تنتاب المسيحيين في المشرق العربي وخاصة مسيحيي لبنان جملة هواجس، جرّاء سلسلة أحداث تاريخية متتالية، آخرها تداعيات الأزمة السورية ضمن سياق "الربيع العربي"، وما أفرزته من حركه نزوح سوري إجتاحت المناطق اللبنانية، وكانت قد سبقتها حركة نزوح فلسطيني مستمرة منذ النكبة عام 1948، حتى باتت مسألة تجنيس النازحين تتصدر اليوم لائحة الهواجس التي تؤرق المسيحيين اللبنانيين في بلدٍ قائم على التوازنات الديموغرافية.

 

البداية من مرسوم التجنيس 1994

من أخطر الطرق والمراسيم التي فاقمت مشكلة الخلل الديموغرافي على حساب المسيحيين، مرسوم التجنيس رقم 5247 الصادر في 20 حزيران 1994 في عهد رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري. تضاربت الآراء حول عدد المجنّسين، وتراوحت بين قائل بـ 150 ألف، إلى حدّ القائل بـ 400 ألف. وإذا أخذنا بتقرير وزير الداخلية السابق بالوكالة أحمد فتفت الذي قدّمه إلى "هيئة الحوار الوطني" في العام 2006، يعترف صراحة أن المرسوم شمل 203 آلاف مُجنَس. عدد المسلمين بلغ 159011، بينهم 118295 سني، فيما مجموع المسيحيين المجنّسين، بلغ عموماً 43516، بينهم 2725 مارونياً فقط (الأرقام صادرة عن وزارة الداخلية والبلديات). إذا سلّمنا جدلاً بصحة التقرير، فإن أكثر من 75% هم مسلمون، مقابل أقل من 25% منها من المسيحيين، وإن حوالي 77 بالمئة من المجنسين المسلمين عموماً، هم من الطائفة السنية.

مفاعيل مرسوم التجنيس رقم 5247، واحدة من الأسباب الرئيسية التي أفضت إلى الإنخفاض المُطرِد في تعداد المسيحيين. فبعدما سجّل عدد المسيحيين نسبة 45% من المجموع السكاني العام سنة 1992، إنخفض إلى 34,94% سنة 2009، مقابل إرتفاع نسبة المسلمين العامة (من 54% إلى 65,64%) رغم تصاعد معدّل الهجرة في صفوفهم تزامناً مع تلك الحقبة (60,6%).

أثار حينها موضوع التجنيس سلسلة من الإعتراضات لعدم مشروعيته، وبتأكيد واضح من رجال القانون على أنه يحق لرئيس الجمهورية أن يصدر قراراً بمنح الجنسية فردياً بعد دراسة كل ملف على حدة وعلى فترات متلاحقة من الزمن، وليس بشكل جماعي دفعة واحدة وضمن تاريخ واحد موحّد على الشكل الذي صدر فيه المرسوم 5247 دستورياً، لأن التجنيس الجماعي يقتضي تمريره على مجلس الحكومة أولاً بغية إقرار مشروع قانون بحقه ومن ثم قوننته من قبل مجلس النواب. بينما هذا المرسوم صدر بتوقيع رئيسي الجمهورية والحكومة والوزير المختص. والدستور اللبناني في المادة 65 واضح جداً في قضايا الجنسية التي تحتاج إلى ثلثي أصوات مجلس الوزراء، مما يجعل هذا المرسوم معرضاً للإبطال.

عليه، تقدَّمت الرابطة المارونية بمراجعة أمام مجلس شورى الدولة، طالبةً إبطاله، وذلك بهدف الرجوع عن القرارات التي منحت الجنسية اللبنانية لبعض الأشخاص من دون وجه حق. أيضاً وعت الرابطة مدى خطورة أبعاده على موقع ودور المسيحيين. وعلى الرغم من تقديم دلائل وقرائن على عدم مشروعية هذا القانون، إلاّ أنه استمر دون إبطاله على الرغم من صدور مراسيم أخرى لاحقة شكلية كسحب الجنسية من بعض الأشخاص ومن ثم إستردادها... الخ، وأبقى على إستمرارية تفاقم حدّة الخلل الديموغرافي لصالح المسلمين السنة تحديداً، أثبت نتائجه الإيجابية لصالح الطائفة المذكورة في الإنتخابات سواءً النيابية أو البلدية التي أجريت بعد إصداره، وما زال يفعل فعله حتى اليوم.

ولدى الإستفسار عن لاشرعية المرسوم من أحد نواب كتلة الحريري اليوم، إكتفى النائب بالرد التالي: " إعترى القانون عدة أخطاء، أبرزها تجنيس أُناس لا يعيشون على الأراضي اللبنانية. والوجود السوري هو الحاكم بأمر الله آنذاك الذي كان يفرض على الرئيس رفيق الحريري قراراته، فأمروا بتجنيس أعداد هائلة من السوريين كي يبقى لهم من يناصر سياستهم في لبنان".

هذا الإعتراف يؤكد على العديد من الجوانب اللاشرعية للمرسوم، ومفاعيل الوصاية السورية على تسهيل مجراه، مما شكّل ثنائية سنية لبنانية ووصاية سورية عمدت إلى تغيير التوازن الديموغرافي على حساب المسيحيين.

تبعات المرسوم، ولّدت اليوم تخوُّفاَ حقيقياً لدى المسيحيين من مسألة توطين مُبطنّة للنازحين الفلسطينيين والسوريين، في حال حصولها تدريجياً مستقبلاً، وما لها من تداعيات قد ثؤثر على وجودهم وإستمرارية بقائهم وما تبقّى لهم من حضور سيادي في الحكم.

 

التوطين الفلسطيني و"صفقة القرن"

واليوم تلوح في الأفق مسألة توطين الفلسطنيين (حوالي النصف مليون نازح) ضمن سياق "صفقة القرن" عبر بوابة مقررات مؤتمر البحرين الذي عرَّف بإسم "ورشة عمل السلام من أجل الإزدهار بهدف التشجيع على الإستثمار في الأراضي الفلسطينية"، ودعت إليه المنامة وواشنطن... فكيف لا، وبات الأمر ضرورة مُلِّحة لضمان أمن إسرائيل من جانب أميركا قبل إعلانها دولة الكبرى بعد ضم الجولان وإعلان القدس عاصمتها.

على الرغم من التصريحات الرافضة للتوطين من جانب كافة الطبقة الحاكمة في لبنان، إلا أن البعض المسيحي يرى أن ظاهر سياستهم يخفي بواطنها طالما أن قوى سياسية لبنانية لم تواجه منطق الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون الذي طالب سابقاً بحق عمل اللاجىء (وهو مصطلح يرفض تبنيه لبنان ويستبدله بنازح)، ويعتبرونه مشروع توطين. وهو يشكل ضرراً للمسيحيين طالما "الدولة المدنية" تبقى صعبة المنال، وما سبقه من قانون للتجنيس عام 1994، كلها من الطروحات التي تخلق مجالاً للشك.

أما عن عدم الرفض لموضوع المطالبة بحق العمل للنازحين، هو تصريح أُقِرَّ في بداية عام 2016 في ملف النازحين السوريين والعمالة السورية في مؤتمر أُجرِيَ في لندن الذي خُصَّص لموضوعين: التربية وإيجاد فرص عمل للنازحين السوريين، مع العلم أن قانون العمل اللبناني يحصر عمل السوريين تاريخياً في ثلاثة حقول هي الزراعة والبناء والبيئة.

إذ لفت يومها وزير العمل سجعان قزي عن خشية من أن يتحوّل النزوح إلى توطين مُقنّع، على "أن التوطين يحصل بطريقتين، إما عبر إستيطان الأرض أو إكتساب الجنسية، وما يُخيفنا هو إستيطان الأرض"، وجزم "بأننا سنواجه هذا المشروع دون حياء وبكل ما أوتينا من قوة"، واعتبر أن خطورة المشاريع المتعلقة بالنازحين أنها أشبه بالطعم، تبدأ بوظائف عادية لتصل إلى الفئة الأولى...

هذا فضلاً عن المساعدات السخية "نظرياً" من جانب المنظمات الدولية التي تهدف إلى إبقاء النازحين حيث هم. وقد أشار قزي إلى "أن المجتمع الدولي متآمر على كل الشرق الأوسط، ويبحث الأرقام والتنمية والمساعدات العينية ليُنسينا القضية الوجودية"، مضيفاً أن "الحرب طويلة وسيبقى النازحون لمدة طويلة، والدليل أن مؤتمر لندن قرّر مساعدات للعام 2020"، واعتبر قزي أنه بدلاً من أن ينصبَّ كل الجهد على بحث كيفية تثبيت السوريين، يجب أن يتم البحث في إعادتهم إلى سوريا، عبر إقامة مناطق عازلة".

كما أشار إلى ما حصل من حرق ممنهج لكل وثائق الأحوال الشخصية ووثائق السجلات العقارية من جانب الإدارة السورية الحاكمة، هذا فضلاً عن إصدار النظام السوري قانون رقم 10 في 2 نيسان عام 2018، ينبه من خلاله كل مواطن سوري بأنه في حال لم يتقدم باوراق ثبوثية تُثبت ملكيته، تعود ملكية العقار للقرية أو المدينة أو الناحية الواقع فيها العقار أي للدولة.

 

هذه المعطيات غيض من فيض، وقد شكلّت بمجملها هاجس التوطين لأهداف سياسية إنتخابية تتعلق بإستثمار وتوظيف الأكثرية العددية سكانياً لمصلحة طوائف غير مسيحية بالرغم من مبدأ "المناصفة" و"التساوي" المكرًّسين في الدستور، ومخافة من إحداث خلل مضاعف في التوازنات السكانية على حساب المسيحيين، نتيجة الانخفاض المطرد في أعدادهم، لأن نسبة كثافتهم العامة الحالية وفقاً للدراسات الخاصة (آخر إحصاء رسمي سنة 1932) إنخفضت إلى ما دون الـ 38% من إجمالي عدد سكان لبنان، بعد أن تخطت الـ 51% قبل منتصف القرن الماضي.

  • باحثة حائزة دكتوراه في علم الإجتماع السياسي من الجامعة اللبنانية