مشكلة الوجود المسيحي في  لبنان والمشرق ليست وليدة اليوم، وليست أزمة في حد ذاتها. بل هي مظهر من مظاهر أزمة المشرق منذ قرنٍ على الأقل.

وهي ليست المظهرَ الأكبر.

 

قد تكون هي القضية التي تمس وجدان مجتمعنا الأكثر، لكنها وجه لمظهر أكبر هو انهيار التركيبة التعددية للمجتمعات المشرقية من البصرة إلى أورشليم ومن الموصل إلى أنطاكية، بما فيها من اندثار للصابئة والأيزيديين وغيرهم وبهتان لتلاوين المذاهب والفرق الإسلامية السنية والشيعية المختلفة، لصالح أحاديات متناحرة متدامية.

أما الأزمة تعريفاً فهي في رأيي، عجز الكيانات الوليدة من ولايات السلطة العثمانية  - طوال القرن السابق وجراء عوامل داخلية وخارجية - عن تلمس أنظمة وضعية سياسية واقتصادية واجتماعية تشكل بديلاً من النظام العثماني (بما فيه من ترابط بين العامل الديني والامتيازات الاقتصادية والسياسية)، وتدعم بدائل اقتصادية مستدامة من انهيار المجتمع الزراعي، فتؤمن ما نعرفه بالمفهوم الليبرالي حرية الفرد وكرامته بحد ذاتهما دون وسائط.

 

بتعبير أدق، بعد انهيار السلطنة ورحيل الانتداب والاستعمار وتحوّل الناس تدريجياً عن الزراعة كمورد للرزق، عزفت أنظمتنا السياسية، علمانيّة كانت أم دينية، ديكتاتورية أحادية كانت أم ديكتاتورية توافقية، عن التنمية المستدامة واهتمت بالشعارات الكبرى، وعزفت عن قيمة الفرد بذاته لصالح الدغمائيات الفارغة. 

وأزمة المشرق هذه هي علة وجود لبنان بمكان ما والخطر الرئيسي على استمراره.

 

فلبنان ملجأ المضطهدين المؤقت لم يتحوّل بعد إلى وطن، لا بل بقي ممراً لهم باتجاه أوطان يرون فيها مستقرّهم النهائي. والأوطان في هذا المعرض هي الدول التي تؤمن العيش الكريم لسكانها والحرية لمعتقداتهم، سواء ارتضوا الإيمان أم لم "يهتدوا".

ومن هذا القبيل، وحفاظاً على ما تبقّى من تركيبة تعددية في المشرق ولبنان، لا بُدَّ من النضال في سبيل تطوير أنظمتنا السياسية كي تؤمن حقوق المواطنين، كل المواطنين وتكون فاعلة من جهة، وتضمن هواجس الفئات من جهة أخرى، ولا بدّ من النضال في سبيل أنظمة اقتصادية تؤمن الإنصاف الاجتماعي والتنمية المستدامة، لا في المدن فقط بل في الأرياف.

 

فلنتمعّن جيداً في التاريخ. صحيح أن العنف والقمع لعب دوراً في إضعاف تعددية مجتمعاتنا مرّات ومرّات، إلّا أن الرغيف كان أشدَّ على المنطقة ولبنان من وقع السيف أحياناً. وإنّا اليوم شاهدون.

  • عضو المكتب السياسي في حزب الكتائب ومستشار في شؤون الإدارة العامة