تختلف عناوين الاجراءات المتخذة من الاحتلال الاسرائيلي اتجاه الشعب الفلسطيني، لكنها ضمن توصيف واحد هو سحب الارض من تحت أقدام الشعب، إن باقتطاع الاراضي وتقسيمها، بتهجير الناس وقتلهم، وصولاً إلى مصادرة الاملاك والعقارات. هي صفقات افراغ القضية من كل مكوناتها الجغرافية والبشرية.

 

الاملاك من العرب إلى اليونانيين: مبدأ الرشوة

مع ازدياد الحديث عن بيع البطريرك اليوناني ثيوفيلوس عقارات تابعة للاوقاف المسيحية الفلسطينية، يطرح معه تساؤل عن سبب إدارة الاوقاف من قبل الكنيسة اليونانية وليس العربية. في هذا الإطار يصف الباحث الفلسطيني أليف الصباغ لليوم الثالث السياق التاريخي للمسألة، فيقول إنه في "عام 1534 انقلب الرهبان اليونان بقيادة البطريرك جرمانوس الذي عين بطريركاً بدعم من السلطة العثمانية الجديدة في فلسطين في البطركية المقدسية، على أخوانهم العرب وتم استبدال المطارنة العرب بمطارنة يونانيين حتى اصبحت البطريركية والمجمع المقدس في أيدي اليونان وحدهم. وأضاف أن "الرهبان اليونان أنشأوا مؤسسة "أخوية القبر المقدس" من الرهبان اليونان فقط، ووضعوا لها دستورا يعتبر الاموال المنقولة وغير المنقولة من الاوقاف الكنسية الارثوذكسية والمقدسات جميعهاً ملكاً للأمة اليونانية دون غيرها، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم يعتمد البطاركة اليونان أسلوب الرشوة للحكام السياسيين من اجل المحافظة على هذا الانجاز، وهم يعترفون بتقديم الرشاوى على مر التاريخ ".

ويشير أليف صباغ إلى الادعاء والصيغة القانونية التي يعتمد عليها في بيع الاملاك، فيقول "إنهم يدعون أحيانا أن هذه العقارات هي ملك شخصي للرهبان اليونان وليست اوقافاً، وفي حالة أخرى يدعون عدم قدرتهم على مواجهة المحتل ويستعينون بجهات فلسطينية واردنية للحصول على شرعية البيع وقبض الثمن مع العلم ان القانون الاردني رقم 27 لعام 1958 قد اعطى البطريرك حرية التصرف بالاملاك خلافا لقوانين الرسل المقدسة التي تعتبر الاملاك كلها اوقافا و(ملكا لله) وغير قابلة للبيع ". ويرى أنهم "يكذبون ويضللون الرأي العام بادعاء أنهم انتصروا على الصهاينة عندما يقبضون ثمنا زهيداً قبل ان تقوم سلطات الاحتلال بمصادرتها من دون دفع ثمنها، وهذا الادعاء كاذب من أساسه وهو يشكل تغطية مفضوحة لممارساتهم الفاسد ".

 

من القدس إلى جزر الكاريبي

تزداد التقارير الصادرة من الكنيسة الارثوذكسية في فلسطين عن الاراضي والاوقاف التي تم بيعها من قبل البطريرك اليوناني لسلطات الاحتلال، مع بدأ التسريبات عن بيع الاوقاف في منطقة باب الخليل في القدس، والتي تشكل المدخل نحو كنيسة القيامة، وغيرها من الاوقاف المسيحية في المدينة في عملية تغيير هوية القدس التاريخية وتهويدها بشكل كامل.

ويوضح الباحث الفلسطيني أنه خلال فترة ترؤسه الكرسي البطريركي قام ثيوفيلوس ببيع آلاف الدونمات وعشرات البنايات بيعاً مطلقاً بعد أن كانت مؤجرة لمدة 99 سنة أو 49 سنة على أيدي بطاركة يونانيين سابقين، الى شركات صهيونية مسجلة في جزر الكاريبي. ويشير إلى المناطق التي تم البيع فيها فيقول "منها في القدس الغربية مثل رحافيا والطالبية ومنها في القدس الشرقية نيكوفوريا والشيخ جراح ، ومنها في الناصرة (جبل قصر المطران) وفي قيساريا واللد والرملة ويافا وطبريا واماكن اخرى، حتى وصلت الصفقات الى البلدة القديمة في القدس، اذ تم تأجير، بالإحتكار طويل الامد (لمدة 99 سنة مع تمديد ل 99 سنة اخرى)، عقارات مثل ساحة سلوان ودير مار يعقوب وبيت المعظمية في باب حطة وفندقي بترا وامبريال، بأسعار زهيدة لا تصل الى 5% من قيمتها الحقيقية، الامر الذي أثار حيرة قضاة المحكمة العليا ايضاً! "

التقارب بين البطاركة اليونانيين والاسرائيليين قائم منذ نهاية العهد العثماني، يشير صباغ، مروراً بسلطة الانتداب والسلطة الاردنية والاسرائيلية، باعتبار ان الطرفين يواجهان عدواً واحداً هو الشعب الفلسطيني وابناء الكنيسة الارثوذكسية بالذات. ويلفت إلى أنه "تزايد التنسيق بين الطرفين مع إنشاء السلطة الفلسطينية اذا اعتبر الطرفان ان السلطة ستعمل على تعريب البطريركية وتسليم السلطة على الاوقاف الى ابناء الكنيسة العرب، وبالتالي سيحرم اليونان منها وتحرّم على الاسرائيليين".

عملية تهريب الاوقاف لتصبح تحت يد الاحتلال تتم عبر وسيط بين الكنيسة اليونانية والشركات الاسرائيلية، ويوضح صباغ العملية بأنه "يتم اللجوء الى طرف ثالث للبيع حتى لا يدعي العرب أن الرهبان اليونان يبعيون الى الحكومة الاسرائيلية، وتستفيد حكومة اسرائيل من ذلك بأنها لا توقِّع على صفقات مشبوهة مع جهات غير مخولة بالبيع، أما الاطراف الثالثة فهي مستفيدة مادية من هذا الصفقات ومنها من يبيعها من جديدة بعشرات اضعاف ما دفعه من ثمن. وعلى سبيل المثال، باع ثيوفيلوس سوق الير في يافا بمبلغ 1.5 مليون دولار ثم باعه المشتري الى طرف آخر بمبلغ 70 مليون دولار".

 

صفقة القرن

قد تختلف تسميات اطراف الصفقات ولكن يبقى الجوهر واحد. وتشير مصادر كنسية فلسطينية إلى أن ما يتم التحضير له والاعداد من قبل انعقاد ورشة المنامة في البحرين إلى ما بعدها يأتي ضمن سياق واحد من تهويد القدس واعلان قومية "الدولة الاسرائيلية اليهودية"، من خطة الادارة الاميركية لتهجير الفلسطينيين بتغيير ديموغرافي نحو الاردن وسيناء في مصر. وتعتبر المصادر الكنسية الفلسطينية أنه لا يمكن أن نفصل هذا المسار عن تهجير المسيحيين من بيوتهم وأرضهم، وتشير إلى أنه قد يكون الموقف الموحد للفصائل الفلسطينية يعطي قوة أكبر في مواجهة المخطط، لكن الطعنة الاكبر تأتي من بعض الانظمة العربية التي تشارك في الصفقة، التي يصفها البعض بأنها ولدت ميتة لعدم القدرة على تنفيذها وربما حتى إدراك الادارة الاميركية لهذا الامر، ف"الخطورة تكمن أنه مع أنها ميتة ولكنها تحيا وتتنفس بسبب الاموال العربية".

  • صحافي سوري يراسل "اليوم الثالث"