داخل البلاد وانتشار الفوضى وتفشي الاصولية والفكر التكفيري. فلا بد أن فرص العودة أصبحت خجولة ان لم نقل معدومة وقد وثقت الكثير من الأحاديث لشبان مسيحيين هاجروا الى أوروربا وأميركا يؤكدون بها رفض العودة قطعياً الى البلاد.
 ولعل مأساوية التغيير الديموغرافي الجديد تكمن في تناقص نسبة الشباب على مساحة الوطن السوري كافة والمسيحي خاصة منذ بداية الحرب، المتمثلة في موجات الهجرة التي نشطت خلال السنوات السابقة، الأمر الذي يعني أن ثمة خللاً جوهرياً قد حدث في التركيبة العمرية للسكان (المسيحيين)، وهذا يعني بطبيعة الحال تراجع عدد الولادات لأسباب كثيرة مرتبطة بتداعيات الحرب، الأمر الذي سيؤدي إلى انحسار تدريجي لقاعدة الهرم السكاني (المسيحي) عمّا كان عليه قبل الحرب، ونتائج ذلك لن تظهر إلا بعد عدة سنوات، عندما تتراجع بجلاء نواة المجتمع السوري والفئة العمرية الشبابية.
وفي المقابل وبالعودة الى الوراء، عرف هذا الشرق غزوات وحروباً واستعماراً واحتلالاً، عاش خلالها المسيحيون معاناة واضطهاداً، لكنهم عرفوا كيف يصمدون في أرضهم، ويتحصنون في جبالهم ووديانهم ومنها خرجوا من بوتقة الجماعة المنغلقة على نفسها إلى فضاءات الكيانات الجامعة ورحاب الدول. وأمثلة التعايش كثيرة وقد ستمرت لعقود وقرون فهل يراد لهم اليوم أن يتلاشوا ؟ وهذه سوريا العظيمة ألم تكن أرض بولس الرسول وأرض كل الطوائف والمذاهب المسيحية ومرجعياتها الكنسية؟ أو ليست مركز أنطاكيا العظمى؟ بعض القوى المحلية والأقليمية تعمل جاهدة وللأسف الشديد على تغيير هذا الواقع التاريخي وتشويه هذه الجدارية المتجانسة وقد أقول إنهم نجحوا جزئياً في مخططهم ولكن تبقى الامال باعادة ما أنكسر فهل ننجح في رأب الصدع؟ وكيف ننجح وقد خلت البلاد من أغصان كرمتها ونواتها؟

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في اليوم الثالث