استفاقت قرية اليعقوبية وجوارها في إدلب الأسبوع الماضي على وقع جريمة شنيعة كانت ضحيتها مدرّسة فيها، لتعيد الرعب والذعر إلى نفوس من تبقى من سكانها المسيحيين بعد أشهر من "الأمان الممزوج بالخوف" تحت حكم مسلحي جبهة "النصرة" والفصائل التكفيرية المتحالفة معها.

ولم تشفع سنوات السورية الأرمنية سوزان دير كريكور الستون لدى قاتليها، وهي التي قضت معظمها في تدريس أطفال منطقتها، كما لم تحل عذريتها دون تعرضها للاغتصاب لساعات متواصلة ومن ثم تعذيبها فقتلها رجماً.

 

"لقد كانت إنسانة خلوقة، محبة، مؤمنة، بقيت في اليعقوبية تتابع الاعتناء بأرضها التي أحبتها، وتعطي دروسا مجانية لأبناء قريتها والقنية والجديدة"، يقول أحد سكان المنطقة راجياً عدم ذكر إسمه، خشية لقاء المصير ذاته. وأضاف أنها "كانت تؤمن بأن بقائها في بيتها وأرضها سيشكل دافعاً وأملاً للمهجرين للعودة إلى قريتهم والحفاظ على ممتلكاتهم".

واليعقوبية هي إحدى القرى المسيحية الثلاث التابعة لجسر الشغور في إدلب (بالاضافة للقنية والجديدة)، التي رزحت تحت حكم المسلحين التكفيريين بعد سيطرة جبهة "النصرة" وأخواتها على ريف ادلب.

"مع وصول الغرباء وانضمام عدد من أبناء القرى المجاورة لهم"، يروي المصدر ذاته أنه "بدأت عمليات الخطف والقتل والنهب والاستيلاء على بيوتنا وأرزاقنا فانطلقت قوافل الهجرة من القرى الثلاثة في اتجاه مدينتي حلب واللاذقية ولم يبقَ فيها سوى العجزة من الرجال والنساء، الذين لم يسلموا من القتل والتنكيل أيضاً".

وبحسب الأرقام التي حصلنا عليها بمساعدة مهجرين من القرى الثلاثة، فقد سكنت اليعقوبية قبل الازمة ما يقارب الـ 150 عائلة من السوريين الأرمن موزعين على طائفتين: الأرمن الأرثوذكس الذين لم يبق منهم سوى 12 شخصاً قبل مقتل المدرسة سوزان (6 عائلات)، واللاتين الكاثوليك (30 عائلة)، فيما تقطن ما يقارب 80 عائلة مسيحية في القنية اليوم ومثلها تقريباً في الجديدة.

وتروي السيدة ألين، إحدى المهجرات من اليعقوبية إلى اللاذقية، بعينين غارقتين في الدموع ذكرياتها الجميلة "في تلك القطعة من الجنة" وعن "رائحة الأرض التي لا تزال زكية تتذوقها مع كل شهيق، وجلسات السمر في ليالي الشتاء القارس حول مدفئة الحطب". ثم تسكت لبرهة، فتنهمر دموعها بغزارة: "استقبلنا رأس سنة 2017 بخبر ذبح خالي رزق الله حايك الذي توفي على الفور وزوجته ماري خيجو التي أسلمت روحها بعد أن ظلت تنزف لأكثر من يومين في حمام منزلها، فكانت تلك جريمة الذبح السادسة بحق مدنيين مساكين من اليعقوبية، كما شهدت الجديدة بالتزامن 6 جرائم ذبح مماثلة مقابل ذبح شاب من سكان القنية، فأصبح قتلُنا ذبحاً هواية يومية بالنسبة لهؤلاء".

ويتدخل زوجها، أفو أوهان رئيس لجنة كنيسة القديسة آنا للأرمن الأرثوذكس في اليعقوبية سعياً لانتشال زوجته الغارقة في النحيب ليشرح أن "من بقي في القرى الثلاثة اليوم هم من العجزة المسالمين والمتمسكين ببيوتهم وأراضيهم المشجرة بالزيتون والمزروعة بالخضار، وهؤلاء لم يكونوا يوماً عدائيين ولا يملكون وسيلة للدفاع عن أنفسهم أمام أي خطر مستقبلي سوى إيمانهم بربهم الذي.." ويصمت هو الآخر، فإيمانه وسنوات خدمته الطويلة للكنيسة تمنعه من اكمال جملته "فالرب لا يخذل عباده".

 

اكتشاف الجريمة الفظيعة

هكذا كانت قناعة سوزان أيضاً، فهي تعلمت بأن الرب مع أبنائه المؤمنين دائماً، وعلمته بدورها لأطفالها في مدرسة اليقظة الخاصة "فيراتسنونت بالأرمنية" في اليعقوبية والمدارس الحكومية الأخرى في المنطقة والتي تنقلت عبر منابرها.

صباح الإثنين 8 تموز غابت سوزان على غير عادتها عن القداس الصباحي، "ربما كانت مرهقة أو زكاماً أصابها"، قال البعض. لكن غيابها عن قداس اليوم التالي أيضاً أقلق أبناء القرية المعدودين، فالمكروه هو الوحيد الذي يغيب المدرِّسة الستينية يومين متتالين". ومع انتهاء القداس توجه الجمع المعدود على أصابع اليد الواحدة إلى منزلها ليتفاجئوا بالمشهد "لم تكن سوزان في المنزل المنهوب".

"بدأنا بالبحث عنها" يقول أحد العجزة المقيمين في احدى القرى الثلاث. و"لم تستغرق العملية طويلاً، فما إن وصلنا إلى أرضها، فكانت الصدمة". فقد وجدت المدرّسة بالقرب من أرضها، تسبح في دمها عارية، ولا شيئ يغطي جسدها سوى بقع سوداء كثيفة ناتجة عن حروق بالسجائر".

ونقلت جثة سوزان إلى طبابة "النصرة" الشرعية في ادلب فكانت المفاجأة الأكثر بشاعة وقذارة "فارقت الآنسة العذراء طوال ستون عاماً حياتها رجماً بالحجارة بعد حفلة اغتصاب جماعية بدءاً من ساعات مساء الاثنين حتى فجر اليوم التالي".

 

"سأشتكي إلى النبي محمد"

بالكثير من الأسى ونبرة خافتة يقول القِس وازكين كوشكريان المقيم في اللاذقية "سأشتكي لرسول الله محمد يوماً ما فعل بعض أتباعه الضالين التائهين بتلك القديسة، التي حرصت على تعليم الأطفال لغته ولغة كتاب الله".

ويقاطعه أفو قائلاً "على الرغم من قساوة ما تعرضنا له من نهب وقتل لا يمت للمفاهيم الانسانية بصلة، إلا أنني لم أفقد الأمل يوماً بالعودة، فنحن وأبناء الجانودية والملند والحمامة وزرزور جيران منذ القدم ولن يغير الدخلاء من ذلك مهما عظم إجرامهم".

 

رحلت سوزان بصمت تاركة جرحاً نازفاً لدى كل من عرفها يوماً، "فكل من عرفها أحبها"، ودفنت في التراب الذي سالت عليه دمائها مرتين.

فهل وضعت عيناها في عيني أحد مغتصبيها فتذكرت بريقها؟ ذاك البريق الذي كان يرقبها وهي تخط لغة الضاد على اللوح المتصدع؟ ربما...

  • صحافي سوري يراسل "اليوم الثالث"