هل المقصود هو محو الحضارة السريانية وتهديد السريان الذين يشكلون نواة اصيلة تاريخية في بلاد الشام والعراق وكامل جنوب تركيا؟ أسئلة مشروعة تستوقف كل من يتابع أحداث التفجيرات الاخيرة في القامشلي وكل ما شهدته هذه المنطقة في سنوات الحرب السورية... ولكن هل من جواب يشفي غليل السائل؟!

مما لا شك فيه أن المذابح بحق السريان والكلدان والأشوريين والأرمن واليونانيين الأرثوذكس أبادت الملايين وشرّدت وهجّرت عشرات الملايين في القرن الماضي. لكن لماذا تتكرر الآن عمليات استهداف مسيحيي الجزيرة والسريان وفي هذا التوقيت بالذات بعد ان بدأت الحرب السورية بوضع أوزارها أو هكذا تشير المعطيات على الأرض؟

السؤال المفصلي حين تُستهدف كنائس القامشلي اليوم فمن هو المستفيد الأكبر؟

سمعنا ونسمع الكثير عن المصالحة الوطنية وبأنها حاجة ملحة لدرء الصدع داخل النسيج السوري واعادة اللحمة الوطنية، لكن عن أي مصالحة نتحدث؟ بالطبع هذه المصالحات تلجأ إلى تسويات وسطية تحقق من خلالها بعض أهدافها وتعترف للطرف الآخر ببعض أهدافه، مقابل خروجها من دائرة العنف العبثي وتقليص المخاطر الوجودية على بيئتها.

ويُشترط في تحقيق هذا الأمر توجه جميع الأطراف بنية صادقة وغير مخادعة نحو المصالحة على إعتبار أنها مشروع وطني حيوي، ومن أهم شروطها الاعتراف بتعددية المصالح المجتمعية وتعددية تمثيلها الفكري والسياسي والاجتماعية والثقافية، ولكن للاسف الشديد ما يحصل على الأرض السورية اليوم لا يجعلنا نتفاءل كثيراً لأن هناك صورة ظلامية وهذه الصورة القاتمة لا تقتصر على جهات خارجية تمول وتخطط بل تقف وراءها أياد سورية أيضاً!!

ومن المؤكد أن الشعور بعدم الأمن قد تطور بين المسيحيين في سوريا في ظل الحرب وتداعياتها وما تركته من مفاعيل سلبية نحناج الى سنوات وسنوات لتجاوزها وخصوصاُ أن مستقبلهم في المنطقة تحت التهديد.

 

وبطبيعة الحال لا يخفى على أحد كم هي مكلفة وكارثية على الجميع نتائج الحروب والصراعات وعلى الأخص الحرب السورية بكل تداعياتها والاطراف المتعددة التي شاركت في صنعها، وبالأخص الجانب التكفيري المتطرف بأبعاده السياسية وبخلفياته الطائفية والعرقية والمذهبية ومفاعيلها المختلفة.

 

الأدوات القذرة

إنَّ استهداف كنيسة السيدة العذراء بالأمس وسط القامشلي بسيارة مفخخة، هي إحدى أدوات هذه الحرب السورية القذرة. فعندما يُستهدف مسيحيو القامشلي في كنائسهم ومن غير أن يكونوا طرفاً في الحرب السورية، يطرح الكثير من علامات الإستفهام والتساؤلات حول الجهة التي استهدفت الكنيسة وأهدافها الخفية بطبيعة الحال وفي هذه الفترة الحرجة تحديداً من عمر الحرب السورية التي تأملنا نهايتها القريبة بعيون شاخصة. الغريب في الموضوع أنه لم يسبق أن استهدفت الكنائس علناً في القامشلي ومدن الجزيرة السورية عموماً طيلة سنوات الحرب وخصوصاً في سلسلة التفجيرات الارهابية، التي طالت الأحياء المسيحية في القامشلي نهاية عام 2015 وبداية عام 2016. لم تُستهدف الكنائس بصورة صارخة كما حدث مؤخراً. فلماذا اليوم وفي هذه الفترة الحرجة من احتضار هذه الحرب القذرة؟ وبنظرة سريعة نجد بأن حي "الوسطى" ذات الغالبية المسيحية في قلب مدينة القامشلي، هو من ضمن المناطق المتنازع عليها سياسياً بين المسيحيين في المنطقة و ما يسمى بالادارة الذاتية الكردية ومن هنا يُخشى أن يقع مسيحيو القامشلي والجزيرة السورية عموماً ضحية هذا الصراع.. تجدر الاشارة هنا، الى أن كنيسة العذراء، التي اُستهدفت هي ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الحماية السريانية المسيحية "السوتورو".

 

الرسائل المفخخة للمسيحيين

ان استهداف كبرى كنائس السريان، بسيارة مفخخة وفي وضح النهار وهي مكتظة بالمصلين ليس بالعمل العابر، بل يحمل في طياته الكثير من الرسائل بعضها واضح المعالم وبعضها خفي وهي بمجملها رسائل محلية وخارجية بالطبع فان الرسالة الأهم والتي لا تقبل التأويل هي لمسيحيي القامشلي والجزيرة السورية وهم بغالبتهم من السريان الآشوريين وهذا طبعاً تهديد صريح وصارخ وهو أن فتيل الحرب لا يزال بأيدي أطراف محلية وأقليمية. وبلمحة سريعة لتداخلات الحرب السورية واليد الخارجية فيها ووجود أكثر من ميليشيا مسلحة على الأرض ومع ووجود جماعات تكفيرية ارهابية، فإن جميع التساؤلات تبقى مشروعة في ظل هذا السيناريو العبثي. فعندما يتداخل الملف التكفيري مع الأجندات السياسية الخارجية والأقليمية علينا أن نتوقع الأسوأ والأهم هو السؤال الذي ما زال يردده الكثيرون طمعاً في جواب يشفي غليل من طحنتهم الحرب الدنيئة: هل أننا بالفعل نشهد نهاية واحتضار لهذه المؤامرة الكونية أو أننا أمام لوحة عبثية أخطبوطية قد تأخذ اشكالاً ومسميات جديدة بحسب ما تقتضي حاجة الأطراف اللاعبة على الأرض؟!

 

النخب التي جرفتها الحرب

لطالما كنت أعول على النخبة وأبحث في زوايا عقلي عن هذه النخبة وأين يمكن أن تكون، وخصوصاً بين المسيحيين في بلدي. فالنخب الحالية في مجملها جرفتها رياح الحرب إلى خارج البلاد كما جرفت الجميع. ولقد ساهم البعض للأسف الشديد من هذه النخب وانا لا أعمم، ربما عن جهل أو تضليل، في صياغة وعي جمعي مشوش ومغلوط عن واقعهم وواقع عما يحدث في الداخل، وكلما كانت تشتد الحرب كان الشرخ يزداد عمقًا وتشعباً. وانكفأ الناس، بعد انقسامهم، على مصادر بعض المحطات الاخبارية يستقون الخبر من الصور والمشاهد التي تقدمها ويرسمون صورة الواقع، ومن خلال المحللين الذين تسوقهم الفضائيات والمواقع فيكوّنون الرأي والموقف حيال ما يحدث، بينما الصدور تزداد غلاًّ والعودة الى القبيلة أو العشيرة أو الطائفة أو المذهب تتصاعد، ومع كل هذا يتصاعد الإيمان باحتكار الحقيقة وامتلاك الوطن والوطنية، بينما الحقيقة في مكان آخر والعالم مجتمعاً يشترك في صياغة مصير سوريا المفجوعة.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث"