هل الدستور السوري الجديد يتصف بالعنصرية؟ لطالما انتظر السوريون دستور البلاد الجديد وتسكنهم الأمنيات بالتغيير وترسيخ مفهوم المواطنة الصحيح من خلال تطبيق مبدأ العلمانية الذي يفصل السياسة عن الدين، ولكن يبدو أن هذه الأمنيات سوف تبقى حبراً على ورق.

إن الدستور هو القانون الأساسي الذي يحدد شكل النظام السياسي ويحكم سلوك الدولة على أساس المبادئ المترسخة التي توافق عليها المجتمع من خلال عقد اجتماعي بين مختلف المكونات المجتمعية، وآخر سياسي بين الدولة والمجتمع.

إشكاليات الشريعة الإسلامية ومفهومي الأكثرية والأقلية

ولعل من أبرز هذه المواد المثيرة للجدل عبارة "الاسلام هو دين رئيس الدولة" وان الشريعة الاسلامية مصدر أساسي للتشريع في البلاد. هذا يعني التهميش السياسي للمسيحيين السوريين والانتقاص من حقوقهم في المواطنة الكاملة والنيل من مكانتهم الوطنية، كما أن هذه المواد الطائفية العنصرية من شأنها أن تُطيح ببناء دولة مواطنة تتصف بالمدنية والديمقراطية دولة عدالة ومساواة. في الحقيقة ليس هناك تعريفٌ قانوني متفّق عليه لكلمة "أقلية" في الدساتير الدولية، حيث تعترف بعض الدول بصورة فردية بطيفٍ واسع من المجموعات المحلية على أنها أقليات وذلك على أساس خصائصَ عرقية وثقافية ودينية أو لغوية مشتركة، وعادةً ما تكون هذه المجموعات غير مهيمنة كأغلبية في مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية أو الثقافية.
وتكمن صعوبة التوصّل إلى تعريفٍ يكون مقبولاً على نطاقٍ واسع في تعدّد المواقف التي تعيشها الأقليات وخصوصاً المكون المسيحي، مع التحفظ على لفظ أقلية لما يحمل في طياته من انتقاص صريح للمواطنة الصحيحة، فالبعض منهم يعيش في مناطق محدّدة منفصلة عن الجزء الأكبر المهيمن من السكان، في حين تنتشر مجموعاتٍ أخرى في كل أرجاء البلاد.
وتتمتع بعض الأقليات بشعورٍ قوي بالهوية الجماعية والتاريخ المسجّل، أما غيرها فلا تحتفظ سوى بفكرة مجزأة عن تراثها المشترك. كما يشير إعلان الأمم المتحدة للأقليات على أساس الهوية القومية أو الإثنية والثقافية والدينية واللغوية، بواجب الدول حماية وجود هذه الأقلّيات، فهذا لا يصح في حالة "السوريين المسيحيين" الذين يعتبرون أهل الأرض والركن الأساس في تكوينها وازدهار ثقافتها، لذلك فإن أي حديث عن اقليات وأكثرية يعتبر انتقاصاً من مواطنتهم وحقوقهم السياسية والدستورية، فعن أي سوريا المستقبل نتحدث هنا في ظل تمييز واضح وصريح؟

بالإضافة إلى ذلك، تردُ أحكاماً في معاهدات حقوق الإنسان تحظِّر التمييز على أساس ذات صلة بالأقليّات، ويُعتبر مبدأ عدم التمييز والمساواة أمام القانون من المبادئ الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويُحظر مبدأ عدم التمييز أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني، ويستهدف أو ينتج عنه تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة.

 

تحدثنا كثيراً عن العلمانية والدولة المدنية التي تصون حقوق المواطنة بالتساوي ولعلها أبرز خطوة على الطريق الصحيح لما بعد الحرب فهل كُتب عليها أن تموت في المهد؟
مما لا شك فيه أن من عناصر النجاح لأي وثيقة دستورية هي محاولة تقديم حلول للإشكاليات السياسية المجتمعية التي تعاني منها البلاد، وفي الوقت نفسه تعكس توافقات تتجاوز تلك اللحظة، ليُكتب لها نصيب من الاستمرارية والدوام، وتُبقي باب التعديل مفتوحاً لتعالج القضايا المستجدة. وبالنظر إلى أهم الإشكاليات التي تعاني منها سوريا اليوم، فيمكن تلخيص أهم القضايا السياسية الإشكالية، بما هي قضايا مترابطة بـقضية الهوية وعلاقة الدين بالدولة وموضوع الحقوق والحريات الأساسية، وبما فيها مشاركة المرأة بصورة حقيقية وفعالة، وكيفية طمأنة المكونات العرقية والدينية والطائفية المختلفة داخل المجتمع السوري.

التمييز بين نماذج تطبيق العلمانية

ولعل من شروط التوصل إلى توافق في هذه القضية السجالية ضرورة القيام بحملة توعية في صفوف المواطنين للتفريق بين العلمانية التي تعادي الدين بالمطلق والتي جاءت من التجربة الفرنسية، وبين النموذج (الأنغلوسكسوني) للعلمانية، وهو النموذج الذي لا يعادي الدين، بل يتعامل معه بحيادية إيجابية. ولعل هذا يتجلى بالنموذج الأمريكي الذي لا يتبنى ديناً بعينه وإنما يحترم جميع الأديان. بالطبع الموضوع ليس بهذه البساطة ولكن يحتاج الى جملة توعية عبى نطاق واسع لأن سوريا الغد تستحق منا العناء والتعب وبالأخص بعد ما حصل خلال السنوات الماضية والدماء التي سقطت، فعلينا أن نكون أوفياء لمبادئنا وبالتالي فان إلغاء أو تهميش المكون المسيحي يعتبر انتقاصاً واضحاً وصريحاً لكل التضحيات التي قدموها ونسفاً لمبدأ المواطنة الصحيحة، فهي ليست منة أو استجداء عند المطالبة بالحقوق كاملة من دون تمييز حفاظاً على اللحمة الوطنية وعدم المس بها.

وقد بات جليّاً، وبالتزامن مع إعلان تأسيس التحالف العلماني ونشر بيانه الأول تحت قبة البرلمان، أن غالبية المعترضين عليه هم ممن وقفوا إلى جانب وزارة الأوقاف ومؤيديهم في معركة المرسوم 16، والذي كانت بعض بنوده تهدف إلى أسلمة مؤسسات الدولة، فيما لاقت بعض بنوده الكثير من الانتقادات الشعبية، على اعتبار أنها تمنح صلاحيات واسعة للجهات والمؤسسات الدينية وهذا مرفوض تماماً في المجتمع السوري المبني على التعددية.
ويستمر رجال الدين بمراقبة حركة العلمانيين وخصوصاً خلال الأشهر الأخيرة، في مطالبتهم بالعلمانية الصحيحة التي تدعو إلى قبول الآخر على اختلاف شريعته وطائفته. وقد تداعى العديد من المثقفين السوريين الى الحرص على تبني دستور علماني تلافياً للفتنة ودرءاً لشرخٍ كبير يتربص بالمجتمع السوري، فلا اقليات ولا أكثريات وانما مواطنة صحيحة.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث"