مرّ المسيحيّون إجمالاً والسريان خاصةً منذ فجر المسيحيّة بمراحل متعدّدة تباينت ما بين المؤلم والمعزي وما هو مدعاةٌ للافتخار.

 

الدور الحضاري للسريان

السريان بمعظمهم اليوم هم أحفاد الآراميّين بأسمائهم المتعدّدة الكنعانيّة والفينيقيّة وغيرها من التسميات، وهم شهودٌ على حضارةٍ امتدّت جذورها في عمق تاريخ هذا الشرق. كانت للسريان ما بعد السّيّد المسيح محطّات كثيرة قدّموا من خلالها الكثير من العطاءات للحضارة من العلم والثقافة والفكر. لم تخلو هذه الأزمنة من ليالٍ حالكةٍ تضرّحت بدماء الكثير من السريان بسبب الاضطهادات والمجازر التي حدثت تصفيةً لحسابات وحروب الدول خاصةً الجيوش القادمة من بعيد مثل التّتر والمغول والعثمانيّين وغيرهم. إنّ مجازر الإبادة السريانية سنة ١٩١٥ كانت الأقسى حيث قُضِيَ على ما يقارب ٦٥٪ من سريان السلطنة العثمانية المقيمين ضمن أراضي تركيا الحالية إلى جانب هجرة الآلاف الآخرين. قدّر عدد ضحايا هذه الإبادة بنصف مليون ناطق باللّغة السريانيّة. غيّرت هذه المجازر ديمغرافيّة المنطقة حيث قضى تحالف السلطنة العثمانيّة مع الأكراد والدعم الألماني على معظم مسيحيّي السلطنة. ابتدأت الفرمانات التي أمرت بالقتل والتدمير والتهجير بحسب ما كتب عصمت باشا وزير الحرب في السلطنة العثمانيّة إلى ولاة المنطقة الشّرقيّة من تركيا الحاليّة التي اختصرها بثلاث كلمات

 

يجب أن نعرف تاريخنا

"أُقتل دمّر احرق" ، بقتل الأرمن أولاً ثمّ طالت السّريان خاصةً وغيرهم من المسيحيّين، اليوم وبعد مرور أكثر من مئة عام على هذه الإبادة نقف من جديد على ذكرياتٍ مريرةٍ ليس لنبكي على الأطلال ولكن لنستفيد من عِبَر التاريخ ونطالب الدّول والشّعوب التي أقدمت على افتعال هذه الإبادة إلى التصالح مع تاريخها وإلى الاعتذار من أبناء بقايا السيوف ممّا ارتكبته من أهوال. إنّنا نحن المسيحيّين، ملتزمون بتعاليم رأس إيماننا ومعتقدنا الرّب يسوع المسيح بالغفران والمصالحة فلا ندعو ككنيسة يوماً أحداً إلى الحقد أو الكراهية ولكن نحن مدعوّون أيضاً لأن نكون أوفياء لدماء الشهداء وهذا الوفاء يكون بالحفاظ على ما أورثونا إيّاه من إيمان ومعتقدات وقيم وثقافة وفكر وكذلك بالمطالبة باعتراف الدّول خاصةً الدّولة التّركيّة وريثة السلطنة العثمانيّة لهذه المجازر. ولا ننسى أنّ الخلافات لا زالت قائمة بسبب مصادرة الدّولة لمساحات شاسعة من أراضي الكنائس والأديرة في منطقة طور عبدين جنوب شرق تركيا. إنّنا ندعو السريان اليوم خاصةً ومسيحيي هذا الشرق عامّةً إلى معرفة تاريخهم جيّداً حيث أنّهم شعبٌ أصيل في هذا الشرق وقد أعطوا وما يزالون يعطون هذه البلاد حضارةً وفكراً وقيماً قادرة أن توصل هذا الشرق إلى أهمّ دول العالم الحاضر.

إلى أبناء ضحايا مجازر الإبادة السريانية والمسيحيّة نقول:

إنّ الاضطهاد بكلّ أنواعه هو جزءٌ من مسيرتنا المسيحيّة لأنّنا شعوبٌ حرّةٌ تعشق الحريّة وتتمسّك بالحياة وتزهر وتثمر من جديد بعد كلّ شتاءٍ قارس، فنحن نحبّ الحياة لأنّنا أبناء الحياة وأبناء القيامة ونتطلّع دوماً إلى الأمام إلى الأفق البعيد إلى فوق، لا ننسى الماضي ولكن لا نبكي على الأطلال.

 

أين موقع السريان في النظام؟

لقد أثارت مجازر الإبادة السريانيّة والمسيحيّة موجة نزوح كبيرة خلطت أوراق الديمغرافيا فتوجّه الكثير من السّريان الّذين كانوا مقيمين في تركيا الحاليّة خلال المجازر للانتقال إلى مناطق في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين ومصر حيث كان يتواجد أقرباء أو أنسباء لهم التجؤوا إليهم، في لبنان مثلاً: قَدِمَ كثيرٌ من السّريان إبّان هذه المجازر إلى مناطق متعدّدة من هذا البلد العزيز حيث جاء السريان إلى زحلة والبقاع وإلى بيروت وراشيا وبلدات في جبل لبنان حيث وجدوا ملاذاً لدى إخوتهم السريان الذين كانوا موجودين وتفاعلوا مع إخوتهم السريان الموارنة الذين ذاقوا هم أيضاً مرارة الاضطهاد والمجاعة التي فرضتها السلطنة العثمانيّة والتي أودت بحياة حوالي أكثر من مئتي ألف سريانيّ مارونيّ. اجتمع الإخوة من جديد وإن كانوا دائماً  سويّةً عبر التاريخ ليبنوا لبنان الجديد يداً بيد مع كافة أبناء لبنان من سائر الطوائف. آلم السريان في لبنان الذين تسمّت معظم بلداته ومدنه وقراه باللّغة السريانية أن يُدعَوا فيه أقليّات وأن يحرمهم الدستور اللبناني من حق ممارسة دورهم في السياسة وإدارات الدولة وتحجيمهم، على الرغم من أنّهم قدّموا ويقدّمون الكثير لبلدهم لبنان. ولم يبخلوا حتى بالدماء فقدّموا أكثر من ألف شهيد خلال الحرب اللّبنانيّة. وعندما تمّ تقاسم المغانم أُبعدوا عن الساحة فشعروا بالاضطهاد من جديد يلاحقهم فهاجر كثيرٌ منهم إلى أوروبا وأمريكا الشماليّة، واليوم بهذه المناسبة ندعو جميع أبناء مجازر الإبادة السريانيّة والمسيحيّة في لبنان والشّرق إلى التّمسك بأوطانهم رغم معاناة الحروب الدّمويّة والاقتصاديّة التي مرّت وتمرّ بهذه الأوطان، كما ندعو الشركاء في الوطن اللبناني الغالي على قلوب السريان إلى إعطاء أبناء هذه الطائفة حقوق المواطنة الكاملة والالتزام بالميثاقيّة اللّبنانية التي تعطي الجميع حقوقهم خاصةً ونحن نعيش في عهد رئيسٍ قويّ مشرقيّ يعرف السريانَ جيّداً وهم أيضاً يعرفونه.

 

وفي الختام أودّ أن أشكر الرّابطة السّريانيّة رئيساً وأعضاءً على هذه الدّعوة وهذه المبادرة السّنويّة وهي الاحتفال بمجازر سيفو التي تحتفل به كلّ كنائسنا في كلّ أنحاء العالم ، كما أشكر للجميع حضوركم مصلّياً إلى اللّه ألّا تتكرّر مثل هذه الأحداث الأليمة ثانيةً.

  • ألقى مطران السريان الأرثوذكس في زحلة مار يوستينوس بولس سفر هذه الكلمة في الإحتفال الذي دعت إليه "الرابطة السريانية" في 19 حزيران 2019 في ذكرى مجازر "سيفو"